الدرس في آداب المشي والركوب 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن مشي المعصية وكيف يمكن أن يؤدي إلى العذاب يوم القيامة بسبب شهادة الأعضاء والأرض على العبد. يجب حفظ الأقدام عن المعصية والاكتفاء بالمباحات.
يُحذر من مشي المعصية ويبين أنه سبب للعذاب يوم القيامة، ويجب الابتعاد عن المشي فيما حرم الله. الأعضاء والأرض تشهد على العبد بما فعل.
يناقش حكم المشي بين القبور بالنعال ويستدل على جوازه أو منعه بالأحاديث النبوية، مع تفسير الجمع بين الأحاديث المختلفة حول هذا الموضوع.
يتضمن الدعاء بأن ينفع الله بما قيل، والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مع التأكيد على أن الله تعالى أعلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في دروس خلت، إخواني في الله، كان حديثنا عن آداب المشي، وخاصة في مبحث مشي الطاعة، وذكرنا الضوابط والصور التي بها ينال العبد الأجر من مشيه ومن سعيه، وأشرنا كذلك إلى ما يتعلق بآداب المشي مع الغير، من آداب المشي مع الصالحين من الأخيار، مع الوالدين، ومع ذوي الحاجات. ومما يناسب ذكره أيضًا في هذا الباب، إخواني في الله، أن نذكر ما يتعلق بمشي المعصية، وهو المشي الذي ينال العبد من ورائه الإثم والوزر. فإن الإنسان قد يتحصل على أوزار عظيمة من خلال مشيه وسعيه. ومقدم لهذا الموضوع، إخواني في الله، قد ذكرنا فيما مضى أن حالة المشي التي حباها الله لنا هي من نعم الله علينا، إذ جعلك الله سبحانه وتعالى تمشي برجليك تنتقل من مكان إلى مكان، وهذا من عظيم إنعام الله على العباد. ولو أردت، يا عبد الله، أن تستشعر بعظم هذه النعمة، فانظر لمن حرمها كيف حاله؟ لا شك ولا ريب أنه يتحسر، وهذا من عظيم البلاء الذي يبتل الله جل وعلا به العباد. فالحاصل أن المشي نعمة من نعم الله، وإنه ما من نعمة إلا ينبغي أن تقوم بشكرها، وإن من أعظم شكر النعم ما يكون من تأديتها في طاعة الله. هذه نعمة عظيمة، وهذا هو شكر النعم. إن حباك الله جل وعلا بنعمة فأردت أن تشكر الله عليها، فتشكر الله عز وجل على هذه النعمة، فقم بتسخيرها في طاعة الله وفي عبادة الله، فهذا هو الشكر لهذه النعمة. فكما أن الله حباك بنعمة المشي، مر معنا أن تجعلها في طاعة الله، بالذهاب إلى أماكن الطاعة، إلى الجمع والجماعات، وإلى المساجد، وإلى زيارة الأرحام والأقارب، وإلى غير ذلك، بها تؤجر. وهكذا الرجل، إن سخرتها في معصية الله، فإنك تؤثم، ويأتيك الوزر. وللأسف، كم من أناس على هذا الحال، لم يشكروا الله على هذه النعمة، فجعلوا المشي آلة من آلات المعصية، فيذهب يمنة ويسرة، ويقتحم ما حرم الله جل وعلا. وسيأتي معنا ما يتعلق بصور مشي المعصية. وأعلم، يا عبد الله، وهذا مما ينبغي أن تتفطن له النفوس، وخاصة من جعل من مشيه آلة من آلات المعاصي، إلى أن الله عز وجل، وإن سترك في هذه الدار وفي هذه الدنيا، فإن هذه الرجلين ستفضحك يوم القيامة وتخزيك أمام الخلق. كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، فهذه الأعضاء بشكل عام، ومنها الرجلين، فإنها ستشهد عليك يوم القيامة بما فعلت، أين ذهبت، ومن أين قدمت، وماذا اكتسبت. ستفعل ذلك، هي هي أنت الآن تحرص على أن تمتعها في هذه الدار، لكنها تحفظ كل ما فعلت، ثم يوم القيامة تخزيك، ليس فقط بينك وبين ربك، بل بين رؤوس الخلائق. يوم نقدم على أفواههم، وتكلمنا أيديهم، وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون. الرجل تشهد، تشهد عليه. ولهذا جاء من حديث أنس، والحديث أصح في مسلم، أن الله جل وعلا يقول لعبده: أظلمك عبادي؟ أظلمك ملائكة الكتبة؟ ظلموك في حسابك؟ فيقول هذا العبد: يا رب، إني لا أرضى علي إلا شاهدًا من نفسي. يظن هذا العبد أن أعضاءه، والتي لطالما متعها بالحرام وجعلها تتلذذ بالمحرمات، ظن أنها ستحميه يوم القيامة، وأنها ستستر عليه. فيقول هذا العبد: ربي، إني لا أرضى علي إلا شاهدًا من نفسي. فيقول الله جل وعلا: ﴿أَوَمَا تَرْضَى أَنْ أَكُونَ عَلَيْكَ شَهِيدًا﴾، ويقول: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ الْكِرَامُ الْكَاتِبُونَ﴾. فيقول عبد: لا، يا رب، إني لا أرضى إلا بشاهد من نفسي. فحينها يختم على فمه، فتنطق أركانه وجوارحه وأعضاؤه بما فعل. فتمالكه العجب، ما الذي يرى، والذي يسمع، هذه الأعضاء التي لطالما متعها بالحرام، هي التي تكشف عنه السرائر وتفضح أمام الخلق. وينظر وهو لا يستطيع يتكلم، لأن الله ختم على فمه، فتنطق جوارحه بما فعلت. فالكل يعترف، ومنها ما نحن بصدده، ما يتعلق بخطايا الرجلين، تتكلم الرجل بما فعلت، أين ذهبت، وأين قدمت، وأين قفزت، إلى غير ذلك. فحينها، بعد ذلك، لما يرى العبد أنه قد وقع وأنه قد فضح، ثم يرفع عنه اللجام، فأول ما يتكلم به أن يتوجه إلى أعضائه فيقول لها: سحقًا لكم، وبعدًا لكم. كنت أناضل عنكم، كنت أجادل، هذا آخر المعروف، كما يقال، أدافع وأُنافس وأتستر عليكم، ها أنتم الآن تفضحوني أمام الرب. سحقًا لكم، وبعدًا لكم، كنت أناضل عنكم، كنت أجادل. فاحرص، يا عبد الله، على أن الرجل لا تفضحك عند الله جل وعلا، وذلك بأن تذهب بها يمنة ويسرة إلى ما حرم الله. وليس هذا فحسب، ليس فقط الأقدام والأعضاء هي التي تفضح، بل حتى الأرض، الأرض يوم القيامة تنطق تتكلم، ومما تتكلم به الأرض يوم القيامة أنها تشهد على أهلها، على سكانها، بما فعلوا من ذنوب، بما فعلوا من معاص. يوم ﴿زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾، يومئذٍ ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾. ذكر المفسرون عند هذه الآية أن من أخبار الأرض أنها تتحدث بما وقع على ظهرها، فلان مشى، وفلان ذهب، وفلان فعل. فانظر، يا عبد الله، إلى هذه الحجج، حجة وحجة تسمعها يوم القيامة، من أعضائك، من الأرض الذي كنت تخطو عليها، من الملائكة التي حضرت، كل ذلك يشهدون عليك. لماذا؟ على هذا المشي الذي أنت سعيت به هنا وهنا، فيما حرم الله. فما هو المخلص؟ المخلص، يا عبد الله، احفظ هذه الأقدام وهذه الأرجل، واجعل مشيك في طاعة الله. وما ضيق الله عليك، وأماكن التي تمشي بها كثير، وهي مما أباحها الله وأجازها الله، وهي مما يحبها الله. كم من أناس نعرفهم، وأنتم تعرفونهم، ما يذهب إلى أماكن مقيتة. إن خرج، خرج من بيته إلى مسجده، أنعم بها من ممشى. إن خرج، خرج من بيته إلى محل عمله، من الأمور المباحة، وإن أراد بها القيام بحق أهله وأسرته، فإنه يؤجر على عمله وعلى وظيفته. ذهب برًا، ذهب بحرًا، ذهب جوًا، يؤجر على هذا. أو يذهب إلى زيارة أقاربه، أرحامه، يذهب إلى زيارة زملائه في مجالس الخير، هذا مما أباحه