شرح رسالة فضل الإسلام 73

شرح رسالة فضل الإسلام 73

الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 73، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضل الغرباء وأهمية وجودهم في مواجهة الفساد

يشرح المقطع تفسير ابن كثير للآية الكريمة حول وجود أهل الخير في كل زمان لينهوا عن الفساد ويبين أهمية وجودهم في حفظ الدين وتذكير الناس. يُظهر أن الله يبقي حجة على خلقه من خلالهم.

فوائد وجود الصالحين في كل زمان ومكان ودورهم التربوي

وجود أهل الخير حجة على غيرهم ومسلك تربوي يرد على من تنكب عن الصراط المستقيم بحجة الصعوبة، كما أنه يدل على أن صحة الطريق لا تقاس بالكثرة بل بالتمسك بشرع الله. أهل الخير قلة وهم الذين ينهون عن الفساد في الأرض ويعملون على إصلاح الناس في عقائدهم وعباداتهم.

مهمة الصفوة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسبب النجاة

يجب على الصفوة من عباد الله أن يكونوا مصدر صلاح وليس فساد، وأن ينكروا الفساد ولا يؤقلموه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبب النجاة للشعوب والمجتمعات والأفراد في الدنيا والآخرة.

ختام وأهمية التمسك بالدين والتحذير من الفساد

يوصي بالتمسك بالدين لتجنب المهلكات ويشير إلى أن الغرباء الذين ينهون عن الفساد هم القلة الصالحة بين الناس. يُبين أن هؤلاء الغرباء موجودون في كل زمان ومكان ويشكلون الصفوة التي اصطفاها الله.

