شرح رسالة فضل الإسلام 57

شرح رسالة فضل الإسلام 57

الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 57، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير آية فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا والإخلاص لله

المقطع يتناول تفسير قول الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾، ويشير إلى الإخلاص لله سبحانه وتعالى. يشير إلى أن ذكر الوجه هنا يمثل الكل، كما أن الوجه مجمع للحواس، فيكون المقصود هو التوجه الكامل لله.

معنى الوجه والفطرة في الآية وخلق الله

يفسر المقطع معنى الوجه في الآية بأنه أشرف ما في الإنسان ودفة القيادة للجسم، ويشرح معنى الفطرة بأنها خلقة الله التي فطر الناس عليها وهي الإسلام. كما يبين أن الآية تحمل معنى الطلب والنهي رغم صيغتها الخبرية.

وجوب إقامة الدين وإخلاص العبادة لله تعالى

المقطع يبين وجوب إقامة الدين وإخلاصه لله تعالى، ويشير إلى أن أعظم ما أمر الله به العباد هو إخلاص العبادات له. يكون ذلك بإخلاص العبادات بكل صورها لله سبحانه وتعالى، ويتطلب عدم الالتفات إلى غير الله والابتعاد عن الشرك.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. أورد رأيه رحمه الله تعالى، هذا الباب من الأبواب المتعلقة بفضل الإسلام. وأورد رحمه الله تعالى هذه الآية، وهي قول جل في علاء: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾، وقول سبحانه وتعالى: ﴿أَقِمْ وَجْهَكَ﴾. قال العلماء: هذه إشارة إلى الإخلاص، بمعنى أن المرء يقبل بكليته لله سبحانه وتعالى، هذا المقصود. لكن هنا عبر بالوجه فقط، فقال سبحانه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾، لكن هنا المراد به الكل، فهذا من باب ذكر البعض ويراد به الكل، كما يقال: اعتق رقبة، ما المقصود برقبة هنا؟ رقبة فقط، ولا الإنسان كاملًا، العبد وأمه؟ هذا المقصود، العبد والأمة، فيذكر البعض ويراد به الكل. فأقم وجهك، أي أنت بكليتك تقبل على ربك جل وعلا. لكن بقي لماذا ذكر الوجه؟ قال علماء: يحتمل هذا عدة أمور، إما أن الوجه لأنه مجمع الحواس، حواس الإنسان كلها قد جمعت في وجهه: النظر، والتذوق، والاستنشاق، وهكذا الفكر، والاستماع، إلى غير ذلك، فالحواس الخمس جمعت في وجه الإنسان، فذكر به. وقيل: أن الوجه إنما ذكر لأنه أشرف ما يكون في المرء، أشرف ما يكون في الإنسان الوجه، ولهذا الإنسان إذا خاف من أحد، مثل شخص رمى بأمر، فأنت أول ما تحمي من جسدك الوجه، أول ما تحمي من جسدك الوجه، لا تجعله على القلب أو تجعله على البطن، تجعله على وجهك، الحماية تحمي الوجه لأنه أشرف ما يكون في الإنسان، ولهذا ذكر الله جل وعلا وعلا الإنسان بوجهه. وقيل: أن الوجه هنا ذكر لأنه دفة القيادة، دفة القيادة الجسم إنما يتبع الوجه، فإن اتجه الوجه إلى هذه الجهة فالجسم كله تبع، لا يمكن أن الوجه يذهب إلى مكان والبدن إلى مكان آخر، بل البدن ينساق خلف الوجه أينما اتجه، فالبدن تبع، فذكر الوجه دلالة على أن الكل سيتجه إذا اتجه الوجه، والقصد من ذلك الإخلاص لله سبحانه وتعالى. فقال سبحانه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾، والحنيف قد مر معنا من الحنف، وهو الميل، والحنيف هو المائل، والمقصود هنا بالحنيف والمائل عن ملة الشرك، المائل عن ملة الشرك هذا هو الحنيف. وفي قول سبحانه: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ﴾، فطرة الله أي خلقة الله التي خلق الله عليها العباد، فطرته خلقته سبحانه وتعالى. وقد قال العلماء: فطرة الله هنا نصبت، والتقدير: إلزم فطرة الله، إلزمها، كما سيأتي في القول سبحانه: ﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾. وما هذه الخلقة التي فطر الناس عليها؟ قال العلماء: هي الإسلام، هذه الفطرة التي أودعها الله جل وعلا في البشر، وفي كل خلق من خلقه أن أودع فيهم الإسلام. ولهذا قال ابن عبد البر وجماعة: على أن هذا القول هو قول عامة السلف، عامة السلف على تفسير الفطرة هنا بمعنى دين الإسلام، وهذا الذي فطر الله الناس عليها. ثم قال سبحانه: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، لا تبديل لخلق الله، أي لا تبديل لهذه الخلقة والتي فطر الله الناس عليها. وقال العلماء هنا: لا تبديل لخلق الله تحمل على أحد معنيين، إما أن تحمل هذه الآية لا تبديل لخلق الله هي خبر، لكن المراد منها طلب، المراد منها الطلب بمعنى لا تبديل لخلق الله، بمعنى لا تبدل خلق الله. لا تبديل هذه الخلقة التي خلق الله عليها العباد، فهذه الآية وإن كانت على صيغة خبر، لكن المراد منها الطلب، المراد منها النهي، فهذا على قول جماعة من المفسرين، أي لا تبدلوها بسوء تربية أو بسوء عشرة أو بالاعتقادات الفاسدة، لا تبدلوها. قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾، بمعنى الدين المستقيم الذي لا عوج فيه ولا حلال، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، أي لا يعلمون باستقامة هذا الدين وبما جعل الله عليه فيه من براهين، ولهذا أكثرهم أدبر وأعرض عن هذا الدين وعن اعتناقه. هذا المعنى العام لهذه الآية التي أوردها المؤلف رحمه الله تعالى تحت هذا الباب، بقوله: باب قول الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وفي هذه الآية إخواني في الله من الفوائد والمسائل، أولاها وجوب إقامة الدين، يجب أن الدين يقام، وأن أعظم ما يقام في الدين هذا الأصل الأصيل، وهذا الركن الركين، ألا وهو إخلاص الدين لله سبحانه وتعالى، أعظم ركن في الدين. كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء﴾، هذا أعظم ما أمر الله جل وعلا به العباد، أعظم ما يتعبد به الخلق ربهم جل وعلا أن يخلصوا العبادات بكل صورها: القلبية، والفعلية، واللسانية، من عبادات، من طاعات، من أركان، من واجبات، من نوافل، من مستحبات، من قربات، كل الدين يكون لله سبحانه وتعالى مخلصًا لله الدين. وأكد ربنا جل وعلا هذا المعنى بقوله: ﴿حَنِيفًا﴾، إذ أن من تمام الإخلاص أنك لا تلتفت إلى غيره، وإنما تلتفت عن الغير. وكما قلنا: الحنيف هو المائل عن ملة الشرك، تميل عنها. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.