شرح أصول السنة للإمام أحمد 26

الدرس في شرح أصول السنة للإمام أحمد 26، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

خلق الجنة والنار ووجودهما الآن ورد قول المعتزلة

يؤكد الإمام أحمد بن حنبل أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن مستدلاً بأحاديث صحيحة، وينكر على المعتزلة قولهم بعدم خلقهما معتبراً ذلك تكذيباً بالقرآن والسنة. ويختم بالتأكيد على الصلاة على كل ميت من أهل القبلة موحداً والاستغفار له.

إثبات وجود الجنة والنار الآن وأحكام صلاة الجنازة

يستدل النص بالفعل الماضي في القرآن (أعدت) على وجود الجنة والنار الآن، ويبين وجوب صلاة الجنازة والغسل والتكفين والدفن على كل ميت موحد من أهل القبلة، ويسقط الفرض عن الباقين إذا قام به البعض، ويشرع صلاة الغائب.

أحكام الصلاة على الميت والاستغفار والفرق بين المسلم والكافر والمبتدع

يبيّن أن الاستغفار والصلاة على الميت حق للمسلم على أخيه، ولا يُمنعان إلا عن كافر أو منافق اعتقادي، بينما يُصلى على مرتكب الكبيرة ويُرجى له المغفرة، ويمنع الصلاة على أهل البدع المكفرة، ويجوز ترك الصلاة على غيرهم زجراً.

