الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 72، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الحديث عن غربة الإسلام وفضل الغرباء، مشيرًا إلى أن الإسلام سيكون غريبًا بين أهله وأصحابه، ويبين أهمية التصديق بأخبار النبي والإيمان بالقضاء والقدر.
يشرح أن الإسلام لن يزول بالكلية، وأن الغربة ليست مقتصرة على زمان أو مكان معين، ويبين صفات الغرباء الذين سيظلون على الدين الحقيقي، ويشير إلى ظهور المهدي وعيسى عليه السلام في آخر الزمان.
يشرح مفهوم الغرباء في الإسلام وكيف أن قلة عددهم لا تعني الضعف، بل هم أكرم الخلق عند الله، ويبين أن ما يُعتبر نقصًا قد يكون كمالًا في دين الله.
يُنهي الحديث عن فضل الغرباء ويُعبر عن الأمل في أن ينفع الله بهذا الفهم، ويختم بالدعاء للنبي محمد وآله وصحبه بالصلاة والسلام.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء في غربة الإسلام وفضل الغرباء. هذا الباب من الأبواب الجديدة، والتي بوَّب فيها المؤلف رحمه الله تعالى هذه الرسالة، وهي الموسومة بفضل الإسلام. وإن المتأمِّل للباب وللرسالة يجد العلاقة، فالرسالة فضل الإسلام، وهذا الباب باب ما جاء في غربة الإسلام، فالعلاقة بينهما وطيدة. فالمؤلف رحمه الله تعالى تحت هذا الباب سيذكر لنا الآيات والأحاديث التي تدل بكل وضوح على أن الإسلام سيتقادم به العهد، حتى أنه ينقص، فينقص، فينقص، وحتى يكون غريبًا بين أهله وبين أصحابه. وحينها تتجلى لنا طائفة من الناس، ألا وهم الغرباء، والذين كما أشار المؤلف، وفضل الغرباء، إذ أن لهم من الأجور الكثيرة. فهذا هو فحوى الباب الذي سيأتي معنا بإذن الله. وقبل الدخول في هذا الباب، إخواني في الله، أود أن أشير إلى بعض الفوائد المستفادة من هذا التبويب. من أوائل هذه المسائل، إخواني في الله، من التبويب، أن المسلم والمسلمة ينبغي على الكل وعلى الجميع أن يعتقد ما أخبر به نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن هذا العهد قادم، وأن هذه الحقب الزمنية واقع لا محالة، وأن الإسلام سينقص وينقص وينقص، حتى يكون غريبًا بين أهله. فهذا الأمر ليس بيدي ولا بيدك يا عبد الله، وإنما هي إرادة الله جل في علاه. ربنا شاء أن يكون هذا العهد، وأن يقع هذا الوضع، لحكمة أرادها الله، علمها من علمها، وجهلها من جهلها. وإن المسلمة، إخواني في الله، إزاء هذه المسألة بعينها، وهو أن تعتقد بحصول هذا العهد والعصر، تتفرع عدة أمور، منها التصديق. صدق يا عبد الله بهذا الواقع، وإن كان واقعًا مريرًا، لكن صدق به. فإن التصديق من أعظم أبواب الدين، إذ أنك ستصدق بأخبار المصطفى عليه الصلاة والسلام، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. فالتصديق يا عبد الله جانب عظيم من جوانب دين، تؤجر عليه. اعتقاد فقط، اجعلها عقيدة، صدق بخبر الله ورسوله، تؤجر. كذلك هذا الباب فيه بيان لمسألة القضاء والقدر، فالمسلم يؤمن بالقضاء والقدر، خيره وشره. فكل ما يقضيه ربنا جل وعلا، نؤمن به جملة وتفصيلًا. هذه الفائدة الأولى تستفاد من هذا التبويب. الفائدة الثانية، إخواني في الله، من تبويب المؤلف باب ما جاء في غربة الإسلام وفضل الغرباء، أن هذا الباب يحتوي على مسائل عدة ينبغي علينا، إخواني في الله، أن نتأمل فيها. وكم عزف الناس عن مسائل هذا الباب، وما ينبغي يا عبد الله أن تتهاون في أبواب الدين