  • 11 جمادى الآخرة 1442هـ - 24/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية، وهي من أوائل استدلاله تحت ذلكم الباب، والذي بوَّب عليه بقوله: باب ما جاء في غربة الإسلام وفضل الغرباء. مر معنى مقدمة متعلقة بالإيضاح لهذا الباب وما فيه من دلائل، فذكر المؤلف رحمه الله تعالى استدلالًا على هذا الباب في الغرباء وما يتعلق بفضلهم في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾. هذه الآية معناها كما قال المفسرون، ونذكرها هنا ما ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره، قال رحمه الله: "فهل وجد من القرون الماضية بقايا من أهل الخير ينهون عما كان يقع بينهم من الشرور والمنكرات والفساد في الأرض؟" قال: "وقوله إلا قليلا أي قد وجد منهم من هذا الضرب قليل لم يكونوا كثيرا، وهم الذين أنجاهم الله". هذا هو التفسير، وهذا هو البيان والإيضاح الذي ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى لهذه الآية. أي معناه: فهل كان ووجد في القرون السابقة من يقوم بهذه المهمة من أنه ينكر المنكرات والشرور التي تقع ووقعت في أوقاتهم وأزمانهم، لكن ما وجد من هذا الضرب إلا قليل، هم الذين تبنوا هذا الدور في أنهم يقوموا في أقوامهم وفي أزمانهم وأماكنهم فينهون عن الفساد، وهؤلاء هم الذين أنجاهم الله جل في علا. وهذه الآية مع ذكر تفسير ابن كثير رحمه الله تعالى يفيدنا عدة فوائد، من هذه الفوائد إخواني في الله أن الله جل وعلا أوجد أهل الخير في كل زمان، فما من زمن أو فترة زمنية أو حقبة زمنية إلا وجعل الله جل وعلا فيها بقايا من أهل الخير، قديمًا في الأمم السابقة والسالفة، وحديثًا حتى في أمتنا. نعم، أحيانًا يكثر الشر ويعم الخبث، لكن لا يستدين، بل يجعل ربنا جل وعلا خيرية في هذه الأمة باقية، كما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، وهم كذلك حتى يأتي أمر الله»، فهم باقون. فالخيرية يبقيها ربنا جل وعلا في هذه المعمورة، وإن وجود هذه الخيرية ووجود الخير والصلاح في الأمم قديمًا وحديثًا له عدة فوائد، من أعظمها أن الله جل وعلا يبقي حجة على خلقه من خلقه. فهذه الطائفة من أهل الخير والصلاح وجودهم هو صمام أمان لأقوامهم، وفي أزمانهم يُعَلِّمُونَ هم دين الله، يُعَلِّمُونَ هم شرع الله، يُذكِّرونَ هم إذا نسوا، يُعَلِّمُونَ هم إذا جَهِلُوا، يُنبِّهُوهُم إذا غَفِلُوا، فلا يزال كذلك أمرهم، يدلُّوهم على الله ويُذكِّرونهم باليوم الآخر والاستعداد ليوم المعاد. فهي حجة أبقاهم الله جل وعلا بين خلقه، كذلك من فوائد وجود أهل الخير في كل زمان ومكان إلى أن تقوم الساعة أن فيه مسلك تربوي، وذلك أن وجود هؤلاء أهل الخير والصلاح هو ردٌّ على كل من تنكَّب عن الصراط المستقيم بحجة الصعوبة، بحجة عدم القدرة على الالتزام، بحجة عدم القدرة على التمسك بشرع الله. إذا قال قائل هذه الكلمات واستعصى على نفسه واستصعب أن يمضي على الصراط المستقيم، يُقال له: إذن وكيف هؤلاء؟ كيف هؤلاء استقاموا على دين الله وعلى شرع الله؟ هؤلاء بشر، هم مثلك من لحم ودم وعصب، عندهم الذي عندك من الرغبات ومن النزوات ومن الملذات والشهوات، عندهم الذي عندك، لكن رغم ذلك استقاموا. ما ضرهم هذا هو مسلك تربوي عظيم، أن الله جل وعلا يبقي هذه الطوائف من أهل الخير والصلاح، ولو لم يفعلوا أي شيء، فقط وجودهم حجة على غيرهم. أيضًا من فوائد هذه الآية أن هؤلاء كما وصفهم ربنا جل وعلا أنهم قلة، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فهم من أقل الناس. وبهذا نعلم إخواني في الله أن المضيف الصراط المستقيم ليس له عبرة في مسألة الكثرة أو الكم، بس ليست هي معيار وليست هو مقياس ولا ميزان كما يدعي بعض الناس، يرى أن صحة الطريق إنما يستدل بها على كثرة الأتباع، من يرى أنه في الساحة هو أكثر تبعًا وأكثر أتباعًا وله الصول والجول، إذن هذه دلالة على أنه على الخط المستقيم. لا ليس هذا من قياس ولا معيار، انظر يا عبد الله إلى هذه الآية، كيف أن الله جل وعلا زكى عبادهم بأنهم قلة، وقد مر ذلك معنى على أن الكثرة تأتي كثيرًا في القرآن على وجه الذنب والنقص، والعكس صحيح، بخلاف القلة: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾. فأهل الخير وأهل الصلاح يا عبد الله هم أقل الناس، فإياك يا عبد الله أن تجعل معيار الكثرة والمقياس في صحة الدعوات أو قل في صحة الطريق الذي تبغيها، بل اعلم أن هذا الطريق ما سلكه إلا الصفوة من خلق