شرح كتاب الشريعة للإمام الاّجري 8

الدرس في شرح كتاب الشريعة للإمام الاّجري 8، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

ذم المراء والجدال في الدين وبيان آثاره المدمرة

يبيّن المقطع أن الجدال والمراء في الدين من علامات الضلال وأسباب الفرقة، حيث يقسيان القلوب ويمزقان الأخوة ويورثان الشحناء ويحبطان العمل. وقد حذر السلف كمسلم بن يسار وأبي قلابة من مجالسة أهل الأهواء ومجادلتهم لكون الخصومات مدخلا للشيطان وسببا للضلال.

تحذير السلف من مجادلة أهل الأهواء والبدع

ينقل المقطع آثارا عن السلف الصالح تحذر من المناظرة والجدال مع أهل الأهواء، مؤكدة أن الخصومات هي سبب انتشار البدع وزرع الشكوك. والسلامة تكمن في لزوم طريقة السلف الأولى وتجنب الجدال الذي يزل الأقدام.

التمسك بمنهج السلف وأحوال العارفين وآداب طلب العلم

يؤكد المقطع وجوب التمسك بمنهج السلف الصالح ورفض آراء الرجال المخالفة للكتاب والسنة وإن زخرفت، ويسوق آثارا كتشبيه صفوان بن محرز وقصة ابن عباس مع الفتى. ويختم بوصف حال العارفين بالله والنهي عن المراء لأن العالم الحق يعمل بعلمه متبِعاً للسنة قاصداً وجه الله.

  • 10 جمادى الآخرة 1442هـ - 23/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في مجالس قراءة هذا الكتاب النافع الجليل، وهو كتاب الشريعة للإمام الكبير المحدث الفقيه أبي بكر محمد بن الحسين الآجري، المتوفى سنة ستين وثلاثمائة للهجرة، رحمه الله تعالى وغفر له. قال: بسم الله الرحمن الرحيم. قال محمد بن الحسين: المحمود الله على كل حال. باب ذم الجدال والخصومات في الدين. وهذا باب عظيم، فإن نهج السلف ترك الخصومة والجدال؛ لأن الله نهى عنها وأجازها في أضيق الحالات. والجدال لا يقوى به الحق غالباً، بل يقوى به الباطل. ولهذا كان هدي السلف ترك الخصومات والجدال، والإقبال على تعلم السنة وتعليمها والدعوة إليها، فهذا به ينصر الإسلام. أما كثرة الجدال فمن علامة أهل البدع والأهواء. سيأتي معنا أدلة كثيرة في ذم الجدال، ذم الجدال وذم المناظرات مع أهل البدع والأهواء. قال: باب ذم الجدال والخصومات في الدين. وبه قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي، قال: حدثنا زهير بن محمد المروزي، قال: أخبرنا يعلى بن عبيد، قال: حدثنا الحجاج بن دينار، عن أبي غالب، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». ثم قرأ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾. هذا الحديث يحسنه أيضاً شيخنا العلامة أبو عبد الرحمن الوادعي، رحمه الله تعالى، وكذلك الإمام ناصر الدين الألباني؛ لأن رواية أبي غالب عن أبي أمامة عندهم حسنة. أبو غالب حزوة، روايته عن أبي أمامة عند الشيخين تحسن. هذا مما اتفق عليه الشيخان، شيوخ الحديث في هذا الزمان، رحمهم الله تعالى وغفر لهم. هذا الحديث فيه بيان أن الجدال وكثرته من علامة أهل الضلال، وأن قلة الجدال من علامة أهل الحق. ﴿مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ﴾. ثم تلا قوله جل وعلا في صفة قريش: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾، أي عيسى بن مريم. ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾، لما قيل: قال الله عز وجل: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، فذهب كفار قريش إلى اليهود فقالوا لهم: قولوا إن عيسى يعبد، فهل يكون عيسى وهو نبي عندكم من حصب جهنم؟ فجاءوا وضربوا ذلك لرسول الله مثلاً. قال تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾، ليس القصد بيان الحق أو نصرة الحق، وإنما القصد الجدال المحض، اعتراض مجرد لا يقصد منه بحث يخرج منه بحق أو بباطل يُرد، لا مجرد اعتراض القصد منه المجادلة المحضة. ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾. ثم قال جل جلاله في صفتهم: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾، أي شديد الخصومة، أهل خصام. أنزل الله بعدها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾، فالذين سبقت لهم الحسنى مبعدون، وإن كان أتباعهم عبدوهم فالإثم على أتباعهم، لا على أنبيائهم، ولا يؤاخذ الله الأنبياء بجهل بعض الجهلاء، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو حفص عمر بن أيوبة السقطي، قال: حدثنا محفوظ بن أبي توبة، قال: حدثنا محمد بن بشر العبدي، وقال: حدثنا حجاج بن دينار، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». ثم تلا هذه الآية: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾. هذا الحديث كان شيخنا أبو عبد الرحمن، رحمه الله، إذا خرج رحلة ودعوة إلى الله، يحفظ الراكبين معه دعوة في سيارته، في السيارة هذا الحديث، فيقول لهم: جاء في سنن الترمذي وغيره عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». ثم تلا قوله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾. يسمعه كل الراكبين جميعاً، والقصد منه رحمه الله أن بعض طلبة العلم يستزلهم الشيطان، ربما فتح الله عليه في فهم مسألة فيثير تلك المسألة، والقصد منه المجادلة. فإذا أورد عليه أخوه كلاماً اعترض عليه، وهكذا ينشغلون بالجدال عن ذكر الله، وينشغلون بالجدال في تلك المسألة عن التحضير للكلمات ونحوه، وتتنافر القلوب. فالجدال من الأشياء التي تنفر القلوب بعضها عن بعض. فإذا نفر قلب الأخ عن أخيه حصل، عياذاً بالله، شر عظيم. إن القلوب إذا تنافر ودها مثل الزجاجة، كسرها لا يشعب، أي لا يجبر. كسر الزجاجة إذا ظهر في لوح الزجاج كسر فإنه لا يلحم. فلهذا كم من أناس كانوا إخوة، فلما تجادلوا صاروا خصماء. وسيأتي معنا، لعله حديث مشهور: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً». تبين المسألة، تقول الصواب فيها كذا لحديث كذا، فإن كثر الجدال سكت ولم تتكل، امتثالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة»، أي وسط الجنة، «لمن ترك المراء»، أي الجدال، «وإن كان محقاً». فكيف إذا لم يكن محقاً؟ قال رحمه الله تعالى: وحدثنا عمر بن أيوب السقطي، قال أيضاً: قال: حدثنا محمد بن الصباح الجرجرائي، قال: حدثنا كثير بن مروان الفلسطيني، عن عبد الله بن يزيد الدمشقي، قال: حدثني أبو الدرداء، وأبو أمامة، وواثلة بن الأسقع، وأنس بن مالك، قالوا: خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نماري في شيء من الدين، فغضب غضبا شديداً لم يغضب مثله، ثم انتهرنا، فقال: «يا أمة محمد، لا تهيجوا على أنفسكم وهجاً. ثم قال: أبهذا أمرتم؟ أوليس عن هذا نهيتم؟ أوليس إنما هلك من كان قبلكم بهذا؟ ثم قال: ذروا المراء لقلة خيره. ذروا المراء فإن نفعه قليل، ويهيج العداوة بين الإخوان. ذروا المراء فإن المراء لا تؤمن فتنته. ذروا المراء فإن المراء يورث الشحناء ويحبط العمل. ذروا المراء فإن المؤمن لا يماري. ذروا المراء فإن المماري قد تمت حسراته. ذروا المراء فكفى به إثماً. لا تزال... فكفى بك إثماً، لا تزال ممارياً. ذروا المراء فإن المماري لا أشفع له يوم القيامة. ذروا المراء فأنا زعيم بثلاث أبيات في الجنة في وسطها ورياضها وأعلاها لمن ترك المراء وهو صادق. ذروا المراء فإن أول ما نهاني ربي تعالى عنه بعد عبادة الأوثان وشرب الخمر المراء. ذروا المراء فإن الشيطان قد أيس أن يعبد، ولكنه قد رضي منكم بالتحريش وهو المراء في الدين. ذروا المراء فإن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها على الضلالة إلا السواد الأعظم». قالوا: يا رسول الله، ما السواد الأعظم؟ قال: «من كان على ما أنا عليه وأصحابي، من لم يمار في دين الله تعالى، ولم يكفر أحداً من أهل التوحيد بذنب». وذكر الحديث، يقول الشيخ الألباني: وفيه كثير بن مروان الفلسطيني، قال الهيثمي: وهو ضعيف جداً. ثم إن شيخه عبد الله بن يزيد بن آدم، قال أحمد: حديثه موضوعة، فهو آفة الحديث. الحديث موضوع كما ذكر المعلق. قال محمد بن الحسين: لما سمع هذا أهل العلم من التابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين، لم يماروا في الدين. لكن المعاني التي في هذا الحديث الموضوع معروفة، تقدم ذكرها. فالمراء يقسي القلوب، والمراء يصرف عن الخير، والمراء والجدال لا تؤمن فتنته على الإنسان، إعجاباً بنفسه واقتراراً بها، وفتنة، عياذاً منه. المراء كان من صفة الفرق الضالة الزائغة إلى يوم الدين، وهذا المعنى صحيح. المراء أيضاً يمزق الأخوة، ويورث الشحناء والعداوة، ويدخل منه الشيطان بين الصالحين فيتفرقون ويكره بعضهم بعضاً. هذه المعاني كلها ثابتة في المراء، جاءت بها آثار كثيرة. قال محمد بن الحسين رحمه الله: لما سمع هذا، أي النهي عن المراء، أهل العلم من التابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين، لم يماروا في الدين ولم يجادلوا، وحذروا المسلمين المراء، المراء والجدال، وأمروهم بالأخذ بالسنة وبما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم، وهذا طريق أهل الحق ممن وفقه الله تعالى. سنذكر عنهم ما دل على ما قلنا إن شاء الله تعالى. وقال: حدثنا الفريابي، وقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن محمد بن واسع، عن مسلم بن يسار، أنه كان يقول: «إياكم والمراء، فإنها ساعة جهل العالم، وبها يبتغي الشيطان زلته». ساعة جهل العالم أن يخرج العالم فيها عن الحق بسبب الجدال، وحب الغلبة، وحب الانتصار للنفس وللرأي. وهذا ليس من سمة أهل العلم. أهل العلم وطلابهم فيهم الصدق، فيهم تعظيم الحق حيثما كان، وليس فيهم قصد المغالبة، ولا قصد تعظيم أنفسهم. فإذا حصل في الجدال مثل هذا، فهذه الساعة قد دخل فيها الشيطان على هذا العالم أو الطالب. «إياكم والمراء، فإنها ساعة جهل العالم، وبها يبتغي الشيطان زلته». هكذا يقول مسلم بن يسار، وهو من أئمة التابعين، بل كان يفضل على الحسن البصري. مسلم بن يسار كان يفضل على الحسن البصري، رحمه الله. ثم جاءت فتنة ابن الأشعث فنزلت مرتبته قليلاً، رحمه الله، ثم رجع وتاب من خوضه في فتنة ابن الأشعث، رحمه الله. وبه قال: وحدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي، قال: حدثنا زهير بن محمد المروزي، قال: حدثنا سريج بن النعمان، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن محمد بن واسع، عن مسلم بن يسار، قال: إنه كان يقول: «إياكم والمراء، فإنه ساعة جهل العالم، وبها يبتغي الشيطان زلته». وبه قال: حدثنا الفريابي، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، قال: كان أبو قلابة يقول: «لا تجالسوا أهل الأهواء». أبو قلابة الجرمي، من أئمة التابعين وساداتهم، رحمه الله. «لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في الضلالة، أو يلبسوا عليكم في الدين بعض ما لبس عليهم». هذا الأثر مشهور في نصيحة أبي قلابة: «لا تجالسوا أهل الأهواء». فيه النهي عن مجالسة الذين عرفوا بالأهواء والتعصب لها، أحزاباً وأفكاراً وضلالات مختلفة. «لا تجالسوهم، ولا تجادلوهم»، أي تناقشونهم على قصد إقناعهم، فالغالب أنهم لا يرجعون، وهذا الأصل هو الأصل الغالب، بسبب ما في قلوبهم من الأهواء، عياذاً بالله. تمكنت الأهواء من قلوبهم، فلو رأوا الحق ما اتبعوه، عياذاً بالله، لأن الهوى إله، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾. فالهوى إله، عياذاً