الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 45، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يختم الناظم منظومته طالباً من المنصوح عدم الالتفات إلى تقصيره بل الأخذ بوصاياه، مؤكداً أن الناصح والواعظ يجب أن يكون قدوة عملية. يستدل بآيات قرآنية وحديث عن وعاظ النار الذين أمروا بالمعروف ولم يأتوه ونهوا عن المنكر وفعلوه.
يوضح المقطع أن النصيحة تُقبل حتى لو صدرت من مقصر، ويستعرض أبيات منظومة الإلبيري التي تبلغ 115 بيتاً مع زيادات في بعض النسخ. يذكر ثلاثة أبيات زائدة ومواقعها، ويختم ببيان أن المنظومة افتتحت وخُتمت بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كأدب راقٍ وقربة عظيمة.
أتم المحاضر شرح 115 بيتاً من منظومة الإلبيري، مستعرضاً نحو أربعين موضعاً تستحب فيها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من كتاب ابن القيم. وأوصى بشرح «فتح الرزاق» للدكتور أمير شيشي كأحسن الشروحات المتاحة.
أعلن المحاضر أن الدرس القادم سيكون في «حلية طالب العلم» للعلامة بكر أبو زيد، كما أشار إلى مواصلة الحديث حول مواضيع المنظومة مع تسميع الأبيات الثلاثة الأخيرة. ختم الجلسة بالدعاء والتسبيح سائلاً الله التوفيق.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: قال الناظم أبو إسحاق إبراهيم بن مسعود التجيبي الغرناطي الإلبيري الأندلسي رحمه الله تعالى في خاتمة هذه المنظومة: «ولا تأخذ بتقصيري وسهوي وخذ بوصيتي لك إن رشدت وقد أردفتها تسعا حسانا وكانت قبل ذا مئة وستا وصّل على تمام الرسل ربي وعترته الكريمة ما ذكرت» هنا رحمه الله تعالى في خاتمة هذه الرسالة وهذه المنظومة البديعة السلسة، وبعد أن قدم تلكم النصائح العظيمة والتوجيهات السديدة، عادا متواضعا ويلم نفسه ويهضمها، يقول لهذا المنصوح، يقول لأبي بكر: «ولا تأخذ بتقصيري وسهوي وخذ بوصيتي لك إن رشدت». يعني: لا تنظر إلى أني أنا الناصح وأنا المتكلم، عندي تقصير وعندي إساءة، ما عليك من إساءتي، ولا تنظر إلى تقصيري، ولكن انظر إلى هذه النصائح وهذه التوجيهات التي بذلتها لك. وسبق معنا يا إخوان أن الناصح ينبغي أن يكون قدوة للمنصوح؛ مواعظ الواعظ لن تقبل حتى يعيها قلبه أولا. يا قوم، من أظل من واعظ خالف ما قد قاله في الملأ؟ أظهر بين الخلائق إحسانه، وخالف الرحمن لما خلا. فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون﴾. وهكذا قوله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾. الأصل يا إخوان أن الناصح، وأن المتكلم، وأن الواعظ، أنه يكون قدوة للآخرين، فيمتثلوا ما يأمر به وما يعظ به وما ينصح به. ومر معنا أيضا حديث أسامة بن زيد في ذلكم الرجل من أهل النار الذي تندلق أقتاب بطنه، تخرج الأمعاء ونحوها، قال: «فيدور حولها كما يدور الحمار حول الرحى، فيجتمع عليه أهل النار، فيقولون: يا فلان! يعني: ما الذي جاء بك؟ أنت خطيبنا، أنت إمامنا، أنت مدرسنا، أنت واعظنا، أنت الذي كنت تنصح. يا فلان، أما كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟» قال: «بلى، كنت أمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه». فخطورة من قال قولا وخالف ما قاله! فالأصل أنه يكون قدوة لآخرين ومثالا أيضا لآخرين. لكن مع هذا كله، لو نصحك مقصر ووعظك مصيح، هل معنى هذا يا إخوان أن النصائح لا تقبل، وأن المواعظ كذلكم أيضا ترد؟ الجواب: لا، وإنما يؤخذ الحق من هذا القائل. فماذا؟ فهنا يقول له: «ولا تأخذ بتقصيري وسهوي، ولا تأخذ بتقصيري وسهوي، وخذ بوصيتي لك إن رشدت». وكم هي يا إخوان نصائح ماتعة قدمها رحمه الله تعالى! فانتفع بها المنصوح، وانتصح بها أهل ذلكم الزمان وذلكم المكان، بل لا زالت الأجيال تستفيد من مثل هذه النصائح وهذه التوجيهات. قال: «وقد أردفتها تسعا حسانا، وقد أردفتها تسعا حسانا، وكانت قبل ذا مئة وستا». أردفها يعني: أتبعها بتسع حسان. ما هذه تسع الحسان يا أبا عبد الله؟ ما هذه تسع الحسان؟ قلت: الله أعلم. صح. نعم يا أبا الفضل، أيضا الله أعلم. نعم يا أبا عبد الرحمن: أبيات أضافها إلى المئة والستة. إذن مئة وستة، أضفنا لها تسعا، أصبحت خمسة عشر ومئة بيتا. ولهذا سبق معنا أن أبيات هذه المنظومة هي مئة وخمسة عشر بيتا. وفي ديوان الإلبيري الذي جمع نحو من تسع وثلاثين قصيدة، وقيل أربعين قصيدة، له أولها هذه القصيدة، في ديوان الإلبيري مئة واثنا عشر بيتا، وهكذا موجود في بعض النسخ، وفي البعض الآخر بزيادة ثلاثة أبيات. هذه الثلاثة الأبيات عندنا: البيت الثامن والعشرون، والبيت المئة وسبعة، والبيت الأخير. أما البيت الثامن والعشرون فهو قوله: «وإن أهملتها ونبذت نصحا * ومِلتَ إلى حطام قد جمعت». وأما البيت المئة وسبعة فهو قوله: «فليس الزهد في الدنيا من يكمل * فليس الزهد في الدنيا خمولا * لأنت بها الأمير إذا زهدت». والبيت الأخير ألا وهو: «وصّل على تمام الرسل ربي * وعترته الكريمة ما ذكرت». ومعنى عترته: أي عشيرته، أي عشيرته، قال: الكريمة ما ذكرت. ومن المناسب يا إخوان أنه بدأ المنظومة بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا أيضا ختمها بالصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا من حسن الأسلوب وجميل الأدب الذي ينبغي أن يسلكه الكاتب، وهكذا أيضا الناظم. والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لا يخفى على الجميع أنها عبادة عظيمة وقربة جليلة يتقرب بها العبد إلى ربه عز وجل. وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى نحو من أربعين موضعا تستحب فيها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كتابه القيم «جلاء الأفهام في فضل الصلاة على خير الأنام»، على خير الأنام، ذكر نحو من أربعين موضعا. وبهذا أيها الأحبة في الله نكون قد أتينا على هذه الأبيات الخمسة عشر بعد المئة الأولى من أبيات هذه المنظومة. فماذا؟ نحمد الله عز وجل أولا وآخرا، ظاهرا وباطنا، الذي بنعمته تتم الصالحات. وأسأل المولى عز وجل أن يجعل ما نقوله وما نسمعه حجة لنا لا حجة علينا يوم نلقاه، ويسأله عز وجل أن يرزقنا علما نافعا وعملا صالحا يقربنا إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. هنا أمران يسأل أو يسأل بعض الإخوة عنهما: الأمر الأول: ما أفضل شروحات هذه المنظومة، منظومة الإلبيري؟ لا شك أن العلماء اهتموا بهذه المنظومة شرحا، وهكذا أيضا ضبطا إلى غير ذلك. شرح الشيخ عبد المحسن القاسم لا بأس، وهكذا أيضا شرح الشيخ عبد الرزاق البدر، كذلك أيضا لا بأس به، وهو مجرد تفريغ لدروس ومجالس، وتعرف أن التفريغ لا تحصل به العناية كعناية كتابة الشرح. وهناك بعض الشروحات لبعض المشايخ وطلاب العلم، لكن يعني من أحسن هذه الشروحات التي مرت بي هو شرح بعنوان «فتح الرزاق بشرح تائية أبي إسحاق»، وهي للدكتور أمير شيشي في كلية العلوم جامعة القاهرة. شرح مهذب ومرتب، جمع بين العقيدة وبين الحديث، وبين كذلكم أيضا الشعر والأدب وغيرها من المجالات، فهو حسب طلاعي القليل ومعرفتي القاصرة يعتبر من أحسن ما رأيت من شروح هذه المنظومة. السؤال الثاني: يقول بعض الإخوة: ما هو الدرس الذي سيكون عقب هذا؟ فأنا ترددت كثيرا، وأشار علي بعض الإخوة بـ «حلية طالب العلم» للشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى، وهي كاسمها حلية جميلة وعظيمة في بابها. فإن شاء الله عز وجل سيكون الدرس القادم في «حلية طالب العلم» للعلامة بكر بن عبد الله أبو زيد. وفي درس يوم غد إن شاء الله عز وجل لا زال الحديث حول منظومة الإلبيري، نعرج ونأخذ جولة سريعة حول مواضيع أو المواضيع التي اجتملت عليها هذه المنظومة، هذه المنظومة إن شاء الله عز وجل، وسيكون معنا تسميع الأبيات الثلاثة الأخيرة من هذه المنظومة. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.