كافة، وخاصة في باب الغربة. فهذا الباب فيه أحكام، فيه مسائل، فيه أمور ينبغي أن تدرك، بل فيه أخطاء. إذ أن من الناس من يظن أن غربة الإسلام يفهم منه أن الإسلام ينقص وينقص حتى يعدم بالكلية، هذا ليس بصحيح. الإسلام ما يعدم، الإسلام ما يذهب، زواله كل، بل إسلام نعم ينقص، لكن له حد، إذ أن الله جل وعلا تكفل بأن جعل في كل زمان ومكان حفظ لهذا الدين، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على أمر الله، حتى يأتي أمر الله»، فهم قائمة. فالإسلام لا يعدم بالكلية، بحيث لا تبقى له راية، لا، بل فيه مقياس، وحد أدنى. هذه المسألة تخفى على كثير من الناس، كذلك ما يتعلق بالغربة من مسائلها، أن الغربة يا عبد الله قد تكون في مكان دون مكان، في بلد دون آخر. أنت هنا في غربة، لكن آخر في بلدة ثانية ليس في غربة، فلا يشترك الغربة أن تكون كلها في وقت واحد موحد. هذه مسألة ينبغي أن نفهمها في مسائل الغربة. إخواني في الله، من الذي سيكون غريبًا؟ قد تكون الغربة في حق المسلمين، إذ يرون أنفسهم من حيث العدد والعدة أقل بكثير أمام أمم الكفر. هذه غربة، أو أن يكون يا عبد الله الصالح والمستقيم، ومن استمسك بشرع الله العظيم، أنهم أقل بقليل أمام المنحرفين، أمام الفاسدين والمفسدين، هذه غربة. أو أن السني من كان على منهج السنة يجد نفسه غريبًا أمام أمواج المبتدعة من البدع والملل والنحل، هذه غربة. فمسائل عديدة تمر عليك يا عبد الله من خلال فهمك لهذا الباب الذي بوَّب عليه المؤلف رحمه الله تعالى. كذلك مما يستفاد، إخواني في الله، من تبويب المؤلف، وما سيذكره من مسائل وأحكام، أن تعلم يا عبد الله أن الغرباء الذين أشار المؤلف إلى قوله، وفضل الغرباء، وهم طائفة سيظلون على الدين الحقيقي، لكن هؤلاء لهم صفات، ما صفاتهم؟ إذن لا بد أن تتعرف على هذا الباب، ليس كل واحد سيكون من الغرباء، لأن الله عز وجل على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام جعل للغرباء صفات، سواء كان في أنفسهم أو في تعاملهم مع غيرهم. إذن حري بنا أن نتعرف يا عبد الله على هؤلاء الغرباء وعلى صفاتهم، علَّ وعسى أن نكون منهم. فهذا الباب، إخواني في الله، مما يعينك على أن تتعرف على صفة الغرباء، والذين منَّ الله جل وعلا عليهم بالفضل والكرامة، كما سيأتي في الأحاديث والآيات التي سيردها المؤلف رحمه الله تعالى. ومن خلال هذا الباب، يا عبد الله، كذلك نعلم فائدة عظيمة، وهو تصحيح ما انقدح في الأذهان بأن آخر الزمان هي عبارة عن فترة زمنية مليئة بالشرور والظلمات، وأنه لا خير فيها، هذا ليس بصحيح. لا نشك أن ما يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام. نعلم ونعتقد ونعترف بأن كلما جاء الزمن، كلما زاد الشر، لكن هل هو شر محض؟ الجواب لا، بل فيه خير. ربنا جل وعلا سيجعل في آخر الزمان من الخيرية، سيجعل في آخر الزمان ظهور المهدي المنتظر، في آخر الزمان نزول عيسى عليه السلام، في آخر الزمان الملاحم الكبرى والعظمى، معارك ستكون بين أهل الإسلام وبين أهل الأوثان، وبين النصارى وبين اليهود، إلى آخر هذه الآمال، وهو بصيص أمل يجعله ربنا جل وعلا لهذه الأمة المحمدية في آخر الزمان، ومنهم الغرباء. فالغرباء سيظهرون في آخر الزمان، هم كالشمعة في ظلمة. وبهذا تعلم يا عبد الله أن الله سيجعل الخير لهذه الأمة من أولها إلى آخرها. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «أمتي كالمطر، لا يدرى أوله خير أم آخره»، ما أحد يدري أين الخيرية، لعظم الفضائل التي جعلها الله للأمة المحمدية. فيا من عشت في آخر الزمان، لا تيأس يا عبد الله من نصر الله. الفائدة الأخيرة، وأختم بها هذا المقام، في هذه المسألة، يا إخواني في الله، وما بوب به المؤلف رحمه الله تعالى، باب ما جاء في غربة الإسلام وفضل الغرباء، فيه أن نعلم أن ليس كل ما كان نقصًا في عيون البشر، هو لابد بالضرورة أن يكون هو نقص في دين الله جل وعلا، لها لا يكون هذا. يعضل مقياسك ومعياره. فرب شيء نعم في أذهان الناس، وفي عيون الناس، وفي مقاييس ومعاييرهم، أنه نقص، لكنه في دين الله، وفي شرع الله جل وعلا، هو كمال، هو كمال. مثاله الاستشهاد في سبيل الله، القتل، إزهاق الأرواح. من ذهب مقاتلًا في سبيل الله، فأزهقت روحه، لربما طائفة من الناس تلومه، تقول: إيش فعل هذا؟ ذهب هكذا، ذهب، قتل نفسه، ترك أهله، ترك عياله، ترك بلاده، ما تمتع بشبابه. هذا مقياس عند الناس، لكن عند الله جل وعلا، لا، هذا كمال، شهادة، شهادة. ولهذا ذاك الصحابي رضي الله تعالى عنه، لما ذهب في ساحة الوغى في أحد الغزوات، فضرب برمح، دخل من شق وخرج من شق آخر، ما الذي قال؟ قال: «فزت ورب الكعبة». فوز، قد يقول قائل: حتى أن الكافر الذي سمع بهذه العبارة تعجب، أي فوز رجل يقتل، تزهق روحه؟ لكن هذا هو فهم الصالحين. رب أمر نعم هو في بالك، وفي كلام الناس، وعلم الناس، أنه نقص، لكنه عند الله كمال. مثال آخر: النفي، النفي والتشريد والطرد من البلد. نعم، قد يكون هذا في ميزان الخلق، أن هذا نقص. رب رجل داعية يدعو إلى الخير، يدعو إلى السنة، لربما يبتلى بالضيق من قبل قومه، حتى يطردونه، ويخرج منفيًا. قد يقول قائل: انظر للإهانة، ترد خاسئًا حسيرًا مخذولًا ترد. لكن هذا عندك، لكن عند الله جل وعلا، لعله كمال. واسمع إلى قول الله جل وعلا: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾. سبحان الله، جعل الله جل وعلا من أسلوب النصر الذي مده لنبيه عليه الصلاة والسلام، أن أخرج، أخرج من مكة، نصر، نعم، نصر في حساب الله جل وعلا، إذ أن الله هيأ أن ينشأ دولة كبرى عظمى في المدينة النبوية. وهكذا يا عبد الله، وهذا الذي نريده في باب الغرباء. الغرباء هم قلة، قلة من الناس، كما سيأتي في الآثار، لكن هل هذه القلة علامة على الضعف، علامة أن الواحد يستهزئ بهم، ويشير إليهم بالاحتقار؟ لا يا عبد الله. إن كان هذا نعم في نظر الناس، أنهم يشبع الزون من الأخيار، لأنهم من أقل الناس، ومن أذل الناس، لكن هذا المعيار عند الخلق، أما عند رب الخلق، فهم أكرم الخلق عند الله. ولهذا الغرباء، مع قلتهم، ومع ذلهم، ومع ضعفهم عند الخلق، إلا أنهم عند الله قد أعد لهم الفوائز والجوائز العظيمة. ولهذا عندما أخبر نبينا عن الأنبياء يأتون عند الله جل وعلا، قال عليه الصلاة والسلام: «ويأتي النبي وليس معه أحد»، هل هذا عار؟ هل هذا شنار؟ لا والله، ما دام العبد مستمسكًا بدينه، لا يضره عدد، ولا ينقصه أن لا يأتيه أحد. فهذا، إخواني في الله، من الفوائد الذي يستفيدها المسلم من خلال تصفحه لهذا الباب، والذي بوّب عليه المؤلف بقوله: باب ما جاء في غربة الإسلام وفضل الغرباء. وستأتي معنا بإذن الله الآيات والأحاديث التي تفيدنا في فهم هذا التبويب. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.