بالله، يقدمه أهله على طاعة الله عز وجل ومرضاته. «ولا تجالسوهم، ولا تجادلوهم، فإنكم إن جادلتموهم أوردوا عليكم الشبه، والقلوب ضعيفة، وقد لا يكون عندكم من الحصانة والعلم ما تدفعون به الشبه، فيجرونكم إلى ضلالتهم جراً حتى تقعوا في عظائم الأمور». هذا عمران بن حطان كان سنياً، وتزوج بخارجية، فإذا به يدخل مذهب الخوارج، حتى يمدح قاتل علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وهو في الأصل كان سنياً، بسبب امرأة أوردت عليه بعض الشبه، صار يمدح قاتل علي، وعلي أمير المؤمنين. انظروا إلى الضلال، ويقول: «يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضواناً، إني لأذكره يوماً»، أي قاتل علي، عبد الرحمن بن ملجم، «فأحسبه أوفى البرية عند الله ميزاناً». بسبب امرأة أوردت عليه بعض الشبه. «لا تجالسوا أهل الأهواء». يقول أبو قلابة: «ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في الضلال، أو يلبسوا عليكم في الدين، أو يلبسوا عليكم في الدين، أو ما لبس عليه». وبه قال: حدثنا عمر بن أيوب السقطي، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبي، شيبة بن بشير، عن العوام بن حوشب، عن معاوية بن قرة، قال: «الخصومات في الدين تحبط الأعمال». أي هي سبب من أسباب حبوط الأعمال. يكون له حسنات عظيمة، فبسبب الجدال يقع في قلبه الحسد والكبر والعداوة والبغضاء، فلا يزال ساعياً في الشر في هزيمة من يراه خصماً له، حتى تذهب عنه تلك الحسنات العظيمة. وقد كان في سلامة صدر. «الخصومات في الدين»، يقول معاوية بن قرة، أحد القضاة العدول: «تحبط الأعمال». أي هي سبب من أسباب ذهاب الحسنات، لأن صاحب الخصومات همه الانتصار، وهمه... وقد يقع بسبب ذلك في الظلم والكذب والافتراء والبغي، فتذهب حسناته. وبه قال: حدثنا الفريابي، وقال: حدثنا قبيصة بن سعيد، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، أن عمر بن عبد العزيز قال: «من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل». هذا كلام عظيم، وهو كلام حق واضح. فالذي يجادل الطوائف، ولا يكون عنده مكانة علمية ولا فهم لأصول السنة وعقائد أهل الإسلام، تارة يكون رافضياً، وتارة يكون خارجياً، وتارة يكون شيعياً، وتارة مرجئياً، وتارة قدرياً، وتارة معتزلياً. كلما أورد عليه مورد شبهة قال: أنا معك، كلامك حق. هذا يشبه قصة القاضي الذي فيه غفلة، جاءه خصم فقال له على خصمه كلاماً، فقال القاضي لما سمع كلامه: حق. فقال خصمه: اسمع مني أيها القاضي. فسمع منه، فقال: كلامك حق. فلما دخل إلى داخل داره، قالت له زوجته: ما لك يا هذا؟ جاءك هذا فقلت: كلامك حق، وجاءك هذا فقلت: كلامك حق، ولا يمكن أن يكون الكلام كله حقاً، لا بد أن يكون فيه خطأ. قال: والله كلامك حق. هذا يتنقل: «يوماً يمان إذا لاقيت ذا يمن، وإن لقيت معداً فعدناني». هذه مصيبة. قال رحمه الله تعالى: قال عمر بن عبد العزيز: «من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل». قال: وحدثنا الفريابي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال: حدثنا معن بن عيسى، قال: أنصره، مارك بن أنس، يوماً من المسجد وهو متكئ على يدي، فلحقه رجل، قال له: أبو الجويرية، كان يتهم بالإرجاء، فقال: «يا أبا عبد الله»، يعني مارك بن عيسى، «يا أبا عبد الله، اسمع مني شيئاً أكلمك به، وأحاجك، وأخبرك برأيي». قال: «فإن غلبتني؟» قال: «إن غلبتك اتبعتني». قال: «فإن جاء رجل آخر فكلمنا فغلبنا؟» قال: «نتبعه». قال مارك، رحمه الله: «يا عبد الله، بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم بدين واحد، وأراك تتنقل من دين إلى دين». قال عمر بن عبد العزيز: «من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل». في