الله. وقس، يا عبد الله، ما ضيق الله عليك. أما أنك تجعل هذه الأقدام تذهب فيما حرم الله، فإن هذا مما يغضب الرب سبحانه وتعالى، ويكون بمشيك هذا إثم، من أول ما تخرج إلى أن تصل. وهذه الخطوات تكون محسوبة عليك من الأوزار والآثام. وقد ذكر العلماء، رحمهم الله تعالى، أن مشي المعصية يكون به الوزر والإثم، إنما يكون بالنظر إلى قصده، أو النظر إلى وصفه. وقد مرت الإشارة لهذه المسائل. أحيانًا يكون مشي المعصية ينظر فيه إلى المقصد، إلى أين تذهب؟ إلى أين تذهب؟ فإن كان المبتغى، وكان الممشى إلى مكان فيه معصية، فحينها تؤثم على هذا المشي. مثلًا، أردت أن تذهب إلى أماكن أوكار للدعارة والفساد، تؤثم. لتناول المخدرات، وما يلحق به من مسكرات، ومن ذلك مجالسة القيل والقال، تؤثم على هذا المنشىء. أو أردت أن تنتهك حرمة من حرمات الله، تؤثم على هذا المسعى. أو أردت أن تسرق بيتًا من البيوت، تنهب محلًا من المحلات، أو أنك تخيف الطريق، تؤثم على هذا المسعى. وقس على ذلك. ومن ذلك مجالس الغيبة، ومجالس النميمة. فقد جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام، عن قبرين مر بهما، قال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة». هذا ممشاه، من هنا إلى هنا، ومن هنا إلى هنا، هذا المشي، وهو السعي، كان لقصد نشر النميمة، نشر القالة بين الناس، يفتن بين هذا وبين ذاك، وبين هذا وبين ذاك، هذا مشي معصية. فلما كان يمشي بين الناس بالنميمة، عذبه الله جل وعلا في قبره. وهكذا قس، كل من مشى في مكان ومقصد، وأراد به معصية، فإنه يؤثم. وهذا وصف الأول، أن يكون المشي المعصية ينظر إلى مقصده، أو ينظر إلى وصفه، إلى الصفة التي يمشي بها. أحيانًا النظر إلى مشي المعصية يكون فيها النظر إلى وصف الماشي، على أي هيئة مشى بها، ليس النظر إلى المقصد، لا، إلى الصفة، إلى الوصف. ومرة مر معنا، تذكرون من أوائل مباحث المشي، أن النهي عن المشي بنعر واحدة، هذا ما يجوز، هذا المشي منهي عنه، مكروه. لماذا؟ لأنك على وصف لا يرضاه الشرع. فحينها لا يجوز لك هذا. فهذا من المشي المعصية. أو كذلك من يمشي مشيًا فيه تبختر وخيلاء، وقد مر ذلك معنا. رجل إذا مشى يتبختر في مشيه، وقد جاء ذلك في حقه الوعيد، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «بينما رجل يمشي يتبختر في مشيته، معجبًا بنفسه، إذ خسف الله به الأرض». لماذا خسف الله به الأرض؟ لأن هذا في مشيته مشية في صفة لا يحبها الله، وهو التبختر والخيلاء والاستعظام والإعجاب بالنفس، هذا لا يحبه الله سبحانه وتعالى. وقس على هذا، يا عبد الله، فقس، تجد أن الشرع جعل من مشي المعصية الذي لا يحبه الله ما يكون مشيه إما إلى مقصد حرام، أو على صفة لا يحبها الله. وهكذا من هذه الأماكن نذكر في هذا الباب المشي بين القبور بالنعال، هذا من الأوصاف التي لا يحبها الله جل وعلا، وقد جاء النهي عن ذلك. فقد قال عليه الصلاة والسلام لرجل، عندما رآه يمشي بين القبور بنعليه: «يا صاحب السبتيين»، والسبتية هي النعال التي لا شعر لها، كما يقول بعض الشرع، وهي كهذه النعال التي الآن عليها أكثر الناس، لا شعر عليها، إنما يكون جلد صافي لا شعر. فلما رأى نبينا هذا الرجل وقد لبس هذه النعال، طبعًا والنهي ليس يتعلق بصفة النعال، لا، وإنما بالانتعال عمومًا، بدليل