الصلاة والسلام على النبي ختاماً

يختتم المتحدث المقطع بالصلاة والتسليم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. لا زلنا في رسالة أصول السنة، أي العقيدة التي كان عليها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وأخذها عنهم التابعون، وعن التابعين تابعوهم كالإمام أحمد وغيره من الأئمة إلى زمن الإمام أحمد وغيره من الأئمة رحمهم الله تعالى. من لقي الله بهذه العقيدة نجا عند الله عز وجل. ونحن اليوم في خاتمة هذه الرسالة العظيمة الجليلة النافعة المباركة. قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المتوفى سنة إحدى وأربعين ومئتين للهجرة: «والجنة والنار مخلوقتان، قد خلقتا كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: دخلت الجنة فرأيت قصراً، ورأيت الكوثر، اطلعت في الجنة فرأيت أهلها كذا، واطلعت في النار فرأيت كذا ورأيت كذا. فمن زعم أنهما لم تخلقا فهو مكذب بالقرآن. فمن زعم أنهما لم تخلقا فهو مكذب بالقرآن وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا أحسبه يؤمن بالجنة والنار. ومن مات من أهل القبلة موحداً يصلى عليه ويستغفر له، ولا يحجب عنه الاستغفار، ولا نترك الصلاة عليه لذنب أذنبه صغيراً كان أو كبيراً، وأمره إلى الله عز وجل». ختم المصنف رحمه الله تعالى بذكر هاتين الفقرتين العظيمتين. قال رحمه الله: «والجنة والنار مخلوقتان قد خلقتا». وهذا معتقد أهل السنة والجماعة، وعليه عامة المسلمين، إلا طائفة من المعتزلة القدرية، إذ زعموا أن الجنة والنار لم تخلقا بعد، وأنهما ستخلقان يوم القيامة. وهذا القول باطل مردود، مصادم للأدلة الصريحة من كتاب الله عز وجل كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالذي عليه أهل الإسلام وإجماع أهل السنة والجماعة، وهو قول سلف الأمة، أن الجنة والنار قد خلقتا وقد أعدتا، ولكل أهلها، لكل أهلون. فللجنة أهل يدخلونها يوم القيامة، وللنار أهل يدخلونها يوم القيامة. قال الإمام رحمه الله: «والجنة والنار مخلوقتان قد خلقتا كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: دخلت الجنة فرأيت قصراً». هذا حديث أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة، وأخرجه أيضاً في مسنده، وسنده صحيح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دخلت الجنة فرأيت قصراً من ذهب، فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لشاب من قريش». قال صلى الله عليه وسلم: «فظننت أنه أنا، أنا، أو فظننت أني أنا هو». فقيل: «هو لعمر بن الخطاب». في رواية: قال صلى الله عليه وسلم: «ل عمر، ولقد هممت أن أدخله فخشيت فتركت ذلك لما أعرف من غيرتك». فقال عمر رضي الله عنه: «أعليك أغار يا رسول الله؟». فهذا الحديث فيه نص على أن الجنة موجودة، وعلى أن الجنة معدة جاهزة، وأن الجنة فيها قصور من ذهب، وأنها منازل لأناس سيكونون أهلها، كما قال صلى الله عليه وسلم: «فسألت: لمن هذا القصر؟» أي الذي هو من ذهب، فقيل: «لشاب من قريش». هذا يدل على أنها معدة، أعدها الله جل جلاله كرماً وفضلاً وإحساناً منه سبحانه وتعالى. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «ورأيت الكوثر». وهذا حديث أيضاً أخرجه الإمام البخاري، وانفرد به من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بينا أنا أسير في الجنة إذ رأيت نهراً حافتاه قباب الدر المجوف»، وفي رواية: «قباب اللؤلؤ». قال صلى الله عليه وسلم: «وطينته من المسك، طينته من المسك». قال: «فسألت جبريل وقلت: ما هذا؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك الله إياه». الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. الكوثر نهر في الجنة، النهر في الجنة عظيم، نهر فيه العجائب، طينته التراب من أفخر المسك. هذا تراب، سبحان الله، هذا في الجنة. «ورأيت الكوثر» أي في الجنة. «واطلعت في الجنة فرأيت أهلها كذا، واطلعت في النار فرأيت كذا ورأيت كذا». هذا ورد في حديث عمران بن حسين رضي الله عنه في صحيح البخاري، وفي حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه في صحيح مسلم موصولاً، وفي البخاري معلقاً، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء». «اطلعت في الجنة» هذا يدل على وجودها، «فرأيت أكثر أهلها» أي الذين سيكونون أهلها الفقراء، «واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء». وهذا يدل على وجود الجنة والنار، وأنها قد عرف أهلها. قال رحمه الله: «فمن زعم أنهما لم تخلقا» كما قال طائفة من القدري المعتزلة. ولما سئلوا قيل لهم: لم تنكرون هذا؟ قالوا: لأن بناءها قبل أن يسكنوها أو قبل أن يقرب وقت سكنها عبث. هكذا يردون بعقولهم ما جاء صريحاً في كتاب الله عز وجل، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال رحمه الله تعالى: «فمن زعم أنهما لم تخلقا فهو مكذب بالقرآن». لأن الله عز وجل يقول في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، «أعدت» فعل ماضٍ، فعل ماضٍ «أعدت للمتقين». ويقول سبحانه وتعالى أيضاً: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾. هذه الجنة، هذه الجنة للذين آمنوا بالله ورسله. ويقول جل وعلا في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، «أعدت للكافرين»، فالنار أعدت للكافرين. ويقول سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾، «مآبهم» مرجعهم، مسكنهم النار. ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾. فهذا يدل على وجود الجنة والنار، وأنهما قد أعدتا، أعدت الجنة للمتقين، وأعدت النار للكافرين، والفعل ماضٍ، فمعناه أنهما قد وجدتا. فمن زعم أن... قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «فمن زعم أنهما لم تخلقا فهو مكذب بالقرآن»، لأنه صريح في أن الجنة موجودة الآن. «مكذب بالقرآن وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم» كما تقدم في الأحاديث، وهي كثيرة: «دخلت الجنة فرأيت قصراً»، «اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء»، «واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء»، وحديث الخصوف لما كسفت الشمس قال صلى الله عليه وسلم: «رأيت النار، رأيت الجنة، وأخذت، وهممت أن آخذ عنقوداً»... من علم الحديث. ولا قال رحمه الله: «فهو مكذب بالقرآن وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحسبه يؤمن بالجنة والنار». يشير الإمام رحمه الله إلى أن الذين يدعون مثل هذه الدعاوى الباطلة، فإنه يحتمل أنهم من أهل النفاق العظيم، وأهل الزندقة والإلحاد، فهم أصلاً لا يؤمنون بوجود جنة ولا نار، ولكنهم لا يقدرون على أن يبوحوا بمذهبهم، فهم يدعون دعاوى يخدعون بها الجهال السذج، فيقولون: ما الفائدة من وجودها قبل أن يخلقوا؟ هو أصلاً ربما... يقول الإمام رحمه الله: «ولا أحسبه يؤمن بالجنة والنار»، يعني هذه المقالة ليست مقالة من يؤمن بوجود الجنة والنار، إنما هذا الكلام هو كالطريق لنفي وجود الجنة والنار، عياذاً بالله، كما يقوله الفلاسفة والملاحدة، عياذاً بالله. ولهذا كم من مقالة ظاهرها فيه الغرور وباطنها فيها النار والثبور، مقالات عظيمة يفهمها أهل العلم ويدركون مغزاها. قال رحمه الله تعالى: «ومن مات من أهل القبلة موحداً»، أي يشهد أن لا إله إلا الله، ويشهد أن محمداً رسول الله، ولم يأت بما ينقض إحدى الشهادتين، يشهد أن لا إله إلا الله، ويشهد أن محمداً رسول الله. قال: «ومن مات من أهل القبلة»، أي الذين يصلون إلى القبلة، يصلي إلى قبلة المسلمين، موحداً أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، «يصلى عليه»، هذا من حقه علينا، ومن واجبه، من واجبه علينا في باب الأخوة أن نصلي عليه إذا مات، وأن نغسله، وأن نكفنه، وأن ندفنه. هذا كله من حقوق المسلم على أخيه المسلم التي يجب على طائفة القيام بها، وإلا أثموا جميعاً. «يصلى عليه»، يجب أن يصلى عليه صلاة الجنازة، فإذا قام بعض طائفة من الناس بالصلاة عليه سقط الوجوب عن البقية الباقي، وإذا لم يصلوا عليه أثموا جميعاً. وإذا مات في البحر أو لم نجد جثته صلينا عليه صلاة الغائب، كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي في اليوم الذي مات فيه، كما في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنه، نعى النبي صلى الله عليه وسلم النجاشي في اليوم الذي مات فيه، ثم أمر بخروجهم إلى البقيع أو المصلى فصلوا عليه، فكبر أربع تكبيرات. هذا من حق المسلم أينما كان، أينما كان هو مسلم يشهد أن لا إله إلا الله ولم ينقضها، يشهد أن محمداً رسول الله ولم ينقضها، واجب علينا أن نصلي عليه، وأن نغسله، وأن نكفنه، وأن ندفنه. هذا من حق المسلم على أخيه المسلم. قال رحمه الله تعالى: «ومن مات من أهل القبلة موحداً يصلى عليه ويستغفر له»، يستغفر له في الصلاة، فإن صلاة الجنازة قائمة على أمور: قراءة الفاتحة في الركعة الأولى، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التكبيرة الثانية... في التكبيرة الأولى الفاتحة، التكبيرة الثانية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، التكبيرة الثالثة الدعاء والاستغفار له بما يفتح الله به عليه، وفي السنة أحاديث ينبغي حفظها، والرابعة على الراجح أيضاً يستغفر له ويدعى له على الراجح، لما ثبت على نبي أمامه موقوفاً، وكنا في الرابعة أيضاً ندعو