شرح الباعث الحثيث 6

الدرس في شرح الباعث الحثيث 6، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

منهج البخاري ومسلم في الصحيحين وترتيب درجات الصحة

يوضح المقطع أن البخاري ومسلم لم يستوعبا كل الأحاديث الصحيحة بل اقتصرا على جزء منها خشية طول الكتاب، وأن أعلى مراتب الصحة ما اتفق عليه الشيخان ثم ما انفرد به البخاري ثم ما انفرد به مسلم. كما يذكر اختلاف العلماء في عد أحاديث الصحيحين، فابن الصلاح قدرها بنحو أربعة آلاف حديث غير مكررة بينما صحح ابن حجر وأحمد شاكر أن عدد متون البخاري الموصولة غير المكررة يبلغ سبعة آلاف وسبعمائة وواحد وستين حديثاً.

مستدرك الحاكم وما فاته البخاري ومسلم من الأحاديث الصحيحة

يتناول المقطع كتاب المستدرك للحاكم النيسابوري الذي يهدف لاستدراك الأحاديث الصحيحة التي فاتت البخاري ومسلم على شرطهما، وينقل نقد ابن الصلاح وغيره للكتاب لاحتوائه على أحاديث كثيرة فيها مقال وضعف. يعزي ذلك إلى كبر سن المؤلف ووفاته قبل تنقيح الكتاب مع تناقض في ترجيحاته بين المستدرك ومؤلفاته الأخرى.

نقد ابن كثير للمستدرك وفن المستخرجات على الصحيحين

يُبرز المقطع نقد ابن كثير اللطيف للمستدرك على الحاكم لاحتوائه على أحاديث موضوعة وتسامحه في الحكم بالصحة، ثم يشرح مفهوم المستخرجات ككتب تُروى بأسانيد مستقلة لحديثي البخاري ومسلم. مبينًا فوائدها كزيادات في المتون وأساند بديلة صحيحة مع ذكر أمثلة كصحيح أبي عوانة ومستخرج البرقاني وأبي نعيم.