الله قديمًا في القرون الماضية وحديثًا كما سيأتي معنا في باب الغربة. وهذا هو الشاهد الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى من ذكر هذه الآية، كذلك في هذه الآية من الفوائد أن نستفي وأن نعلم أن عمل هؤلاء الصفوة والذين اصطفاهم الله جل وعلا على دينه أنهم كما قال الله عز وجل: ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾، هذا هو عملهم، بل هذا من أجل أعمالهم، والذي به تميز عن باقي الطوائف. أن الله جل وعلا جعلهم ينهون عن الفساد في الأرض، لا يبقى فساد إلا وسعى هؤلاء إلى إنهائه بإنكاره والتحذير منه وزجر الناس عنه بما أوتوا من قوة، سواء كان فساد عقدي في عقائد الناس غيروه إلى الاعتقاد الصحيح الذي ينبغي أن تستمسك به شعوب الرعية، أو كان هذا الفساد في عبادات الناس علموهم الهدي السوي الذي ينبغي أن يسير عليه الخلق. أو كان هذا الفساد في أخلاقهم ومعاملاتهم وآدابهم، كذلك هم خلف كل فساد، فهم صمام أمان وهم سد منيع أمام المنكرات والشرور التي تأتي على أقوامهم، لا أنهم يكون هذا لا يكون أصلا أن يكون هذه الجماعة هي بؤرة للشر، هذا لا يتأتى يا عبد الله أن يكون رجل يدعي أنه ممن اصطفاهم الله جل وعلا ثم بعد ذلك يكون من فعله ومن أفعاله أنه مصدر شر وإزعاج على الأمة. كحال من لربما يأتي لجماعة وهو يغير عقائد المسلمين إلى الأسوأ بتحريف بتعطيل بإنكار بطعن في ذات الرب جل وعلا أو التنقص في وحدانية الله جل وعلا أو الطعن في أنبياء الله وإخراج الناس عن منهاج النبوة إلى اتباع الذات واتباع أنفسهم. أو استحداث طريق أخرى ليست هي المنهاج الذي أمر الله بسلوكه، أو إتيان الناس بالتعب والتشبه بأعداء الدين في أخلاقهم وأعمالهم، أين الصلاح في هذا؟ هذا إنما أرهق الأمة خبثًا ونكدًا بأفعاله، هذا ما يكون إخواني في الله من الصفوة. إنما الصفوة من عباد الله هو الذي انتدب بين الأمة في أنه ينكر الفساد، فليس هو مصدر الفساد، وأيضًا مقابل أنه ينهى عن الفساد لا أنه يؤقلم الفساد، وهذا كحال بعض الضعفاء لربما إذا رأى هذه الأمواج المتلاطمة من الدعارة والفساد والعهر والتفسخ، إذ به يؤقلم النفس عليه فيمشي بعض المنكرات بحجة أننا في آخر الزمان وأن الناس ما استطاعوا أن يأخذوا بالدين كله. فلا أقل يا عبد الله أن نمشي بعض الشيء، فنجد من الناس من لربما يسهل في أمور الربا، ومن الناس من لربما يسهل في موضوع الفواحش والغناء، ومن الناس من لربما يسهل كذلك حتى مع الفرق الضالة، فرق الضلالة قل مشيها يا عبد الله ونجعلها جميعًا على خط واحد. سننكر على من ونخل من لا؟ يا عبد الله أنكر أنت ما دمت لهذه الجماعة التي ارتضت أن تكون على الصراط المستقيم، فليكن من أول أعمالك أنك تنهى عن الفساد في الأرض، وهذه هي المهمة العظيمة التي لأجلها تخلف الجميع عن اللحوق بركب هذه الجماعة، والتي أوجدها الله قديمًا وأوجدها حديثًا أن تسير على هذا الصراط وترفع شعار أنهي عن الفساد في الأرض. وأخيرًا إخواني في الله من فوائد هذه الآية أن في هذه الآية بيان على أن من أعظم أسباب النجاة والتي ينجي الله جل وعلا بها الشعوب والمجتمعات والأفراد والأشخاص أنهم يكونوا ممن يسعى في وجه الأرض بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لأن الله سبحانه وتعالى ذكر عن هؤلاء القلة ماذا قال عنهم؟ قال: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾، أنجينا، فهؤلاء الذين نجاهم الله من العذاب الدنيوي لربما تأتي الأزمات وتأتي المعضلات والمشاكل والفتن والمحن والحروب، فينجي الله جل وعلا هؤلاء الصفوة بما؟ بما كان من استمساك بدين الله. وهكذا ينجيهم ربنا جل وعلا يوم الآخرة، يوم القيامة ينجيهم من كرباتها ومن أهوال القيامة، من النفخ في الصور ومن البعث والنشور ومن المشي على الصراط المستقيم، ومن كذلك توزيع الصحف ذات اليمين وذات الشمال، إلى غير ذلك من أهوال القيامة، هؤلاء ينجيهم ربنا جل وعلا بماذا؟ بهذه المهمة. فمن أحب أن الله ينجيه من المهلكات فالله الله في التمسك بهذا الدين، التمسك بهذا الدين ممن يكون من حاله أنه يمشي في الأرض فينهى عن الفساد فيها، فهذا إخواني في الله من يذكر من هذه الفوائد من هذه الآية، والتي أراد المؤلف رحمه الله تعالى من ذكرها أن يبين حال الغرباء وأنهم في كل زمان ومكان، وأنهم القلة بين خلق الله، فهم الصفوة الذين اصطفاهم الله وهداهم لهذا المقام العظيم. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.