له. «يستغفر له»، وهذا من حقوق المسلم على أخيه المسلم، ولهذا مدح الله الذين جاءوا من بعد الصحابة فقال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية. «ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان»، هكذا أهل الإيمان يستغفرون للمؤمنين وللمؤمنات. قال: «ويستغفر له، ولا يحجب عنه الاستغفار». لا يحجب عنه الاستغفار إلا إذا كان كافراً، عياذاً بالله. ولهذا نهى الله نبيه أن يستغفر للمشركين، نهى الله نبيه أن يستغفر للمشركين، وذكر ربنا جل وعلا أن استغفار إبراهيم لأبيه لم يستجب، ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾، ونهى الله نبيه أن يصلي على المشركين: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، هذا في المنافقين، نفاقاً نفاقاً اعتقادياً. فلا يحجب الاستغفار ولا الصلاة إلا عن مشرك كافر، أو منافق نفاقاً اعتقادياً، علمنا ذلك علماً بوحي أنه منافق نفاقاً اعتقادياً، أو بحكم شرعي. قال رحمه الله تعالى: «ولا نترك الصلاة عليه لذنب أذنبه صغيراً كان أو كبيراً»، بل نرجو له المغفرة، ونرجو له الرحمة، ونسأل الله للمؤمنين أن يغفر لهم ذنوبهم ونحن معهم، ونسأله أن يغفر للمسلمين وللمسلمات تقصيرهم. فهذا من حق المسلم على أخيه المسلم، وحق المسلمة على أخيها المسلم، وحق المسلم على أخته المسلمة: الصلاة، الاستغفار، والدعاء ونحو ذلك. «ولا نترك الصلاة عليه لذنب أذنبه صغيراً كان أو كبيراً»، حتى لو ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب يصلى عليه. وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على بعض أهل الكبائر، ولهذا ترك الصلاة على من قتل نفسه زجراً، وأمر بالصلاة عليه. فهذا باب آخر: ولي الأمر، وأعيان الناس، ومن ينبر إليهم، لو تركوا الصلاة وحدهم على من يجهر بالمعاصي، أو يركب الكبائر غير مبال، أو يتساهل في بعض الواجبات العظيمة، زجراً للناس مع أمرهم غيرهم بالصلاة، فهذا قد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعل أصل هذا... فهذا قد فعل أصله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يصل على من قتل نفسه، ونهى عن ذلك، ولم يصل على صاحب الدين، فكان يسأل: «أعليه دين؟» فإن قالوا: نعم، قال: «صلوا على صاحبكم»، يأمرهم بالصلاة عليه. هذا من باب الزجر لأهل هذه الذنوب وأمثالها وجنسها. وأما أهل البدع المكفرة، فإنه لا يصلي عليهم، أهل البدع المكفرة كالروافض، لا يصلى عليهم، لا عامة المسلمين ولا خاصة المسلمين، وكذلك الجهمية فهم كفار. وهكذا رؤوس المبتدعة الذين يحكم عليهم بالكفر، أو يظهرون الكفر، فكل من أظهر الكفر البواح، أو أظهر الشرك بالله، أو دعا إليه، أو عمل به، فإنه لا يصلى عليه. فمن كان يعبد الأصنام، أو يدعوها، أو يعبد القبور، أو يذبح لها، أو يستغيث بها، أو يشرك بالله عندها، أو يفعل أي نوع من أنواع الكفر، وهذا يظهره، فمثل هذا تترك الصلاة عليه لأن ظاهره الشرك. «وأمره إلى الله عز وجل»، أمره إلى الله عز وجل، هذا صنف آخر. والصنف الأول: أهل البدع المكفرة كالرافضة، فهم كفار، لا يصلى على أي رافضي، وكذلك الجهمية الغلاة، فهؤلاء لا يصلى عليهم. وأما سائر أهل البدع والجهال، فإنه يصلي عليهم عامة الناس، وينبغي للخاصة أن يتجنبوا الصلاة من أجل زجر هذه البدع. فإذا كان صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة خلف قاتل نفس، قاتل نفسه، وهي كبيرة من الكبائر، فكيف بالمبتدع، أو بالداعي إلى البدع، أو بغيرها من الأهواء والضلالات؟ قال رحمه الله تعالى: «ولا نترك الصلاة عليه لذنب أذنبه صغيراً كان أو كبيراً، وأمره إلى الله عز وجل». أمره إلى الله عز وجل، إن كان خلاف ما أظهر، هو إن كان على خلاف ما أظهر فأمره إلى الله عز وجل. وأما نحن فنصلي عليه، ولا نترك الصلاة عليه، ولا الاستغفار له لمجرد ذنوب، ولو كانت هذه الذنوب كبائر. هذا الذي عليه أهل السنة والجماعة. وبهذا ختم المصنف رحمه الله هذه الرسالة النافعة الجليلة. ومن اللطائف أنه ختمها بذكر الجنة والنار، ثم ختمها بذكر الموت على التوحيد، وهذا من لطائف المصنف رحمه الله في هذه الرسالة النافعة. فالجنة يدخلها أهلها بالتوحيد، والنار يدخلها أهلها بالشرك والكفر. فمن أراد الجنة فليسلك سبيل دخولها وهو التوحيد، ومن أراد اجتناب النار وأن لا يدخلها فليحذر من سبب دخولها وهو الشرك، عياذاً بالله. هذا، ونسأل الله جل وعلا أن يرحم المصنف وسائر أئمتنا برحمته، وأن يجعلهم في جنانه العالية، وأن يحشرنا معهم، ويدخلنا جنانه، ويغفر لنا ذنوبنا، ويميتنا على التوحيد والسنة، ولمشايخنا أجمعين، ومن حضر، والسامعين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.