مقارنة مصنفي ابن خزيمة وابن حبان بالمستدرك

يُشير المقطع إلى أن كتب ابن خزيمة وابن حبان البستي تُعد أصح وأنظف من المستدرك من حيث الأسانيد والمتون، ويختتم المتحدث بالوقوف عند هذا الحد مع الوعد بمواصلة الحديث غداً.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. يقول المؤلف الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في اختصار علوم الحديث: ثم إن البخاري ومسلمًا لم يلتزما بإخراج جميع ما يحكم بصحته من الأحاديث، فإنهما قد صححا أحاديث ليست في كتابيهما، كما ينقل الترمذي وغيره عن البخاري تصحيح أحاديث ليست عنده بل في السنن وغيرها. وهذا كلام مفهوم واضح، وهو أن البخاري ومسلمًا لم يستوعبا كل الأحاديث الصحيحة، بل إنهما أخذا جزءًا منها وتركا منها أحاديث كثيرة، فكون الحديث ليس في صحيح البخاري ومسلم لا يعني أنه ليس بصحيح، بل قد يوجد في السنن والمسانيد وغيرها أحاديث صحيحة هي في درجة أحاديث البخاري أو في درجة أحاديث مسلم، رحمهم الله تعالى. ولهذا تركا من الأحاديث خشية الطول، يعني أن يطول الكتاب، ترك البخاري ومسلم أحاديث كثيرة خشية الطول وأن يستطال الكتاب. وكنا أمس تكلمنا على الخلاف في ترجيح صحيح البخاري على مسلم في المجلس السابق، والأولى ما ذكره بعض أهل العلم وهو أن ما اتفق عليه فهما فيه سواء، ومن فرد به البخاري فالبخاري فيه أقوى، ثم من فرد به مسلم فتكون هكذا القسمة والترتيب: أعلى درجات الصحيح ما اتفق عليه البخاري ومسلم، وهما في هذا سواء لا تفضيل لأحدهما على الآخر، فإنهما قد أخرجا عين الحديث بنفس الطريق. وما أخرجه البخاري وانفرد به فهو أعلى مما أخرجه مسلم وانفرد به، ثم يتلو بعد ذلك صحيح ابن خزيمة رحمه الله، كذلك بعده صحيح ابن حبان، ثم الحاكم كما ذكر السيوطي في منظومته: فالبخاري ثم مسلم ثم صحيح ابن خزيمة ثم صحيح ابن حبان ثم مستدرك الحاكم. يقول رحمه الله: قال ابن الصلاح: فجميع ما في البخاري بالمكرر سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا، وبغير المكرر أربعة آلاف. وجميع ما في صحيح مسلم بلا تكرار نحو أربعة آلاف حديث. انتقد الحافظ ابن حجر هذا العدد، وبين أن أحاديث البخاري تزيد على هذا العدد، وأنه عدها فوجدها أكثر من ذلك، وتعجب الحافظ ابن حجر في النكت ممن يورد هذه العدة لأحاديث الصحيحين ويتبع الأول فيها الآخر، وفيها نظر لمن عد، والكتاب موجود. هكذا ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله في النكت وفي المقدمة. والشيخ أحمد شاكر قال في الحاشية: الذي حرره الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح أن عدة ما في البخاري من المتون الموصولة بلا تكرار سبعة آلاف وستمائة واثنان، ومن المتون المعلقة المرفوعة مائة وخمسة وتسعون، فمجموع ذلك سبعة آلاف وسبعمائة وواحد وستون حديثًا. وأن عدة أحاديثه بالمكرر -وربما فيه من التعليقات والمتابعات واختلاف الروايات- تسعة آلاف واثنان وثمانون. وهذا غير ما فيه من الموقوف على الصحابة وأقوال التابعين. انظر المقدمة. كذا هذا الذي خرج به الحافظ ابن حجر: اثنان وثمانون وتسعة آلاف حديث، وبدون تكرار سبعة آلاف وستمائة واثنان من الأحاديث. وهذا باب سهل، ولا زال العلماء يتعقب بعضهم بعضًا ويردون بعضهم على بعض، الإشكال والقصد العلم والفائدة عند الجميع. يقول رحمه الله: وقد قال: الزيادات على الصحيحين. قلنا فيما سبق إن البخاري ومسلمًا استوعبا كل الأحاديث الصحيحة جميعها أم تركا منها؟ عندك يا باب عكاش تفضل. تركا، ولهذا ألف العلامة المجدد أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي كتابه النافع: «الصحيحة المسندة مما ليس في الصحيحين»، ثم وضعه فقال: «الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين». قال رحمه الله تعالى: وقد قال الحافظ أبو عبد الله بن يعقوب بن الأخرم: لما يفوت البخاري ومسلمًا من الأحاديث الصحيحة... هذا الرجل شيخ الحاكم، يكثر الحاكم من الرواية عنه، وهو أحد علماء الحديث وإمامته، رحمه الله تعالى وغفر له. هذه الدعوى فيها نظر. وقد قال الحافظ أبو عبد الله بن يعقوب بن الأخرم: لما يفوت البخاري ومسلمًا من الأحاديث الصحيحة، وقد ناقشه ابن الصلاح في ذلك، فإن الحاكم قد استدرك عليهما أحاديث كثيرة، وإن كان في بعضها مقال، إلا أنه يصف له شيء كثير. الحقيقة: مستدرك الحاكم كتاب مشهور، ألفه الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري رحمه الله، أحد علماء السنة في بلاد نيسابور، ونيسابور كما قدمنا هي اليوم في بلاد إيران. ألف رحمه الله كتابًا سماه المستدرك، يعني يستدرك على البخاري ومسلم أحاديث فاتتهما على شرطهما. كتب الكتاب في آخر عمره، ولم يتيسر له تنقيح الكتاب، فوقع في أوهام كثيرة وأغلاط عديدة، رحمه الله وغفر له. وهذا ما أشار إليه ابن الصلاح في قوله: فإن الحاكم قد استدرك عليهما -أي البخاري ومسلم- أحاديث كثيرة. نعم، استدرك عليهما في كتابه المستدرك، ثم قال ابن الصلاح: وإن كان في بعضها مقال، بل في كثير أو في جمل كثيرة مقال، ليس في بعضه بل في أحاديث كثيرة مقال. والحاكم تساهل في هذا الكتاب لأسباب عدة، منها كبر سنه، وأنه مات قبل مراجعة الكتاب، فإنه نفسه يحكم على أحاديث في مستدركه فيقول: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ثم هو نفسه في كتابه «المدخل» أو «المعرفة» أو غيرها من الكتب يقول: هذا حديث ضعيف في سنده فلان بن فلان. وهذا مما يستدرك على الحاكم، كان حافظًا عالمًا ولكنه لم يتيسر له تنقيح الكتاب، ومع هذا فالكتاب كتاب نافع، وفيه كثير من الأحاديث الصحيحة، فيه قليل من الأحاديث الموضوعة تزيد على مئة، هكذا يقول الذهبي رحمه الله، وعنده تساهل أيضًا في الحكم على الحديث بالصحة. قال رحمه الله: قلت: من هذا الذي قال؟ كنت عندك ابن كثير، أحسنت. قال ابن كثير: قلت: في هذا نظر. هذا أسلوب من أساليب النقد اللطيف في الكلام الذي فيه خطر، فيقال فيه: نظر، كلمة لطيفة. فإنه يلزمهما بإخراج أحاديث لا تلزمهما لضعف رواتهما عندهما، أو لتعليلهما ذلك. سلاسل قد تكون ضعيفة عند الشيخين، فيقول: هذا الرجل ثقة، هذا ثقة عندك، لكن البخاري لا يراه ثقة، فلا يلزمه أن تروي على شرعه لأنه لا يراه أصلًا ثقة، بل يراه ضعيفًا، أو لتعليله ذلك. كأن يكون رواية معلة عند البخاري ومسلم، كرواية الحسن عن سمرة في غير حديث العقيقة مثلًا. حديث العقيقة سمعه الحسن عن سمرة، حديث العقيقة سمعه الحسن عن سمرة، لكن في غير هذا الحديث فيه إشكال. فكونك تعترض على البخاري أو على مسلم بأحاديث من هذه السلسلة، فهذا اعتراض غير وارد لأنهما لا يريان صحة هذه الطريق بإطلاق، لا يريانها بإطلاق. هذا الذي يريده ابن كثير رحمه الله تعالى وغفر له. قال: لا تلزم. قلت: في هذا نظر، فإنه يلزمهما بإخراج أحاديث لا تلزمهما لضعف رواتهما عندهما أو لتعليلهما ذلك، الله أعلم. وقد خرجت كتب كثيرة على الصحيحين، هذا باب المستخرجات. والمستخرج هو أن يأتي المحدث إلى كتاب من الكتب فيرويه بأسانيد لنفسه من غير طريق المؤلف، أو من طريق شيخه أو شيخ شيخه، ثم يلتقي معه في الإسناد إلى المتن، فالمتن واحد وأكثر السند إسناد واحد. وإنما يأتي المصنف فيخرج الحديث عن شيوخه عن شيخ شيخه عن طريق المؤلف، عن طريق صاحب الكتاب. هذا فن من فنون علم الحديث يسمى المستخرجات، وهذا له فوائد كثيرة. باب المستخرجات له فوائد كثيرة عند المحدثين، رحمهم الله. يقول رحمه الله: وقد خرجت كتب كثيرة على الصحيحين، أي مستخرجات، يؤخذ منها زيادات مفيدة، أي في متون الأحاديث. هذه إحدى الفوائد: أحيانًا البخاري يختصر الحديث، يأتي صاحب المستدرك فيذكر الحديث بزياداته، هذه فائدة. وأسانيد جيدة: أحيانًا يأتي المستخرج بطرق أخرى جيدة توضح صحة الحديث. كصحيح أبي عوانة على صحيح مسلم، له مستخرج على صحيح مسلم مطبوع. وأبي بكر الإسماعيلي، له كتاب على البخاري، لكني لا أعلمه إلا مفقودًا الآن. والبرقاني، أحد كبار أئمة الحديث، شيخ الخطيب البغدادي، له أيضًا مستخرج، ولا أعلمه مطبوعًا. وأبو نعيم الأصبهاني له مستخرج على صحيح مسلم، وغيرهم. وكتب أخر التزم أصحابها صحتها كابن خزيمة وابن حبان البستي، وهما خير من المستدرك بكثير، وأنظف أسانيد ومتونًا. طيب، نقف عند هذا القدر، ونقوم غدًا إن شاء الله بقية الكلام على هذا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.