بعض الروايات: «إني على ثبات من ديني، اذهب إلى شاك مثلك». قال: وحدثنا الفريابي، قال: حدثنا محمد بن داود الفريابي، قال: حدثنا محمد بن عيسى، قال: جاء رجل إلى الحسن، فقال: «يا أبا سعيد، تعال حتى أخاصمك في الدين». فقال الحسن: «أما أنا فقد أبصرت ديني، فإن كنت أضللت دينك فلتمسه». لا يعطونه فرصة ليسمعوا منهم، لأنهم أهل أهواء، أهل أهواء، عياذاً بنا. لم يطلبوا العلم النافع، ولا جالسوا أهله، وتصدروا في الفتن، إرجاءً وخروجاً وغير ذلك. قال: وحدثنا أبو بكر، عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي، وقال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا حماد بن مسعدة، قال: كان عمران القصير يقول: «إياكم والمنازعة والخصومة، إياكم والمنازعة والخصومة، وإياكم وهؤلاء الذين يقولون: أرأيت، أرأيت». يعني أصحاب جدل، أصحاب جدل. «لو كان كذا كيف؟ لو كان كذا كيف؟» ليس القصد الحق، وإنما القصد الاعتراض والجدل. قال رحمه الله: وحدثنا الفريابي، قال: حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى، قال: حدثنا سعيد بن عامر، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، عن... أن رجلاً من أصحاب الأهواء قال لأيوب السختياني: «يا أبا بكر، أسألك عن كلمة». فولّى أبو أيوب، وجعل يشير بإصبعه: «لا نصف كلمة، ولا نصف كلمة». هكذا كانوا، رحمهم الله تعالى. والقلوب ضعيفة، والشبه خطافة، الشبه خطافة. قال: حدثنا الفريابي، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا سعيد بن عامر، قال: سمعت جدي أسماء بن خارجة يحدث، قال: دخل رجلان على محمد بن سيرين من أهل الأهواء، فقالا: «يا أبا بكر، نحدثك بحديث». قال: «لا». قالا: «فنقرأ عليك آية من كتاب الله». قال: «لا، لتقومن عني، لتقومن عني، أو لأقومنه». وبه قال: حدثنا ابن عبد الحميد، قال: حدثنا زهير بن محمد، قال: حدثنا موسى بن أيوب الأنطاكي، وقال: حدثنا عطاء بن بشير، عن فضيل، قال: «مكتوب في التوراة: يا موسى، لا تخاصم أهل الأهواء. يا موسى، لا تجادل أهل الأهواء، فيقع في قلبك شيء فيرديك، فيدخلك النار». هذا في حق نبي، إن صحت الرواية، فكيف بغيره؟ والمعنى صحيح، أن الشبه خطافة، تقع في القلب. الشبهة ربما تبقى مدة. هذا مثله مثل إنسان ينظر إلى بعض النساء، فربما وقع في قلبه نظرة لا تخرج من قلبه، تبقى فترة طويلة، والسبب عينه التي نظر بها. وربما لو رأى تلك المرأة حقيقة لربما كرهها، ولكن الشيطان زينها له عند النظر. وهكذا الإنسان الذي يتعرض للشبهات، ربما تبقى في قلبه الشبهة، حتى يأتي الله بما يزيل تلك الشبهة عن قلبه. والعاقل من لا يستسلم ويجري في هذه الطرق، بل يسد هذه الأبواب، يسد هذه الأبواب عن نفسه. هكذا كان السلف: «لا، ولا نصف كلمة، لتقومن، أو لأقومنه». هكذا كانوا، رحمهم الله. قال: وحدثنا ابن عبد الحميد، قال: زهير، سمعت أحمد بن حنبل، رحمه الله، يقول: سمعت مروان بن شجاع، يقول: سمعت عبد الكريم الجزري، يقول: «ما خاصم ورع قط في الدين». الخصام، الجدال، والمغالبة، هذه ليست من صفات أهل الورع والخوف من الله سبحانه وتعالى. قال: وحدثنا ابن عبد الحميد، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا أبو خالد، قال: حدثنا سفيان، عن عمر، يعني ابن قيس، قال: قلت للحكم: «ما اضطر الناس إلى الأهواء؟» يعني: ما الذي نشر الأهواء بين الناس، وجعلها لها رؤوساً وأتباعاً؟ قال: «الخصومات». يعني: السبب في انتشار البدع والأهواء، أن أهل السنة يجلسون مع الرجل التافه، أو الرجل قليل العلم. انظر من تجالس: هل هذا طالب علم؟ هل هذا حقاً طلب العلوم ودرسها بحيث يفهمك إن أوردت عليه الحجة والدليل؟ أم هو إنسان أخذ شبهة وشبهة فتحفظها، فإذا أخرجته خارجاً قال بشبهاته، ضاع، ولم يحسن الجواب؟ لو تخرج شبراً واحداً خارج دائرة الشبه التي يقولها، لوجدته جاهلاً. أمثل هذا ترفع به رأساً عند الناس، فيقال: جالسه فلان، وناظر فلان، فيشتهر أمره، ويعظم ذكره، ويلتف عليه العوام، ويحكي لهم القصص بطرق لم تحصل أصلاً، يحكي لهم بطولاته في الرد على أهل السنة. كيف تنتشر الأهواء بين الناس؟ «ما اضطر الناس» يقول القائل للحكم: «ما اضطر الناس إلى الأهواء؟» قال: «الخصومات». عن جدل ممن هو ليس بأهل أن يجادل. سيأتي الكلام إن شاء الله تعالى على المناظرة، وأن لها شروطاً لا بد من وضع شروط، وأن الله عز وجل جعل للجدل قيوداً، فبهذه القيود يجوز، وبغير هذه القيود يرجع إلى أصله وهو التحريم. قال رحمه الله تعالى: حدثنا عمر بن أيوب السقطي، قال: حدثنا محفوظ بن أبي توبة، قال: حدثنا محمد بن بشر العبدي، عن زياد بن كليب، قال: قال أبو حمزة لإبراهيم: «يا أبا عمران، أي هذه الأهواء، أي هذه الأهواء، أي هذه الأهواء أعجب إليك؟ فإني أحب أن آخذ برأيك وأقتدي بك». قال: «ما جعل الله في شيء منها مثقال ذرة من خير، وما هي إلا زينة الشيطان، وما الأمر إلا الأمر الأول». يعني نهج السلف، الزمه، فإنه فيه النجاة. عليك بالأمر الأول، إياك وهذه الأمور الجديدة، وهذه البدع الجديدة، وهذه الأفكار المحدثة، سواء تحت ستار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو ستار الغيرة على الدين، كلها مخالفة لهدي الأوائل. الزم عليه الصحابة، رضي الله عنهم، تنجو. وبه قال: حدثنا عمر بن أيوب، قال: حدثنا محفوظ، قال: حدثنا إبراهيم بن خالد الصنعاني، وقال: حدثنا رباح، قال: حدثنا رباح بن زيد، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، أن رجلاً قال لابن عباس: «الحمد لله الذي جعل هوانا على هواكم». فقال ابن عباس: «الهوى كله ضلالة». المراد بالهوى ما تهواه النفوس. المراد بالهوى ما تهواه النفوس، والأصل لزوم السنة والبقاء عليها، وعدم الخروج عنها. قال رحمه الله تعالى: حدثنا الفريابي، قال: حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد، قال: أخبرني أبي، قال: سمعت الأوزاعي يقول: «عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوه لك بالقول». قلنا في بعض الطرق: الحديث، الأثر، فإن الأمر ينجلي، وأنت على هدى مستقيم. هكذا أخرجه الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث، وأخرجه كذلك غيره من الأئمة، وهذا الأثر ثابت، وهو من كلمات الأوزاعي الذهبية. من صح التعبير: «عليك بآثار من سلف»، أي منهجهم ومسلكهم وسيرهم في جميع القضايا، وإن رفضك الناس، لكونك خالفت أهواءهم وآراءهم وأفكارهم وأحزابهم وما أحبوه لأنفسهم من الهوى، وإن رفضك الناس، فتصير غريباً، لأنك تمسكت بمنهج الأوائل، وهم قد رأوا أن منهج الأوائل لا يصلح لهذا الزمان، فنفوه وهربوا منه وابتعدوا عنه. «وإياك وآراء الرجال»، أي ما رآه الرجال لأنفسهم في المسائل والمناهج والأقوال وغيرها. «وإياك وآراء الرجال» المخالفة لكتاب الله عز وجل، والمخالفة لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. «وإن زخرفوه»، أو «زخرفوا لك بالقول»، أي أتوك بالعبارات المنمقة، والكلام الجميل، والطرح الذي فيه حلاوة. فزخرف القول يغر من لا يعرف حقائق الأمور. زخرف القول يغر من لا يعرف حقائق الأمور. ولهذا ذكر الله في المشركين أنهم يزخرفون أقوالهم، وكذلك ذكر الله في المنافقين أنهم يزخرفون أقوالهم. قال تعالى في المنافقين: ﴿وَإِذَا قَالُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾، أي من حلاوة كلامهم. لكنك إن وزنته بميزان دين الله عز وجل، لم تجده شيئاً مذكوراً، وجدته منكراً من القول وزوراً وباطلاً، عياذاً بالله. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو زكريا يحيى بن محمد الحنائي. وقال تعالى في المشركين: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾. فوصف قولهم بأنه زخرف، وأنه غرور، يغتر به الناظر، وهو إفك مفترى، وكلام محرف. قال: أخبرنا أبو زكريا يحيى بن محمد الحنائي، قال: حدثنا محمد بن عبيد بن حساب، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا محمد بن واصل، قال: رأيت صفوان بن محرز، وأشار بيده إلى ناحية المسجد، وشبابة قريب منه، أي شباب يتجادلون. فرأيته ينفض ثوبه، وقام، وقال: «إنما أنتم جرب». إنما أنتم جرب. والجرب مرض يصيب الجلد، فيتقطع الجلد له، ربما يتساقط الشعر إذا أصيب بالجرب، عياذاً بالله، ويصاب بحكة شديدة، ويقال إنه ينتقل من إنسان إلى آخر. فهو يراهم يتجادلون، وهم شباب، أي شباب في مقتبل أعمارهم، فيقول هذا العالم منكراً عليهم: «إنما أنتم جرب»، أي قوم يجب اجتنابكم، ويجب الفرار منكم، والبعد عنكم، كما يجب الفرار من الجرب. والجرب وأصحاب أمراض الجرب يفر الإنسان منهم، فر من المجذوم، فرارك من الأسد. «إنما أنتم جرب، إنما أنتم جرب». وبه قال: حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد، قال: حدثنا الحسين بن الحسن المروزي، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا أبو الحكم، قال: أخبرنا موسى بن أبي كردمة، وقال غيره: ابن أبي دردمة، عن وهب بن منبه، قال: «بلغ ابن عباس عن مجلس، بلغ ابن عباس عن مجلس كان في ناحية بني سهم، كان في ناحية باب بني سهم، يجلس فيه ناس من قريش فيختصمون، فترتفع أصواتهم. فقال ابن عباس: انطلقوا بنا إليهم. انطلقوا بنا إليهم. فانطلقنا حتى وقفنا، فقال لي ابن عباس: أخبرهم عن كلام الفتى الذي كلم به أيوب عليه السلام وهو في حالة بلائه». قال وهب: فقلت: قال الفتى: «يا أيوب، أما كان في عظمة الله وذكر الموت، أما كان في عظمة الله وذكر الموت، ما يكل لسانك، ما يكل لسانك ويقطع قلبك، ما يكل لسانك ويقطع قلبك، ويكسر حجتك. يا أيوب، أما علمت أن لله تعالى عباداً أسكنتهم خشية الله من غير عي ولا بكم، وإنهم لهم النبلاء الفصحاء الطلقاء الألباء العالمون بالله وأيامه، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله تعالى تقطعت قلوبهم، وكلت ألسنتهم، وطاشت عقولهم وأحلامهم، فرقاً من الله تعالى وهيبة له، فإذا استفاقوا من ذلك استبقوا إلى الله. فإذا أفاقوا من ذلك، فإذا استفاقوا من ذلك استبقوا إلى الله بالأعمال الزاكيات، لا يستكثرون لله الكثير، ولا يرضون له بالقليل، يعدون أنفسهم مع الظالمين الخاطئين، وإنهم لأنزاه أبرار أخيار، ومن المضيعين المفرطين، وإنهم لأكياس أقوياء، ناحلون دائبون، يراهم الجاهل فيقول: مرضى، وليسوا بمرضى، وقد خلطوا، وقد خالط القوم أمر عظيم». هذا من أخبار من مضى، والأصل أنها لا تقبل ولا ترد، وإنما يسكت عنها، ولا بأس من قراءتها للفرجة لا للحجة، كما قال العلماء: «تقرأ للفرجة لا للحجة». فالله أعلم بإسناد هذا الكلام بين الفتى وأيوب، والتطويل في الألفاظ ظاهر. فقد كان كلام الأوائل قليلاً، وإنما كثر الكلام في المتأخرين، والأوائل كلامهم حكمة ومختصرة. فمثل هذا لا نكذبه ولا نصدقه، ولا بأس في قراءته للفرجة لا للحجة. وبه قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار، قال: حدثنا محمد بن حسان بن فيروز الأزرق، قال: حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، قال: حدثني موسى بن أبي دردم، عن يوسف، يعني ابن ماهك، عن ابن عباس، أنه بلغه عن مجلس في ناحية بني سهم، فيه شباب من قريش يخصمون، وترتفع أصواتهم. فقال ابن عباس لوهب بن منبه: «انطلق بنا إليهم». قال: فانطلقنا حتى وقفنا عليهم، فقال ابن عباس لوهب بن منبه: «أخبر القوم عن كلام الفتى الذي كلم به أيوب عليه السلام وهو في بلائه». فقال وهب: قال الفتى: «يا أيوب، لقد كان في عظمة الله تعالى وذكر الموت، ما يكل لسانك ويقطع قلبك ويكسر حجتك. أفلم تعلم يا أيوب أن لله عباداً أسكتتهم خشية الله من غير عي ولا بكم، وإنهم لهم الفصحاء الطلقاء العالمون بالله وأيامه، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله تعالى تقطعت قلوبهم، وكلت ألسنتهم، وكلت أحلامهم، فرقاً من الله تعالى وهيبة له، حتى استفاقوا من ذلك، حتى إذا استفاقوا من ذلك ابتدروا إلى الله تعالى بالأعمال الزاكيات، لا يستكثرون لله الكثير، ولا يرضون له بالقليل، ناحلون دائبون، يراهم الجاهل فيقول: مرضى، وقد خولطوا، وقد خالط القوم أمر عظيم». هذا الكلام فيه صفة أناس أصابهم بلاء من الله عز وجل، فلم يشتكوا الله إلى خلقه، وإنما عظموا الله حق تعظيم، وهم قوم صالحون يذكرون الموت وعظمة الله، فتكل ألسنتهم عن الشكوى، وتنقطع حجتهم عن الشكاية، وهم أهل فصاحة لو أرادوا الكلام، لكنهم شغلهم ذكر الله عز وجل وتعظيمه. فكأن ذكر الله وعظمة الله تعالى، كأن عظمة الله تعالى قطعت قلوبهم وأتعبت ألسنتهم. وهذا تشبيه لما هم فيه من الصلاح والإقبال بالقلب على عبودية الله عز وجل. فقلوبهم ساجدة عند الله عز وجل، وألسنتهم ذاكرة لله عز وجل، فهم يعبدون الله ببواطنهم أعظم من عبادة من يعبد الله بظواهره. ومع هذا هم أهل عبادات كثيرة، يبادرون الله بالأعمال الصالحات: صلاة وصياماً وقراءة وذكراً وتعظيماً، ظاهراً وباطناً، ولا يرون أعمالهم شيئاً، بل يسيئون الظن بأنفسهم، ويحسبون أنفسهم من الظالمين ومن المفرطين، وهم من عباد الله المجتهدين الذين هم ناحلون، أي في أجسادهم لكثرة الصيام، دائبون، أي على القيام وعلى العبادة. فإذا رآهم الجاهل ظنهم لضعف أجسادهم مرضى، وقد خولطوا، أي صار فيهم شيء من الجنون أو نحوه، لأنه يراهم منبهرين، أو يراهم قد شغلهم شيء ما، فيقول: لعل بهم شيئاً من مس أو من جنون. «وقد خالط القوم أمر عظيم»، يعني: الذي في قلوب القوم من خوف الله الجليل وتعظيمه، أمر عظيم، شغلهم عن طعامهم، عن شرابهم، من شدة حبهم لله وتعظيمهم له سبحانه. خالط قلوبهم تعظيم الله، خالط قلوبهم شدة محبتهم لله عز وجل. هذا معنى هذا الأثر، وهذا الكلام. هذا في صنف من الناس، ولا شك أن مثلهم موجود، لكن كونها حصلت في عصر أيوب، وأن أيوب خاطبه فتى، هذا الله أعلم به. وبه قال: حدثنا ابن عبد الحميد، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا أبو حذيفة الصنعاني، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل، حدثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهباً يقول: «دع المراء والجدال عن أمرك، فإنك لا تعجز أحد رجلين: أن يغلبك، ولا تجد رجلاً هو أعلى منك، فكيف تماري وتجادل من هو أعلى منك؟ ورجل أنت أعلى منه، فكيف تماري وتجادل من أنت أعلى منه، ولا يطيعك؟ فاقطع ذلك عنه». وهذا كلام صحيح. فإذا وجد الإنسان من هو أعلى منه، استفاد منه، ولم يماره ويجادله بقصد الغلبة والاعتراض، لا يفعل هذا، إنما يستفيد منه. وإذا وجد من هو دونه، لم يضيع وقته بالجدل مع من لا هم له إلا المماراة، ولا يشعر بقصور نفسه. قال محمد بن الحسين: من كان له علم وعقل، فميز جميع ما تقدم ذكري له من أول الكتاب إلى هذا الموضوع، علم أنه محتاج إلى العمل به، فإن الله أراد به خيراً، لزم سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم، وما اتبعهم بإحسان من أئمة المسلمين في كل عصر، وتعلم العلم لنفسه لينتفي عنه الجهل، وكان مراده أن يتعلمه لله، ولم يكن مراده أن يتعلمه للمراء والجدال والخصومات، ولا للدنيا. ومن كان هذا مراده سلم إن شاء