الدرس في شرح أصول السنة للإمام أحمد 24، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح المقطع أن من انتقص صحابيًا أو أبغضه لذنب وقع فيه فهو مبتدع ضال، بل قد يبلغ الكفر؛ لأن الصحابة هم خير الأمة بعد الأنبياء وقد رضي الله عنهم. بغض الصحابة من صفات الكفار كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ليغيظ بهم الكفار﴾، ومن ثم وجب الترحم عليهم جميعًا وصفاء القلوب لهم.
يبيّن المقطع أن غالب ما يُنقل من مساوئ الصحابة كذب موضوع من طرق كذابين، وأن الصحابة معصومون من الذنوب بفضل القرآن والسنة فسبهم بدعة وضلالة. ويوضح أن قتال صفين والجمل كان اجتهاداً من الطرفين لنصرة الدين، وأن الخوارج هم سبب الفتنة محذراً من الروايات المحرفة ومؤكداً تحريم سب الصحابة.
يؤكد المقطع أن محبة الصحابة رضي الله عنهم ركن من أركان أهل السنة، وأن من سبهم أو أبغضهم أو انتقصهم فهو مبتدع محروم من الفيء مستدلاً بالقرآن والسنة وآثار السلف. ويبين أن سب الصحابة لا يضرهم بل يعود وبالاً على الساب، ويختم بوجوب محبة التابعين وأهل العلم والدفاع عنهم بالحق دون غلو أو جفاء.
افتتح المتحدث كلامه بالصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه. وهذه سنة مستحبة عند بداية الكلام أو الدروس العلمية لتبرك المجلس واستحضار السنة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. تقدم الكلام على بعض المسائل في هذه الرسالة النافعة الثابتة، وهي رسالة أصول السنة للإمام المبجل إمام أهل السنة أحمد بن محمد بن حنبل المتوفى سنة إحدى وأربعين ومائتين للهجرة، رحمه الله تعالى وغفر له. قال رحمه الله تعالى: «ومن انتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو أبغضه لحدث كان منه أو ذكر مساوئه كان مبتدعا حتى يترحم عليهم جميعا ويكون قلبه سليما لهم». تقدم الكلام على الصحابة رضي الله عنهم، وأنهم موضع التعظيم بدلالة النصوص في الكتاب والسنة، قدمنا الأدلة على ذلك. والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا، ذلك الفوز العظيم. فصحابي رسول الله صلى الله عليه وسلم هم خير الأمة، بل هم خير الأمم بعد الأنبياء. الصحابة رضي الله عنهم، قال جل وعلا: ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس ﴾، وهذا أولى الناس به. الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم فهم خير أمة بعد الأنبياء، صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال الإمام أحمد رحمه الله: «ومن انتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم». ومعنى الانتقاص أن يعيبه، ومعنى الانتقاص أن يعيبه، ويدخل في ذلك أن يشتمه، ويدخل في ذلك أن يستهزئ به، ويدخل في ذلك أن يسبه. كل هذه الصور داخلة تحت باب الانتقاص، سواء كان بسب أو بشتم أو باستهزاء أو بسخرية أو بغير ذلك. قالوا: من انتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعلم أن هذا الذي ينتقصه أو يزدريه أو يسبه ويشتمه أو يسخر منه أو يستهزئ به أو يتطاول عليه صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذين قد رضي الله عنهم ورضوا عنه، الذين هم من أهل الجنة ومن الصادقين. قال جل وعلا: ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ ﴿ أولئك هم المفلحون ﴾. فكيف يتكلم في الصادقين الذين شهد الله لهم بالصدق؟ مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر ويعظم شرع الله عز وجل، ويعظم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويعظم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال رحمه الله تعالى: «ومن انتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو أبغضه لحدث كان منه». هذا صنف آخر من المبغضين، عنده أن هذا الصحابي وقع في معصية أو وقع في ذنب أو شارك في المحاربة ضد فلان أو مع فلان، وهذا الرجل المبغض يرى أن الحق مع فلان، وأن هذا الصحابي أذنب بهذا. يقال أولا: إن للذنوب مكفرات، ليس الشأن أن يذنب الإنسان، ولكن الشأن أن ننظر قبل أن نعاقبه: هل له مكفرات يكفر الله بها هذا الذنب؟ فمن أقيم عليه الحد كالماعز والغامدية، حصل منهما الذنب ولكنه وقع عليهما الحد، فمثل هؤلاء لا يجوز الطعن فيهم ولا انتقاصهم ولا سبهم لما حصل منهما من الحدث وهو الزنا، فقد تابا توبة نصوحا لو وزعت على صاحب مكس أو مكس لغفر الله، ولو وزعت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، فلا يجوز تعييرهم بذلك. وكذلك مثلا من قاتل مع معاوية متأولا أو قاتل مع علي متأولا، فهذا حدث، ولكن هذا لا يوجب البغض لأحد منهم أو سبه أو احتقاره أو نحو ذلك. وهناك مكفرات للذنوب كثيرة، ذكر منها شيخ الإسلام أكثر من عشرة مكفرات، كل واحد منها يكفر الذنوب عند الله عز وجل، منها التوحيد، ومنها الصلوات الخمس، وأشياء كثيرة. أولى الناس بأن تكون فيهم تلك المكفرات لذنوبهم هم الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم. فبان بهذا أن الصحابة بشر يخطئون ويذنبون، ولكن الله عز وجل قد رضي عنهم، والله عز وجل قد غفر لهم. قال تعالى: ﴿ منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم ﴾. فإذا كان الله قد عفا عنهم، فكيف يأتي آت فيبغضهم والله قد عفا عنهم؟ مكفرات الذنوب أولى الناس بأن تكفر ما وقعوا فيه، وهم بشر من ذنب أو قصور، هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال: «أبغضه لحدث كان منه»، هذا جهل وضلال عن سواء السبيل، ولا يفعل هذا إلا مبتدع ضال كما سيأتي، أو كافر مارد؛ لأن الكفار هم الذين يبغضون أصحاب رسول الله. قال جل وعلا: ﴿ كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار ﴾، بعد أن وصف الصحابة: ﴿ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وينصرون الله ورسوله ﴾ إلى أن قال جل وعلا: ﴿ كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار ﴾، فلا يغتاظ ويبغض الصحابة إلا كافر، عياذا بالله. ولهذا ذهب الإمام مالك إلى تكفير الرافضة من هذه الآية؛ لأنهم يبغضون أكثر الصحابة أو عامة الصحابة إلا نفرا يسيرا، ويجعل من الأدلة على كفرهم هذه الآية: ﴿ ليغيظ بهم الكفار ﴾، فلا يغتاظ ويبغض الصحابة إلا كافر. قال: «أو أبغضه لحدث كان منه أو ذكر مساوئه». كذلك من يذكر مساوئ الصحابة، والأصل في هذا الباب - باب مساوئ الصحابة - أنه على قسمين: فقسم منه كذب محض، قسم منه كذب محض واختلاق مجرد، وأساطير موضوعة من طريق أبي مخنف لوط بن يحيى الكذاب، أو محمد بن السائب الكلبي الكذاب، أو نحوهم من الكذابين. قصص منكرة مكذوبة، أسانيدها قائمة على أناس اتهموا بالكذب، فهذا غالب ما يذكر من مساوئ الصحابة. الغالب مما يذكره الروافض وغير الروافض من أشباههم من مساوئ الصحابة من طرق الكذابين مثل أبي مخنف لوط بن يحيى، أو مثل محمد بن السائب الكلبي وأمثالهم من الكذابين، هذا القسم الأكبر. وهناك أشياء حصلت، ولكن لهم من مكفرات الذنوب ما نظن أن الله عز وجل كفر عنهم سيئاتهم مع عموم الأدلة، وهي قوله بمثل قوله جل وعلا: ﴿ رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك هم الصادقون أولئك هم المفلحون ﴾ في سورة الحشر، فهذا يدل على أن ما وقعوا فيه من الذنوب وهم بشر قد كفر عنهم. قال رحمه الله: «أو أبغضه لحدث كان منه أو ذكر مساوئه كان مبتدعا خارجا عن السنة». من تكلم في صحابي واحد يعتبر مبتدعا خارجا عن دائرة أهل السنة والجماعة، فيبدع، يبدع إذا اشتغل بذكر المساوىء. ومن هذا الباب ما يصنعه بعض الناس تحت ستار التاريخ، فيذكرون ما وقع بين الصحابة من قتال هم فيه متأولون لنصرة الدين، وهم صادقون في ذلك مجتهدون مأجورون جميعا، بين الأجر والأجرين. هذا معتقد أهل السنة والجماعة، كما قال ابن رسلان في آخر الزبد: «وما جرى بين الصحاب نسكت عنه وأجرى الاجتهاد نثبت كلهم مجتهد لنصرة الدين». علي رضي الله عنه ومن معه مجتهدون لنصرة الدين، ومعاوية رضي الله عنهم ومن معهم مجتهدون لنصرة الدين، إلا أن أقرب الطائفتين إلى الحق علي ومن معه، أقرب الطائفتين إلى الحق، ومع معاوية شيء من الحق، ومع علي حق، وليس هذا موضع الكلام في هذا. ولهذا يقول أهل السنة: نسكت عما شجر بين الصحابة، لأن ذكره يورث البغضاء. بعض الناس عاطفي أو إنسان فيه هوى فيميل إلى فلان أو على فلان جهلا وهوى ومجردا طبعيا، فهو يحب كذا لطبع معين أو يكره كذا فيوافق بعض الأخبار هواه فيقوم عليها مبغضا ومعتقدا للشر في بعض الصحابة. الصحابة كلهم يعظم الدين، وكلهم يعظم الحق، وكلهم إخوة، وكلهم على نهج واحد وعلى عقيدة واحدة، وهم كلهم من أهل الجنة، غير أنهم متأولون لما يصلح الدين، مجتهدون بين الأجر والأجرين. هذا الذي عليه أهل السنة والجماعة. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الخوارج: «تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق»، فوصف الطائفتين بالحق في الجملة، ثم قال: «تقتلهم» أي الخوارج، «أدنى الطائفتين إلى الحق». وأدنى الطائفتين إلى الحق علي ومن معه رضي الله عنهم وأرضاهم، ومعاوية عندهم من الحق ما به يطالبون. فمعاوية يقول: يا علي لا أبايعك حتى تسلم لي قتلة ابن عمي وهم في جيشك، وعلي يقول رضي الله عنه: اصبر حتى بايعني، فإذا بايعتني واستقرت الأمور أنا الذي سأخذ بدم عثمان من هؤلاء القتلة. وبينما هم يتفاوضون علم الخوارج، فقالوا: إنهم إن اتفقوا هلكنا، فانقسموا إلى فريقين: فريق كر على معسكر علي، وفريق كر على معسكر معاوية. فقال معاوية: قد غدر علي بنا، وقال علي: قد غدر بنا معاوية وأهل الشام، فنشبت معركة صفين بينهم رضي الله عنهم وأرضاهم. من السبب في نشوب المعركة؟ الخوارج. وهذا يطالب بحق، وهذا عنده الحق الأكبر وهو علي رضي الله عنهم وأرضاهم. ثم جاءت معركة الجمل، وخرجت عائشة وقد كلمها ابن أخيها ابن أختها ابن الزبير بالخروج أو غيره بالخروج على جملها، وأن الناس يعظمونها، فوقعت مقتلة حول جمل عائشة رضي الله عنها، ثم ندمت ندما شديدا. فالحاصل أن الصحابة كانوا مجتهدين لما يصلح الدين. فذكر ما يحصل بين الصحابة كما يصنع طارق السويدان، ويصنع بعض القصاص الذين لا يتحرون إسنادا ولا يفهمون صحة أو ضعفا ولا يضبطون عقيدة لأهل السنة، فتارة هم أقرب إلى الشيعة وتارة هم أقرب إلى الخوارج، هكذا يتخبطون. فمثل هذا لا يجوز سماع مثل هذه الأشرطة ومثل هذه المقالات أو الكتابات أو الصوتيات، وسماعها كل هذا من المحرمات؛ لأن الأصل سلامة الصدور، كلهم صحابة لرسول الله صلى الله عليه وعليه. ومن أشد الناس بغضا للصحابة الروافض، أشد الناس بغضا للصحابة الروافض، حتى قال القائل من أهل العلم: قيل لليهودي: من خير الناس؟ قالوا: أصحاب موسى. وقيل للنصارى: من خير الناس؟ قالوا: حواري عيسى. وقيل للرافضي: من شر الناس؟ قالوا: صحابة محمد. نسأل الله العافية والسلام. فشر الأمة عند الرافضي الصحابة، تجدهم صبحا وليلا يسبون خيرة الصحابة، يلعنون أبا بكر وعمر وعثمان، ومن الروافض الغلام يلعن عليا أيضا ويرميه بأنه ترك حقه إلى آخره، وهكذا في أكثر عامة الصحابة إلا نفرا يسيرا، إلا نفرا يسيرا. والأصل تحريم سب الصحابة، لا يجوز سبهم، وذكرنا فيما سبق لأن الله عز وجل يقول في صفة المؤمنين بعد الصحابة، بعد أن ذكر المهاجرين ثم ذكر: ﴿ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ﴾، ﴿ والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾، ﴿ والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ﴾. فيقول العلماء: من كان في قلبه غل وهو الحقد والبغض، نسأل الله العافية، لأحد من الصحابة أو للصحابة، فإنه يحرم من الفيء، يحرم من الفيء؛ لأن الفيء لا يكون إلا لمن يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحب الصحابة. وقدمنا أيضا حديث أبي سعيد الخدري: أن خالد بن الوليد كان بينه وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسب خالد عبد الرحمن. هذا في صحيح مسلم، ذكر القصة في البخاري بدون ذكر القصة. وقلنا: السب، أي قال: أنتم تفتخرون علينا بتقدمكم بالصحبة، هذا الذي قاله خالد رضي الله عنه. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تسبوا أصحابي». هذا الكلام وجه لطبقة خالد بن الوليد ممن أسلم قبل الحديبية وقبل الفتح، يقول لهم النبي صلى الله عليه وسلم: يقول لهم «لا تسبوا أصحابي»، «فوالذي نفسي محمد بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». هذا في صحابة مع صحابة بينهم فارق الزمن، هؤلاء من السابقين الأولين وهؤلاء من الذين جاءوا من بعدهم، لا يجوز لهؤلاء أن ينتقصوا هؤلاء بأي صفة من صفة الانتقاص ولو كلمات يسيرة، لا يجوز الانتقاص لهم، فكيف بأن ينتقصهم أو يسبهم من ليس في الصحابة ولا معدودا في الصحابة؟ حديث في الصحيحين، وذكر القصة في صحيح مسلم دون التفصيل، في خارج صحيح مسلم ذكر نوع ما جرى بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه. ومن اللطائف أيضا ما أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله أنه قيل لعائشة: إن أقواما ينتقصون أو يسبون الصحابة وأبا بكر وعمر، فقالت: «إن الله عز وجل قد علم أن أعمالهم قد انقطع عنهم بها الأجر، فأبى الله إلا أن تستمر لهم الأجور بعد موتهم» أو كما قالت رضي الله عنها وأرضاها. وهذا هو الحاصل: من يسب الصحابة هل يضرهم شيئا؟ ما يضرهم شيئا. هل يحصل لهم به أو لغيرهم ضرر؟ لا، حتى لغيرهم، إنما تأخذ حسناته أو يوضع عليه أوزار بسبب سبه وشتمه للصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. قال رحمه الله: «ومن انتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو أبغضه لحدث كان منه أو ذكر مساوئه كان مبتدعا» على طريقة الرافضة الذين من سماتهم وعلاماتهم بغضوا الصحابة وسبوا الصحابة واختلاق مساوئ الصحابة وتضخيم ما حصل من خطأ من بعض الصحابة، يوجد له من المكفرات مكفرات كثيرة. يقول رحمه الله: «كان مبتدعا حتى يترحم عليهم جميعا ويكون قلبه لهم سليما»، ليس فيه أي شيء من البغض أو الغل أو الحقد أو الانتقاص أو الاستخفاف، بل يحبهم ويعظمهم ويواليهم وينصرهم ويغار عليهم ويقدم محبتهم ويجعلها إيمانا على محبة ولده وأهله والناس أجمعين ممن بعدهم. فهم يحبون لما فيهم من الخير، ولا نغلو فيهم فنصفهم بصفات الإله كما صنعت السبائية في علي، قالوا: أنت إله، هذا غلو مذموم. بل نحبهم حبا شرعيا، فهم بعد الأنبياء أفضل الناس بعد الأنبياء، صحابة محمد رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم. ويلحق بحب الصحابة حب من تبع الصحابة بإحسان. قال جل وعلا: ﴿ والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ﴾. فهذه صفة من جاء بعد الصحابة، فهؤلاء نحبهم أيضا ونواليهم ولا ننتقصهم ولا نسبهم لأنهم على سبيل المؤمنين، والله عز وجل يقول: ﴿ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ﴾. فسبيل المؤمنين حب الصحابة وحب من سار على نهج الصحابة، ويندرج بهذا من أهل العلم من أهل الصدق والديانة، فالواجب حبهم حبا شرعيا، والواجب الذب عنهم، والواجب نصرتهم بالحق، والواجب نصيحتهم بالحق، والواجب أيضا أن لا يسبوا ولا ينتقصوا ولا يحتقروا ولا يستهزأ بهم كما يصنع الجهال أو أهل البدع والأهواء الذين جعلوا سب العلماء شعارا لهم. ولهذا يتخدمنا كلام الإمام: «لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله فيمن هتك أستار منتقصيهم معلومة، ومن تكلم في العلماء بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب». فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم. وهكذا أهل العلم، جاء في فضلهم أدلة كثيرة، أدلة كثيرة: «ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه». فهذا أيضا مما يدخل في محبة أهل الإيمان، فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض، والذين آمنوا بعضهم أولياء بعض، والمنافقون بعضهم أولياء بعض، والكفار بعضهم أولياء بعض. فنحب المؤمنين أينما كانوا، ونحب أهل العلم والدين أينما وجدوا وفي أي زمان كانوا، ولا نعتقد عصمتهم ولا أنهم لا يخطئون ولا أنهم لا يذنبون، ولكننا نحبهم الحب الشرعي الذي أمرنا الله جل جلاله به وحثنا عليه نبينا وجاءت به الشريعة في نصوص كثيرة. ولا زلنا بهذه الرسالة، وإن شاء الله غدا نختم بإذن الله. هذا ونسأل الله عز وجل أن يوفقنا لمنهج أهل السنة وعقيدتهم، ويحينا على ذلك ويميتنا عليه، إنه جواد كريم. وصل الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.