الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 41، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل آداب المعلم كما ذكرها الإمام النووي، ويشدد على أهمية الحذر من الحسد والرياء والعجب واحتقار الناس. يُوضح كيفية التعامل مع هذه الأمراض بطرق مثل الرضا بقضاء الله ودعاء المحسود له.
يتحدث هذا الفصل عن أهمية تواضع العلماء واحتقارهم لأنفسهم لتجنب العجب والرياء، ويوضح أن هذا التواضع ليس دليلاً على تقصيرهم أو وجود ذنوب لديهم، بل هو وسيلة لتربية النفس وعدم التكبر.
يشرح هذا الفصل كيفية نفي الرياء والعجب عن النفس، ويبين أهمية الصبر على المصائب وتقبل قضاء الله وقدره، مع ضرورة شكر الله على نعمه وعدم الاغترار بالنفس.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فذكرنا في «ترس المضغي» في مقدمة المجموع للإمام النووي رحمه الله بعض آداب المعلم، وذكر من آداب المعلم الحذر من الحسد والرياء والعجب واحتقار الناس، وإن كانوا دونه بدرجات، وذكر أن هذه أدواء وأمراض يبتلى بها كثيرون من أصحاب الأنفس الخسيسة. ثم ذكر كيف ينفي الرجل عن نفسه إن وجد ذلك، أن أحيانًا الإنسان يجد هذا بطباعه، فيجد أنه يحسد أخاه ويحسد زميله الذي كان معه في العلم، فيحصل بينهم العداء والبغضاء بسبب الحسد، وهذا يحصل. فذكر الشيخ رحمه الله عز وجل أنه ينبغي أن ينفي عن نفسه هذا الأمر. قال: وطريقه في نفي الحسد أن يعلم أن حكمة الله تعالى اقتضت جعل هذا الفضل في هذا الإنسان، فلا يعترض ولا يكره ما اقتضته الحكمة، بل يرضى بقضاء الله، احترازًا من المعاصي. أحيانًا الإنسان يطلب العلم، مثلا، فيأتي آخر يطلب العلم ويتفوق عليه، إما في حفظ أو كذلك في إلقاء أو كذلك في فقه، فيأخذه الحسد بعد ذلك، وهذا ما ينبغي. لكن لو حصل هذا، فإنه ينبغي عليه أن ينفي عن نفسه هذا الحسد، ومن ذلك أنه يضع في نفسه أن هذا مما قضاه الله، والحسد فيه اعتراض على حكم الله جل وعلا، فيعلم أن حكمة الله اقتضت جعل هذا الفضل في هذا الإنسان، فلا يعترض ولا يكره ما اقتضته الحكمة، حكمة الله جل وعلا. فلهذا ما اقتضته الحكمة، فالحسد يعتبر اعتراضًا. وأيضًا كذلك ينبغي عليه أن يدعو لهذا الذي وجد في نفسه أنه يحسده، يدعو له حتى يذهب الله عز وجل ما في نفسه عليه من الحسد. قال: وأما طريقه في نفي الرياء، أيضًا أحيانًا يتخلل الرياء في إلقائه في دروسه، يعجب نفسه، مثلا، على أنه يعرف أشياء لم يعرفها غيره، وغيرها من هذه العادات. فطريقه أن يعلم أن الخلق لا ينفعونه ولا يضرونه، على إن طلب ثناء الخلق، فإن ثناء الخلق لا يرفعه ولا يضعه، فالرافع والواضع هو الله سبحانه وتعالى. فلهذا لا ينبغي له أن يرائي أو أن يعجب بنفسه، أو غيرها من هذه الأمراض التي تكون والتي أيضًا تعترض أهل الخير وأهل الصلاح أحيانًا. فلهذا قال: وطريقه في نفي الرياء أن يعلم أن الخلق لا ينفعونه ولا يضرونه حقيقة، فلا يتشاغل بمراعاته فيتعب نفسه ويضر بدينه. أنا تجد أنه في نفسه أنه يظهر بعض الأشياء لأجل أن يمدح وأن يثنى عليه، وأن يقال: إنه من العلماء وأنه كذا وكذا، وهذا من النيات التي لا ينبغي أن تكون في معلم الناس الخير. ولهذا كان السلف رحمهم الله يضعون أنفسهم ويحتقرونها، يحتقرون أنفسهم لأجل أن لا يجدوا فيها شيء من هذا العجب، وكذلك الرياء. ولهذا بعض طلبة العلم، مثلا، يجب من بعض العلماء كيف يحتقر نفسه إلى هذا الاحتقار، لكن هذا لأجل تربية النفس حتى لا تترفع النفس، وإلا فهو أكبر من ذلك بكثير. تجد بعضهم يقول، مثلا: لو عرفتموني ما جالسني أحد، مثل ما كان يقول الإمام أحمد، ويقول: نحن قوم مساكين، لولا ستر الله لفتضحنا، وهذا من تواضعه رحمه الله، كذلك احتقار نفسه. لأن هذا لو لم يحتقروا أنفسهم لتكبرت عليهم النفس ولصارت أو لا أصيبت بالعجب، فلهذا تجد أنهم يحتقرون أنفسهم، وإلا فهم أجل وأعظم من هذا بكثير. وما رفعهم الله عز وجل إلا بالصدق، ما رفعهم الله وجعل الثناء الناس عليهم إلا بصدقهم عليهم. رحمة الله. طيب، قال: وأيضًا