أن النبي قال: «يا صاحب السبتيين، أخلع نعليك». فأمر بخلع النعال بشكل عام، سواء كانت سبتية أو غير سبتية. فاستفاد العلماء، وهذا مذهب جماعة من العلماء، إلى عدم جواز المشي بالنعال بين القبور. بين القبور، فهذا منهي عنه. وهذا يقول العلماء: أولًا، إذا لم تكن هناك أذية، فهذا قيد مهم. فإن وجدت أذية في أنك تمشي بين القبور حافية، فلا، مثل أذية أن تكون في الظهيرة، الشمس حارة جدًا، ما يمكن أن تمشي. فحينها لا بأس أن تلبس النعل، ولو تمشي بين القبور، لأن لك عذر. أو كانت المقابر كبعض المقابر، يجد فيها شوك، شوك، منذ أن تدخل فيها وأنت ترفع الرجلين من شدة الألم من وغز الشوك، هذا ما يمكن أن تمشي به على هذه الصورة. هذه أذية، صحيح تريد أن تطبق سنة، لكن على حساب أنك تؤذي القدمين، قال العلماء: لا، إلبس النعل لوجود الشوك، ونحو ذلك من الزجاج، أو ما كان فيه أذية من القدمين، فهذا، إخواننا في الله، لا بأس به، أنك تلبس النعل، ولو كنت تسير بين القبور، هذا عند الحاجة. وإن لم تكن هناك حاجة، فلا يجوز أن تلبس النعل بين القبور. الوصف الثاني، أن يكون هذا المشي بين القبور. أما إذا كنت تمشي في أطراف المقبرة، لا يضرك هذا. لا يضرك هذا، يعني أحيانًا نعم، تجد أن بعض الناس إذا دخل المقبرة من أول ما يدخل إلى المقبرة يخلع النعل، هذا إذا أراد. لكن هل أنت ملزم في هذا المكان؟ لا، أنت لم تلزم، وليست ملزمًا. وإنما أنت ملزم أن تخلع إذا مررت بين القبور، أو خشيت مثل كلًا من خشيت من هذه الناحية، من باب التورع والإحتياط، فلا بأس. أما أنك تمشي في أماكن، يعني ليس فيها قبور، وهي ممهدة للمشي عليها، فلا بأس أن تمشي بنعليك. فهذا هو الذي يقال في هذا الباب، أنك لا يجوز أن تمشي بنعليك بين القبور. وهنا إشكال يذكره بعض العلماء، وهو في حديث: «إن الميت لا يسمع قرع النعال إذا انصرف عنه أصحابه»، فيستدل بعضهم على أن النعال تلبس في المقابر، بدليل أن الميت يسمع قرع النعال. فإذا هناك نعال نعال تمشي فوقه، فهو يسمع بالنعال الموجودة، إذن فلهذا ذهب جماعة من العلماء إلى جواز المشي بنعال مطلقًا. هذا قال به جماعة من الفقهاء. لكن، صحيح لا، لأن هناك جمع ممكن في هذا الباب. والجمع الممكن أن يقال: إن الميت إنما يسمع قرع النعال إذا انصرف الناس. إذا انصرف الناس. والصورة في هذا الباب، إخواني، لو تخيلتموها، أن الداخل على المقبرة إذا مشى بنعله، فأراد أن يدخل بين القبور، فإنه يترك النعل في طرف، في طرف، قبل أن يتحرك بين القبور. فيترك النعل في هذا الباب، ثم يتخلل القبور مشيًا. فإذا تم الدفن، وانصرف، فلبس النعل منصرفًا، حينها يسمع الميت قرع النعال. هذا هو الجمع، إخواني في الله، فيلا إشكال في الجمع بين الحديثين، على ما جمع به طائفة من العلماء. فالحاصل، إخواني في الله، علمنا من هذا، وستأتي معنا مساء العدة حول ذكر الأماكن التي ينهى عن المشي فيها. فعلمنا أن الباب الأول: المشي في معصية، ويدخل في ذلك إذا كان في مقصده، أو في وصفه. فإذا كان المقصد إلى مكان حرام، فالمشي معصية. أو كان المشي في وصف منعه الشرع، فهذا كذلك المشي حرام. ويضاف إلى ذلك أماكن ذكرها شرعنا، ومما مر معنا الآن آنفًا، وهو المشي بين القبور بالنعلين. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.