التعليق على مذكرة أصول الفقه 48

الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 48، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في شرع من قبلنا

يناقش المقطع الأول مسألة شرع من قبلنا وهل هو شرع لنا أم لا، ويبين الخلاف بين العلماء في هذه المسألة. يحلل آراء مختلف المذاهب الفقهية حولها.

الرد على استدلال الإمام الشافعي

استدل الإمام الشافعي بأن شرع من قبلنا ليس شرع لنا، ولكن أجيب عن استدلاله بأن النصوص دالة على شمول الهدى والدين للأمور العملية. استدل بالكتاب والسنة على ذلك.

خصوصية اللفظ وعموم الحكم

يناقش المقطع خصوصية اللفظ وعموم الحكم في الآيات القرآنية، ويبين أن بعض الآيات قد تحمل حكما خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم. مثل قوله تعالى ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

ختام الدرس وتوجيهات نهائية

تم اختتام الدرس بنهاية مناسبة، مع توجيه الصلاة والسلام على النبي محمد. يختتم الدرس بالتأكيد على النقاط الرئيسية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: الأصول المختلف فيها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: هذا بيان أصول مختلف فيها، وهي أربعة، أي أربعة أصول وقع فيها الخلاف: هل يحتج بها أم لا؟ قال: الأول: شرع من قبلنا، إذا لم يصرح شرعنا بنسخه، هل هو شرع لنا؟ وهل كان النبي صلى الله عليه وسلم متعبدا قبل البعثة باتباع شريعة من قبله؟ فيه روايتان. إحداهما: أنه شرع لنا، اختارها التيمي، وهو قول الحنفية، وهذا قول جمهور الحنفية، وبعض المالكية، والشافعية. قال: الثانية: ليس شرع لنا، وعن الشافعي كالمذهبين، يعني قولان. اعلم أولا: كونه صلى الله عليه وسلم متعبدا بعد البعثة بشرع من قبلنا، أو غير متعبد به، متفرع على الاختلاف في شرع من قبلنا، فعلى أنه شرع لنا بعد وروده في شرعنا، فهو متعبد به، وعلى العكس فلا. يعني: إذا كان شرع لنا، فهو متعبد به، وإن كان ليس شرع لنا، فليس متعبد بما ورد في شرع من قبلنا. قال: وحاصل ما ذكره المؤلف في هذا الفصل: أن فيه قولين، ورجح أن شرع من قبلنا، عندي أن ورجح أنه شرع لنا، إن ثبت بشرعنا أنه كان شرعا لمن قبلنا، ولم ينسخ في شرعنا، وهو مشهور مذهب مالك، وأبي حنيفة. قال: ومشهور مذهب الشافعي: أنه ليس شرعا لنا. وحاصل تحرير هذه المسألة: أن لها واسطة وطرفين. طرف يكون فيه شرعا إجماعا، وطرف يكون فيه غير شرع لنا إجماعا، وواسطة هي محل الخلاف المذكور. أما الطرف الذي يكون فيه شرعا لنا إجماعا، فهو ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعا لمن قبلنا، ثم ثبت بشرعنا أنه شرع لنا، كالقصاص، فإنه ثبت بشرعنا أنه كان شرعا لمن قبلنا، في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية، ثم صرح لنا في شرعنا أنه شرع لنا، في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ الآية. ومثله الصيام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، فهنا يكون شرعا لنا، لكن بماذا؟ بما ورد في شرعنا صار شرعا لنا؛ لأن الشرع جاء بتقريره، والأمر به، وهذا لا خلاف فيه أنه شرع لنا. قالوا: أما الطرف الثاني الذي يكون فيه غير شرع لنا إجماعا، فهو أمران: أحدهما: ما لم يثبت بشرعنا أصلا، كالمأخوذ من الإسرائيليات، يعني لم يأت في الشرع ما يدل عليه، وهذا كالوارد الكثير عن بني إسرائيل من أخبار بني إسرائيل، وخاصة ما يتعلق بالأحكام، فإنه ليس بشرع لنا، ولا نعمل به. قال: الثاني: ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعا لهم، وصرح في شرعنا بنسخه، كالإصر والأغلال التي كانت عليهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾، وقد ثبت في صحيح مسلم: أنه صلى الله عليه وسلم لما قرأ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾، قال الله: «قد فعلت». فهذا يدل على أن هذا الحكم منسوخ في شريعتنا، الأخذ بالإصر والأغلال، وما كانت على الأمم الماضية من المشقة والعسر، فإنه قد رفع عن هذه الأمة، فهذا لا يكون شرعا لنا؛ لأنه جاء في شرعنا ما ينسخه، وهذا لا خلاف فيه أنه ليس بشرع لنا. قال: والواسطة هي: ما ثبت بشرعنا أنه شرع لمن قبلنا، ولم يصرح بنسخه في شرعنا، هذه محل الخلاف. ما جاء في الشرع في شرعنا أنه شرع لمن قبلنا، ولم يأت في شريعتنا ما يدل على نسخه، هل يكون شرعا لنا أم لا؟ قال: حجة الجمهور: أنه ما ذكر لنا في شرعنا إلا لنعمل به، وسواء علينا: أكان شرعا لمن قبلنا أم لا؟ وقد دلت على ذلك آيات كثيرة، كتوبيخه تعالى لمن لم يعقل وقائع الأمم الماضية، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، ولأن القرآن مصدق لما بين يديه من التوراة والإنجيل، كما أخبر الله سبحانه وتعالى، فما لم ينسخه، دل على إقراره، دل على أنه مقر له. قال: وقد صرح تعالى بأن الحكمة في قصة أخبارهم: إنما هي الاعتبار بأحوالهم، في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾، والصواب: هدى الله أولئك الذين هدى الله، فبهداه مقتده. وفي صحيح البخاري، عن ابن عباس: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، «كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء»، يعني بشيء خالفهم. قال: أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء. وهكذا أيضا قول الله جل وعلا: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية، وفي بني إسرائيل، وذكرت في القرآن، ذكرها الله جل وعلا مخبرا بما شرع لهم من هذا الحكم، وجاء تقريره في الشريعة. قال: وحجة الشافعي رحمه الله: قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، وحمل رحمه الله الهدى في قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾، والدين في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِينِ﴾ الآية، على خصوص التوحيد دون فروعه العملية. وقال: إن الخطاب الخاص به صلى الله عليه وسلم في نحو قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾، لا يشمل حكمه الأمة إلا بدليل منفصل؛ لأنه لا يشملها في الوضع اللغوي، فإدخالها فيه صرف للفظ اللغوي في ظاهره، فيحتاج إلى دليل. يعني أن الإمام الشافعي رحمه الله يقول: شرع من قبلنا ليس شرع لنا إذا لم يأت في الشرع ما يقرره ويؤكده، وحمل قول الله جل وعلا: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، وقوله: ﴿فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾، و﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِينِ﴾، جعل هذه الأمور فيما تتعلق بالتوحيد دون المسائل العملية من أمور العبادات والأحكام. قال: وأجيب عن استدلال الشافعي: بأن النصوص دالة على شمول الهدى والدين في الآيتين للأمور العملية. يعني: كما أنها تشمل أمور التوحيد، كذلك أيضا تشمل الأمور العبادات والأحكام. قال: أما في الأولى: ويقول جل وعلا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾، قال: فقد روى البخاري في صحيحه عن مجاهد: أنه سأل ابن عباس: من أين أخذت السجدة في ص؟ فقال: أوما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ﴾، إيش عندكم ها؟ إيش بعدها؟ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾، هكذا عندكم طيب. قال: وما تقرأ: ﴿فَسَجَدُوا﴾؟ هذه كأنها زائدة. يعني: ذكر الآية هنا مش غير مناسب إلا إذا أراد الاختصار. يعني: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ سُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ﴾، لا. قولي: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾، قال: فسجدها داود، فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهو تصريح صحيح عن ابن عباس: أنه صلى الله عليه وسلم قد أدخل سجود التلاوة في الهدى في قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾، وسجود التلاوة من الفروع العملية لا من الأصول. هذا هو الشاهد: أن النبي عليه الصلاة والسلام سجد فيها كما سجد فيها داود، وذلك في قول الله جل وعلا: ﴿فَرَكَعَ وَأَنَابَ فَسَجَدَ﴾، فسجد داود، فسجد النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا دخل في عموم قوله جل وعلا: ﴿فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾، فاقتدى النبي عليه الصلاة والسلام بداود في سجوده عند هذه الآية، يعني في سجوده كما سجد داود عليه السلام، والسجود من الأمور العملية، أمور العبادات، اسم من أمور التوحيد، فدل على شمول الآية لأمور التوحيد وغيرها، فالاقتداء بهم في أمور التوحيد، وفي غيرها من أمور العبادات. قالوا: أما في الدين في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِينِ﴾ الآية، قال: فقد دل الكتاب والسنة على شموله أيضا للأمور العملية. فقد قال صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل المشهور: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم»، يعني الإسلام والإيمان والإحسان، مع أنه فسر الإسلام فيه بأنه يشمل الأمور العملية: الصلاة والزكاة والصوم والحج. وفي حديث ابن عمر المتفق عليه: «بني الإسلام على خمس»، الحديث. ومعلوم أن الصلاة والزكاة والصوم والحج أمور عملية لا عقائد، هذا واضح. قال: وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ الآية، فدل على أن الدين يشمل الأمور العملية، كتابا وسنة. وبأن الأدلة دلت على أن الخطاب الخاص به صلى الله عليه وسلم يشمل الأمة حكمه، لا لفظه، إلا بدليل على الخصوص، كقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. وقد علمنا من استقراء القرآن: أن يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بخطاب لفظه خاص، والمقصود منه تعميم الحكم. الأصل في أفعال نبي عليه الصلاة والسلام: التشريع، وأنه يتأسى به فيما فعل. لهذه الآية: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، إلا ما دل الدليل على التخصيص، على الخصوصية به، وأنه خاص به، فيكون خاصا به. وما لم يأت دليل يدعي الخصوصية، فالأصل عموم التأسي به عليه الصلاة والسلام. قال: فمن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية، فأفهم شموله حكم الخطاب للجميع. يعني: وإن كان الخطاب ابتداء للنبي عليه الصلاة والسلام، إلا أن الحكم عام، بدليل قوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وإذا كان الحكم خاص به، لقال: يا أيها النبي إذا طلقت النساء، لكن قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾، هذا حكم يدل على أنه تشريع عام لجميع الأمة. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، دل على عموم هذا الحكم، وأنه ليس خاص به عليه الصلاة والسلام، مع أن الخطاب موجه إليه. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَسَاءَ﴾، ثم قال: ﴾إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، فدل أن هذا الحكم عام. وقال: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾، ثم قال: ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ الآية، فدل التعميم بعد الخطاب الخاص به في الآية المذكورة على عموم حكم الخطاب الخاص به. وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾، ثم قال: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾، فهو حال من الضمير المستتر في أقم، وهو خاص به صلى الله عليه وسلم. يعني: الضمير خاص به عليه الصلاة والسلام؛ لأن الخطاب موجه إليه: ﴿فَأَقِمْ﴾، ثم قال: ﴿مُنِيبِينَ﴾، قال: منيبا، دل على أن الحكم عام. قال: وهو خاص به صلى الله عليه وسلم، وتقديره: فأقم وجهك للدين يا نبي الله، في حال كونكم منيبين. فلو لم يشمل الأمة حكما، لقال: منيبا. يعني: اللفظ خاص به، لكن الحكم عام. فلو كان الحكم كذلك خاصا، لقال: منيبا، بالإفراد؛ لإجماع أهل اللسان العربي على أن الحال الحقيقية -أعني التي لم تكن سببية- لابد من مطابقتها لصاحبها: إفرادا وتثنية وجمعا، وتذكيرا وتأنيثا. فلا يجوز: جاء زيد ضاحكين، إجماعا. ما يجوز أن تقول: جاء زيد ضاحكين، لابد أن يكون الحال موافقا لصاحبه، فتقول: جاء زيد ضاحكا، أو جاء القوم ضاحكين، أو جاء الزيدان ضاحكين، وهكذا. قال: ودعوى أن العامل في الحال: إلزموا مقدرا، وصاحبها: الواو في إلزموا، أي: إلزموا فطرة الله في حال كونكم منيبين، تقدير لا دليل عليه، ولا حاجة إليه. