الخطبة بعنوان الآثار السيئة من الاحتفال برأس السنة، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 17 جمادى الأول 1442هـ الموافق 1 يناير 2021م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع خطورة احتفال المسلمين بأعياد الكفار مثل عيد الكريسمس ورأس السنة الميلادية، ويحذر من تقليدهم في ذلك. يُبين أن الإسلام نظم حياة الإنسان وجعل الأعياد مرتبطة بالشرع.
يُناقش المقطع حقيقة شخصيات وأصول احتفالات الكفار الوثنية والنصرانية، ويحذر من المشاركة فيها لما فيها من مخالفة لعقيدة التوحيد وتأثيرات على عقيدة الولاء والبراء لدى المسلمين.
دعا الشيخ بالنصر للمسلمين وتثبيت أقدامهم وتقبل موتاهم في الشهداء، كما دعا بالشفاء للجرحى والنصر لجند الله على الأعداء. ختم الدعاء بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، اعلموا رعاكم الله أنا من أعظم خصال الإسلام أنه جاء لتنظيم حياة الإنسان، سواء كان في علاقته مع ربه أو في علاقته مع سائر الأنام. فإن الله جل وعلا لم يجعل الإنسان في هذه الدنيا هملاً ولا سبهللا، وهكذا نظم حياته ونظم حاله في جميع شؤون حياته، في مأكله ومشربه ومنامه وملبسه، وفي مدخله ومخرجه، وهكذا في أفراحه وأتراحه. فمظاهر السرور والفرح وأوقات اللعب والمرح جاء الإسلام بتنظيمها وتهذيبها وتشريعها. دخل عليه الصلاة والسلام المدينة فوجدهم يلعبون في يومين، ثم قال: «إن الله قد أبدلكم بخير منهما يوم الفطر ويوم الأضحى». فدل ذلك على أن مسائل الأعياد هي تعود وتؤول إلى شرعنا، فما هي متروكة إلى آرائنا وأهوائنا أو إلى عاداتنا وتقاليدنا. كما هو الحال في هذه الأزمان، إذ أن الناس فتحوا مصراع الاحتفال بالأعياد على مصراعيه، فأخذوا يحتفلون بأعياد ما أنزل الله بها من سلطان، كالاحتفال بأعياد وطنية وأخرى اجتماعية وأخرى فكرية، وهكذا أعياد موسمية. وإن الأمر ليزداد سوءًا ووبالًا ويزداد شرًا ونكرانًا إذا كانت هذه الأعياد مرتبطة بعقائد فاسدة وبسلوكيات شاذة منحرفة، كالاحتفال بعيد ميلاد المسيح أو ما يسمى بالكريسمس، هذا العيد الذي لاقى رواجًا كبيرًا بين الأمم والشعوب وبين المجتمعات والأفراد، حتى جُعل يومه عيدًا رسميًا في الدول، تُعطى لأجله الإجازات وتكثر في أيامه المهرجانات والاحتفالات. ويكثر بين الناس وبين العوائل والأسر كثرة المتنزهات والرحلات. وإن كثيرًا من المحتفلين بمثل هذا العيد لا يدري عن حقيقة أمره وما هيته، فضلًا أن يتعرف على حكم الشرع فيه. ألا فاعلموا عباد الله أن هذا العيد هو من الأعياد التي اختصت به النصارى عباد الصليب، فهم يعظمونه ويمجدونه ويقدسونه، فيحتفلون به في كل عام. فما للمسلمين واحتفالهم بأعياد الكافرين؟ هل هم يحتفلون بأعيادنا؟ هل هم يحتفلون معنا في يوم الفطر والأضحى؟ ما لكم لا تعقلون؟ ألنا الدنية أم لهم؟ ألنا العزة أم العزة لغيرنا؟ ثم نعلم عباد الله، وعلينا أن نعلم جميعًا أن النصارى في مثل هذا العيد يعتقدون أن عيسى عليه السلام قد ولد في هذه الأيام، إلا أنهم لا يعتقدون أن نبيًا رسولًا ولد، بل هم يعتقدون أن ابن الله قد ولد في مثل هذه الأيام. وطائفة أخرى ترى أن الله جل وعلا باتحاد اللاهوت مع الناس ولد في مثل هذه الأيام. قولوا لي بربكم، كيف لمسلم موحد يقرأ قول الله جل في علاه: ﴿قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوًا أحد﴾، كيف بمسلم يعتقد ويعتليق ملة الإسلام، ثم بعد ذلك يفرح مع النصارى بميلاد المسيح، وكله رحابة صدر وتنطلق أسارير الوجه فرحًا وسرورًا؟ والله المستعان. وإن مما يرتبط بهذا العيد، وخاصة عيد رأس السنة، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بشخصية وهمية يسمونها بابا نويل، وآخرون يسمونه بسانتا كلوز، وهو عبارة عن شخصية وهمية يصورونه على أنه رجل مسن له لحية بيضاء وحلة حمراء، يعيش في القطب الشمالي هو وأهله، يصنعون الحلوى والألعاب. فإذا جاءت رأس السنة قام ودار بزلاجته، والتي تجرها الغزلان الثمانية، يطوف على البيوت فيوزع الحلوى والألعاب على الأطفال في حال نومهم. هذه الشخصية يا عبد الله، ما حقيقتها؟ قال المؤرخون: إن هذا الرجل هو اسمه نيكلوس، ظهر في القرن الرابع الميلادي، كان وثنيًا ثم أصبح نصرانيًا وتحمَّس لهذا الدين. وكان من أمره أن يوزع الحلوى والألعاب والحلويات على الأطفال حتى يجرهم إلى معتقده، فتفطن الرومان خطورة هذا الرجل على أطفالهم، إذ أنه كان يعتقد بأن عيسى هو الإله وأن عيسى هو الرب، فخاف الرومان على أطفالهم من هذا الرجل، فقاموا بسجنه وحبسه. هذا هو حقيقة بابا نويل وسانتا كلوز، ما هو إلا قسيس نصراني يقول بإلهية عيسى، تعالى الله عن هذا القول علوًا عظيمًا. ثم بعد هذا نجد أن الكثير من المسلمين يفتخرون بهذه الشخصية، فيشهدون بها ويذكرون الحكايات والقصص عنها، ويتسابقون إلى شراء المجسمات التي تجسد هذه الشخصية، ويجعلونها في محلاتهم وبيوتهم. وآخرون يسارعون إلى اقتناء تلكم الشجرة التي تعلق فيها الألعاب، كل ذلك في سبيل إحياء ذكر هذا الرجل. هل فطنت يا عبد الله إلى أنه قسيس نصراني؟ ناهيك عما يعتقده النصارى في مثل رأس السنة، في منتصفها، إذ أنهم يعتقدون فيها الاعتقادات، فيرون أن منتصف رأس السنة هي ليلة مباركة، إن فعلت فيها أمورًا مثل كأن تشرب فيها خمرًا فتكون ليلة مباركة عليك، لذا هم يعاقرون الخمور. ويقولون أيضًا بأن هذه الليلة هي ليلة شؤم وشر، وذلك متى ما فعلت بعض الأمور، مثل إن دخلت إلى بيتك وليس معك هدية، أو أنك قمت بإطفاء النار من بيتك، فإن هذه الليلة شؤم ونحس عليك. هكذا هم يعتقدون مثل هذه الاعتقادات في مثل هذه السنة وفي منتصفها. ورحمة الله على شيخ الإسلام حيث قال: «وأعياد المشركين جمعت بين الشهوة والشبهة والباطل، فلا خير فيها». فلا خير فيها، فيا أيها المحتفل، هل أنت معهم في مثل هذه الاعتقادات؟ أقول قولي هذا واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، فمما مضى عباد الله علمنا شيئًا مما يتعلق بمثل هذه الأعياد والمقام في مثل هذه الأوقات، وكيف أن الكثير من المسلمين قد اغتروا بها، فإن جرفوا خلفها معظمين لشأنها، وهم في جهل أو تجاهل عن حقيقة أمرها وعن حقيقة أسبابها ونشأتها، وكيف أنها تخدش في عقيدة العباد، وخاصة في عقيدة الولاء والبراء. هذه العقيدة العظيمة، والتي تحتم على كل مسلم ومسلمة أن يكون مستعليًا بدينه، مفتخرًا بشريعة ربه، ما يكون للكفار ولا لأعيادهم إلا الكفر والبغض. «قد بدت بيننا وبينكم العداوة والبغضة أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده». قال إمام حمد بن عتيق رحمه الله: «وليس حكم في كتاب الله فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم»، أي وجوب المعاداة للكفار. فما هناك من الأدلة أكثر وأوضح وأبين من هذه العقيدة الراسخة التي ينبغي أن تكون في صدور المسلمين، عقيدة الولاء والبراء. عباد الله، وإن مما ينبغي على المسلمين إزاء هذه الأعياد أولًا عدم إقامتها، أي عدم إقامة هذه الحفلات التي تقام من أجل هذه المناسبات، عدم إقامتها ولا المشاركة فيها ولا حضورها، ولا تكثير سواد أهلها. فقد جاء عن جمع من السلف أنهم فسروا قول الله جل في علاه: ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾، قالوا: «الزور هي أعياد الكفار والمشركين». فمن صفات أهل الإيمان أنهم لا يشهدون أعياد المشركين، فما ظنك بالذي لم يكتفي بالمشاهدة، وإنما حرص على إقامتها وعلى إظهارها وبروزها؟ فإن في إيمانه دخن وخلل. ثانيًا، ومما ينبغي علينا إزاء هذه الأعياد عدم التبادل والتناقل للتحايا والتبريكات والتهنئة لمثل هذه الأعياد، لأن التهنئة في هذه الأوقات هو إنما تهنئهم وتصحح مذهبهم بما هم عليه من الكفر. يقول علامة ابن القيم رحمه الله: «وأما التهنئة بشعار الكفار المختص بهم فحرامٌ بالاتفاق»، قال: «كأن يهنئهم بأعيادهم فيقول عيد مبارك عليكم»، فالتهاني والتبريكات وما يتواصى به المسلمون فيما بينهم في مثل هذه الأيام هي من المحرمات، لأن أمرها كأنك ترضى بما عليه القوم من الكفر. ثالثًا، ومما ينبغي علينا أيضًا إزاء هذه الأعياد عدم التعاون في إقامتها، ولو لم تحضر، ولو لم تحضر، فلا تعطِهم مكانًا ولا مالًا ولا متاعًا في سبيل إقامة مثل هذه الحفلات، فكل ذلك من التعاون على الشر والباطل. يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: «فلا يجوز لمسلم ولا لمسلمة مشاركة النصارى واليهود في أعيانهم»، ثم قال: «ولا يساعدهم بأي شيء، لا بالشاي ولا بالقهوة ولا بغير ذلك من الأواني». فاحذر يا عبد الله أن تعينهم بأي إعانة مادية كانت أو معنوية، فهي المشاركة معهم والتعاون معهم، هو التعاون على إقامة الباطل. وأخيرًا عباد الله، يا أيها المحتفل، ويا من تدعو إلى إقامة الاحتفالات، ويا من تسارع إلى تناقل التهاني والتبريكات في مثل هذه الأزمان والأوقات، أما ترى ما نحن فيه من أزمات ومعضلات، ومن مصاعب ومتاعب ومشكلات، من قتل وقتل وإراقة للدماء وإزهاق لأرواح أبرياء؟ وما كانت حادثة أمس حادثة المطار عنا ببعيدة، وليست عنا بخافية، إذ أصيب على أثرها العشرات والعشرات من المسلمين والمسلمات بين قتلى ومصابين وجرحى. الناس في هم، الناس في ضيق وغم، الناس في واد، وأنت أيها المحتفل في وادٍ آخر، همك وهمتك التشبُّه بأعداء الله من الكافرين. وإنما كان ينبغي عليك وعلينا أجمعين أن نتضرع إلى رب العالمين جل وعلا أن يكشف عنا الغمة، وأن يدفع عنا هذه النقمة، وأن يحسن أحوالنا إلى أحسن حال، لأننا نتشبه بأعداء الله. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم أرِد بلادنا اليمن وسائر بلاد المسلمين بخير، وفقها لكل خير، ومن أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بسوء، اللهم اشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه، يا رب العالمين. اللهم عليك بكل عدو لهذا الدين، اللهم عليك باليهود الغاصبين والنصارى الصليبيين الحاقدين، اللهم عليك بالرافضة المجوسيين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم فرق شملهم، وشتت جمعهم، واجعل الدائرة عليهم، يا رب العالمين. اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم ثبِّت أقدامهم، واجعل النصر حليفهم، اللهم تقبل موتاهم في الشهداء، ومن على جرحاهم بالشفاء، ومن على جندك بالنصر المؤزر على جميع الأعداء، إنك ولي ذلك، يا مجيب الدعاء. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله. الله أكبر، الله أكبر، شهدوا.