من باب التنبيه، لا يحسب الإنسان بعض الناس، مثلا، لما يقرأ مثل هذا الكلام من عالم العلماء، يقول: هذا العالم يفعل هذه الأشياء وعنده ذنوب وعنده معاصي. صحيح أنه لا يخلو أحد من معاصي وذنوب، لكن هذه الأشياء لا يذكرونها على أنهم يفعلونها، وإنما لأجل احتقار النفس. والإنسان لا يدري بنفسه، قد يفعل أشياء خطأ وهو لا يعلم. فلهذا من هذا الباب يقولون هذا، فلا يغتر بها العاصي أو من عنده ذنوب، يقول: هؤلاء إما يقولون مثل هذا الكلام، هذا خطأ، وإنما يقولون هذا الكلام لأجل التواضع والاحتقار للنفس. وأيضًا كذلك ما قلنا: الإنسان لا يعلم بعض الأشياء، بعض الذنوب لا يعلمها ولا يشعر بها، وأحيانًا بعض الذنوب خفية، أحيانًا مثل الاستهزاء، مثل كذلك أيضًا أحيانًا استصغار غيره، وغيرها من هذه الأشياء، أحيانًا تحصل من الإنسان من باب العفو، ما يريدها، لكن تحصل، وهذه إثم. لكن كما قلنا: فالواجب على المسلم أنه لا يفاخر بنفسه، أنا الذي أفعل كذا، وأنا ما فعلت شيء من المعاصي، إلا إذا اقتضى المقام هذا، إذا اقتضى المقام أن يمدح نفسه لأجل شيء ولأجل أمر لا بد أن يعرف، فهذا لا شك فيه، مثل ما قال الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه لما حبس في البيوت وحاصروه، كان يقول: يأتي ببعض فضائله وبعض الأشياء لأجل حتى ينتفع بها هؤلاء ويكفوا عما هم عليه. لكن كما يقال: لا حياة لمن تنادي. ثم قال رحمه الله: وطريقه في نفي الرياء يعلم أن الخلق لا ينفعونه ولا يضرونه حقيقة، أنا مهما أثنوا عليه ومهما مدحوه، فهو ليس رفعة له، الرفعة من الله سبحانه وتعالى، فقد يمدح الناس أناسًا فسقة وفجرة يثنون عليهم بالخير وكذا، وهم لا يستحقون هذا الثناء. قال: فلا يتشاغل بمراعاتهم فيتعب نفسه ويضر بدينه ويحبط عمله ويرتكب ما يجلب سخط الله ويفوت رضاه. قال: وطريقه في نفي العجب أن يعلم أن العلم فضل من الله تعالى، معه عارية، أيضًا العجب مرض. وكيف ينفي هذا العجب عن نفسه؟ أنه يعلم أن هذا فضل من الله أعطاه إياه، ذلك الفضل من الله أعطاه، فلا ينبغي له أن يجد في نفسه أنه ميزه الله عز وجل عن غيره وأنه كذا، وإنما هذا فضل من الله عز وجل أعطاه عارية. ومعنى عارية: أنه قد يسلبه منه، قد يسلب منه هذا الأمر. وكم من إنسان كان على الحق وعلى الطريق الصحيحة فأعجب بنفسه وتكبر، فصار من أهل الضلال، وصار من أهل الضلال والتيه. كان في أهل الحديث رجل من حفاظ الكبار، حافظ كبير من حفاظ العلم والحديث، حتى يقارن بأئمة الإسلام، كأحمد وعلي بن المديني، وكذلك يحيى بن معين، يقارن بهم لشدة حفظه، لكنه أصابه الكبر، تكبر، وكذلك تعاظم بما عنده، فسلب هذا الأمر، فصار يلقب بالزنديق، أنا يقولون: إنه زنديق كذاب شارب للخمر. انظر إلى أين وصل بعدما كان من كبار الناس. فلهذا فالعلم فضل يعطيه الله عز وجل العلماء، وهو عارية، فإن أخذوا بحقه أثيبوا فيه، وإن لم يأخذوا بحقه فإن الله عز وجل ينزعه منهم. فلهذا كما قلنا: هذا الإمام إمام وحافظ كبير، صار بعد ذلك زنديقًا، صار شاربًا للخمر بعدما كان اسمه يرفع مع هؤلاء الأئمة. فانظر إلى أين يذهب به الغرور. أيضًا آخر كذلك أراد نصحه العلماء من غروره ومن تكبره، فأصر على ما هو عليه، فلم يلتفت إليهم، مع أنه كان من أذكياء الناس ومن طلاب الإمام الشافعي، كان الشافعي يحبه، إلا أنه بسبب غروره وعجبه صار لا يبال به، ولا يعرفه كثير من الناس، وتكلم الإمام أحمد فيه، فلم يلتفت إليه بعد ذلك. فلهذا في العلم لله عز وجل الفضل، فمن أعطي فضل الله جل وعلا من العلم والخير، فليسأل الله عز وجل الثبات عليه، ولا ينبغي له أن يغتر ويعجب، وكذلك أيضًا يزدر غيره بهذا، فهذا مما يخرج أيضًا الإنسان من هذا المرض، وهو العجب. قال رحمه الله: فإن لله تعالى ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فينبغي أن لا يعجب بشيء لم يخترعه، وليس مالكًا له، ولا على يقين من دوامه. فهذه الأمور لا بد أن يضعها في الحسبان. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.