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾، ثم قال: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾، هذا أيضا من هذا الباب: اللفظ خاص، والحكم عام. فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها، قال: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾، فجعله حكما عاما، كشريعة عامة، في كل من تبنى أحدا في قبل الإسلام، وأنه إذا طلق الرجل الذي تبنى: زوجته، فإنه يجوز لمن تبنى يتزوج بها؛ لعدم ثبوت المحرمية بالتبني. قال: وقال تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، مع أن الكلام خاص به صلى الله عليه وسلم، في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةٍ مُؤْمِنَةٍ إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ الآية. فلو كان حكمه خاصا به، لأغنى ذلك عن قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. خالصة لك من دون المؤمنين، هذه الآية حكم خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، وهو زواجه بالواهب نفسها، الذي تهب نفسها للنبي عليه الصلاة والسلام، فيتزوجها بذلك من غير ولي، هذا الحكم خاص به عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فهنا والله أعلم ذكر هذه الآية غير مناسب مع الآيات المذكورة؛ لأن تلك الآيات لفظها خاص وحكمها عام، وهذه الآية لفظها خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، وحكمها خاص أيضا بالنبي صلى الله عليه وسلم: أنه لا أحد يحل له أن يتزوج المرأة بالهبة إلا النبي عليه الصلاة والسلام. إلا إذا كان مراده: أن قوله: ﴿وَامْرَأَةٍ مُؤْمِنَةٍ إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾، أن هذا الحكم يعني: يجوز للنبي عليه الصلاة والسلام، ولغيره من الأمة، ثم جاء التخصيص في قولي: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، هذا له وجه. ولعل هذا مراد المؤلف رحمه الله: أن قوله: ﴿وَامْرَأَةٍ مُؤْمِنَةٍ إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾، إن أراد النبي أن يستنكحها: خالصة لك من دون المؤمنين. يعني: إذا أراد أن يزوجها بذلك له ذلك، ثم لما كان هذا الحكم قد يفهم منه العموم له ولسائر الأمة، جاء التخصيص بقولي: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، هذا مراد المؤلف رحمه الله في ذكره لهذه الآية. يعني: أن اللفظ خاص، ويفهم منه عموم الحكم، لكن جاء التخصيص لبيان أن هذا الحكم خاص به عليه الصلاة والسلام. قال: وبأن قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، معناه: أن بعض الشرائع ينسخ فيه بعض، بعض الشرائع ينسخ فيه بعض ما كان في غيره منها، ويزاد فيها أحكام لمن تكون مشروعة من قبل، ويزاد فيها أحكام لم تكن عندكم، لم تكن نعم، عندي نعم. الصواب: لم تكن مشروعة من قبل. قالوا: بهذا الاعتبار يكون لكل شرعة ومنهاج، إذ غير مخالفة لماذا ذكرنا؟ يعني: أن قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، يعني: أن بعض الشرائع قد تنسخ، ينسخ بعضها بعضا، وقد يتوافق بعضها مع بعض، وقد يزاد فيها ما ليس في الشريعة الأخرى. وحين إذن لا تعارض من أن تكون مثلا شريعة يأتي فيها شيء مما ورد في شريعة التي قبلها، وتكون مقرة لها للحكم السابق المذكور في الشريعة السابقة، وليس المقصود لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاج: يعني في سائر الأحكام تختلف، فلا تتوافق في بعض الأحكام. قال: وقال صاحب المراق في هذه المسألة: ولم يكن مكلفا بشرع صلى الله عليه وسلم قبل الوضع، وهو والأمة بعد كلف إلا إذا التكليف بالنص انتفى. وقيل: لا. والخلف فيما شرع ولم يكن داع إليه. سمع الخلف فيما شرع. يعني: الخلاف فيما ورد في الشرع، ولم يكن جاء في الشرع ما يدل على نسخه. وخلاص هذا البحث: أن الجمهور على أنه شرع لنا ما ورد في شرعنا، ما ورد في شرع من قبلنا، وجاء في شرعنا ذكره، ولم ينسخ فيكون ماذا؟ فيكون شرعا لنا. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد.