شرح قصيدة في أدب الطلب لأبي علي اللؤلؤي 9

الدرس في شرح قصيدة في أدب الطلب لأبي علي اللؤلؤي 9، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

تصحيح قراءة بيت شعري والاستعانة بأهل العروض

يناقش المحور تصحيح قراءة بيت شعري من «إن أنت لم تفهم» إلى «إن أنت لا تفهم»، مبيناً خطأ بعض المحققين في ضبط الأوزان لافتقارهم للخبرة في بحور الشعر. ويؤكد على وجوب استشارة أهل اللغة والعروض لضبط النصوص، مستشهداً بمفهوم «سؤال الاستفسار» في علم الجدل كأسلوب للأذكياء.

أهمية سؤال الاستفسار في المنهج الفقهي وقصة ابن الصلاح

يبرز المحور أهمية سؤال الاستفسار (ما عنيت بكذا؟) في الفقه مستشهداً بقول ابن القيم: "اللفظي يقول ما قلت، والفقيه يقول ما أردت"، لأن الأحكام تبنى على النوايا. ويوضح عبر أمثلة من الفرائض وعادة العلماء في "تحويق" السؤال كيف أن عدم التوضيح يغير الحكم، مستشهداً بقصة الحافظ ابن الصلاح.

ضبط الفتوى بالاستفصال وفهم السياق في النونية

يؤكد المحور على ضرورة تحري الدقة في الفتوى من خلال الاستفصال عن مراد السائل وصياغة الجواب مقيداً بما ذكره لتجنب التلبيس. كما يبين أن فهم الكلام بسياقه الكامل (سباقه ولحاقه) أصل عظيم في تلقي العلم، مستشهداً بقول ابن القيم في النونية.

الافتتاحية بالصلاة والسلام على النبي وآله

يستهل المتحدث كلامه بالصلاة والتسليم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، داعياً بالبركة على آله وصحبه أجمعين كافتتاحية للدرس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. يقول الناظم رحمه الله تعالى: "وما بقي عليك منه أكثر" أي: العلم، وهذا يفيد ترك الغرور والعجب والكبر، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾، وما بقي عليك منه أكثر مما علمت، والجواد يعثر. فكل ما سمعته مستفهماً: "إن أنت لم تفهم منه الكلمة"؟ عندكم أش مكتوب؟ الصواب: "إن أنت لا تفهم منه الكلمة"، الصواب: "إن أنت لا تفهم منه الكلمة". والمحقق لعدم أو لضعف خبرته بالشعر صواب ها هنا قال: "إن أنت لم تفهم منه الكلمة"، هذا غلط. ثم كتف الهامش في طاء: "لا"، أي في نسخة طاء المخطوطة: "لا"، هذا هو الصواب بلا شك: "إن أنت لا تفهم منه الكلمة". هكذا يقرأ البيت: "فكل ما سمعته مستفهماً"، وهذا من آفة بعض المحققين، لا يكون لهم خبرة بهذا الباب، ولا يكونون من أهل التذوق له، ولا يعرفون أوزانه ولا علله، فيكتب الصواب في الهامش، ويكتب الخطأ في أصل الكتاب، فإذا قرأه الناظر تعجب لأنه لا يصير شعراً. ولهذا رحم الله امرأً استعان بغيره، ذهب إلى من يعرفون اللغة ويعرفون أوزان بحور العروض الشعرية، وقال: "زنوا لي هذه القصيدة، انظروا في وزنها، من أي بحر هو؟ فأنا لا أعلم". هذا ما هو عيب، هذا ليس من المعايب، لكن العيب أن يخوض المرء في شيء لا يكون به خبيراً، ثم يكتب في الهامش: "أفادني بهذا فلان وفلان"، وينبه في المقدمة على أنني راجعت مسائل اللغة وأوزان الشعر على فلان، وأفادني فيها فلان، هذه الأمانة وأدب طلب العلم. أما أن يظن المرء أنه إذا أحسن تخريج حديث فهو يحسن تفسير شعراً فهو مخطئ، والعكس كذلك. إذن الصواب: "لا" نافية، والفعل "تفهم" مرفوع. فكل ما سمعته مستفهماً: "إن أنت لا تفهم منه الكلمة"، هكذا تقرأ: "إن أنت لا تفهم منه الكلمة". معنى هذا البيت: إذا ورد عليك كلام سمعته أذناك، فبادر إذا شككت في فهمك لسؤال السائل، أو لموضع البحث والمنازعة في المسألة. فكل ما... "إن أنت لم تفهم"... "إن أنت لا تفهم منه الكلمة". هذا عند الأصوليين موجود، وعند علماء الجدل يسمونه "سؤال الاستفسار". علماء الجدل يقولون: إن من أساليب الجدل الاثني عشر، والاثني عشر سؤالاً يسمى الاستفسار، وهو: "ما عنيت بكذا؟ ما معنى قولك كذا؟". هذا من حنكة الأذكياء. بعض الناس يأنف، يقول: "واحد والله ما فهمت السؤال"، يظنه يعني منقصة. لا يا عبد الله، إنما يفعل هذا أذكياء الناس، يسمونه... يسميه علماء الجدل: "سؤال الاستفسار": "ما عنيت بكذا؟". يقول ابن القيم رحمه الله: "اللفظي يقول ما قلت، والفقيه يقول ما أردت". هكذا يقول ابن القيم في كتابه النافع "أعلام الموقعين": "اللفظي يقول ما قلت، والفقيه يقول ما أردت"، لأن الأحكام مبنية على النوايا والإرادة، لا على مجرد الحروف والألفاظ. قد تخطئ في اللفظ، قد تخطئ في اللفظ. اللفظي يقول ما قلت، والفقيه يقول ما أردت. هكذا قال ابن القيم، هكذا قال ابن القيم. هكذا قلت أول الأمر: "اللفظي يقول ما قلت، والفقيه يقول ما أردت". وكم يحصل لبعض الناس من غلط بسبب سوء الفهم لسؤال السائل، لسوء الفهم لسؤال السائل، وإذا بالجواب كما قال القائل: "راحت مشرقة وراحت مغربة، شتان بين مشرق ومغرب". لهذا السؤال الاستفسار مهم. نحن نقرأ في الفرائض: قال: "عندي أخت". قالوا: "من لا يا عبد الله؟ ليش تستعجل؟ قف، بارك الله فيه. أخت، ما هي هذه الأخت؟ هل هي شقيقة؟ هل هي لأب؟ هل هي لأم؟ هل فهمنا هذا؟". كل واحدة من هذه لها حكم، قد ينقض فيما سيأتي، وقد ينفعها، وقد يضرها. هل فهمنا هذا؟ هذا مثال. ولهذا أحد علمائنا كتب فتوى في الفرائض، لكنه لم يحوق الجواب والسؤال. هل عرفنا هذا من طريقة أهل العلم؟ عنده فتوى، هكذا رأيت المشايخ، خاصة كبار السن، يأتي يقول: "هذا السؤال"، يعمل خطاً بالقلم الأسود على أطراف السؤال، يخليه داخل مربع. أنتم فهمتم؟ يخلي السؤال داخل مربع. أنتم تصوروا معي الآن، كل واحد عنده شاشة، يشوف السؤال ويشوف عليه مربع، ثم يأتي الفراغ حق الجواب. لا شك أن السؤال ربما يكون في هذا السطر، والجواب هنا، يعمل الخط هكذا، ينزل تحت، بحيث أنه يحاول يلاحق الأسطر إلى أن يجعل الجواب في دائرة أو شبه دائرة مغلقة، شبه مستطيل مغلق. أنتم فهمتم؟ هذه طريقة الفقهاء الأوائل. لماذا؟ لأنه قد يأتي سائل خبيث فيزيد لفظة أو حرفاً في السؤال أو في الجواب فيفسد المعنى، فهو لا يعطيه مجالاً. قد يأتي مثلاً... شو... الورقة ما شاء الله ضائعة، يكتب "لا" أو "لم". تخيلوا: كتب "لا" أو "لم". صاحبنا يقول: "يجوز"، لكن يقول له: "لا" في السؤال مثلاً، يحصل غلط كبير. وهذا حصل للحافظ ابن الصلاح رحمه الله تعالى، أجاب في فتوى ولم يحوقها، فجاء بعضهم وأضاف في فتوى في الفرائض، أضاف إيش؟ "ابن". فلما اطلع الناس قالوا: "سبحان الله! إيش هذه الفتوى؟ إيش هذا الكلام؟ هذا السؤال واضح، إيش هذا الجواب؟". وبعد البحث عند أهل الصنعة قالوا: "هذه كلمة 'ابن' زائدة". هذه "ابن"؟ ما كانت موجودة في السؤال. فهذا شخص يريد أن يشنع على هذا العالم ويشغب عليه، أنه يفتي بغير علم، ويفتي بجهل، وأنه تصدر بهوى، وأنه لا يوثق بعلمه ولا بفهمه. إيش سوى؟ زود كلمة "ابن". ولهذا ينبغي لطالب العلم وللعالم أن يكون حصيفاً، أن يكون ذكياً حصيفاً، فيسأل: "ما عنيت بكذا؟ كيف صورة كذا؟ قولك كذا ما تعني به؟". حتى لو فهم، لو فهم المعنى، ما هو عيب؟ يقول له: "عنيت كذا؟ قصدت كذا؟ السؤال خلاصته كذا وكذا وكذا؟". ثم يكتب ويقول: "على ما ذكر السائل"، "على ما ذكره السائل"، "كما ذكر لي السائل"، "كما حكاه لي السائل"، "على وفق السؤال الذي سألني إياه هذا السائل". بعضهم يزيد في آخر الكلام: "فإن كان هناك شيء خلاف ذلك فليبين، لأجل أن يصح هذا الجواب". هل فهمنا هذا؟ هذا من الضبط الذي عليه أهل الفتوى، لأنك لك خصوم، لك خصوم. فإذا أردت أن تكتب مثل هذا تكتبه بهذه الطريقة. العلماء الأوائل كانوا على هذا ونصوا عليه. إذن: "فكل ما سمعته مستفهماً"، أنت سمعت الكلام لكن تستفهمه، ليس هذا بنقيصة. "إن أنت لا تفهم منه الكلمة". حتى لو أشكل عليه القول، قولان: فقول تعقله، وآخر تسمعه فتجهله، وكل قول فله جواب. كل كلام له جواب، قد يختلف، قد يختلف الجواب إذا صيغ بهذه الطريقة، وإذا صيغ بهذه الطريقة. قد يختلف السؤال، ويكون ذلك موجبا لاختلاف الجواب. "القول قولان، فقول تعقله، وآخر تسمعه فتجهله، وكل قول فله جواب، يجمعه الباطل والصواب". كل كلام ممكن أن يحول حقاً، وممكن أن يحول إلى باطل. بعض الناس مثلاً في هذا الزمان نسمعهم يقول: يأتي بكلام، مثلاً: "هل الأعمال شرط في الإيمان؟". فإي جواب أجبت، خطأك به، لأن لفظ "الشرط" مجمل، ولفظ "الأعمال" مجمل. فتارة يجعلك مرجئياً، وتارة يجعلك جهمياً، يتصرف فيك دون نظر إلى قصدك أو مرادك، بسبب الإجمال الحاصل في السؤال. يقول رحمه الله: "وللكلام أول وآخر، فافهمهما، والذهن منك حاضر". أي: أن الكلام يعرف بسباقه وبلحاقه، فلا تأخذ الكلام من آخره، وإنما أخذ الكلام كاملاً بسباقه وبلحاقه. لا بد أن تأخذ الكلام بأكمله. وهذا أمر عظيم، وهو مسألة سباق الكلام ولحاقه. يقول ابن القيم في النونية: "إن الكلام إذا أتى بسياقه * يبدي المراد لمن له أذنان إن الكلام إذا أتى بسياقه * يبدي المراد لمن له أذنان أضحك نص قاطع لا يقبل التأويل * يعرف ذا أولو الأذهان فسياقة الألفاظ مثل شواهد الأحوال * إنهما لنا صنوان". إن شاء الله يأتي الكلام على شرح كلام ابن القيم في المجلس القادم. وصل الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.