شرح كتاب الشريعة للإمام الاّجري 11

الدرس في شرح كتاب الشريعة للإمام الاّجري 11، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

إجماع السلف على أن القرآن كلام الله غير مخلوق

نقل الأئمة كابن عباس، ومالك، وأحمد، والشافعي، وأبي عبيد إجماع السلف على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، مستدلين بقوله تعالى ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ وبسبق كلام الله لخلق القلم. وأكدوا أن المخلوق يعتريه النقص بخلاف كلام الرب سبحانه.

تكفير الجهمية القائلين بخلق القرآن وأحكامهم

أجمع أئمة السلف كإمام أحمد وسفيان بن عيينة ووكيع على تكفير من يقول بخلق القرآن وعدوه زندقة وفتحاً لأبواب الكفر. فصلوا في حكم من قاله تقيةً أو اعتقاداً، معتبرين كفره بيناً واضحاً لا لبس فيه.

حديث أول ما خلق الله القلم وتصحيح رواياته

عرض المقطع طرق حديث "أول ما خلق الله القلم" عن ابن عباس وأبي هريرة وعبادة بن الصامت، وناقش علماء الحديث كالألباني درجات صحتها وضعفها. كما رد على دعوى أخذ ابن عباس من أخبار أهل الكتاب، ووضح مصطلح "حاء" في علم المصطلح.

استدلال مناظرة آدم وموسى على قدم كلام الله

استنبط الشيخ من قول موسى عليه السلام «كَلَّمَهُ رَبُّهُ» في حديث الاحتجاج بالقدر أن كلام الله صفة ذاتية غير مخلوقة. أيّد ذلك بإجماع سلف الأمة كإسحاق بن راهويه على أن القرآن كلام الله غير مخلوق.

  • 10 جمادى الآخرة 1442هـ - 23/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في هذا الكتاب النافع الجليل، كتاب الشريعة للإمام الكبير أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله تعالى فغفر له. ولازلنا في باب الكلام على أن القرآن كلام الله عز وجل غير مخلوق بجميع جهاته. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، قال: حدثنا داود بن رشيد، قال: حدثنا أبو حفص الأبار، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن فروة بن نوفل، قال: أخذ خباب بن الأرت بيدي فقال: يا هناه، تقرب إلى الله تعالى بما استطعت، فإنك لست تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه. كلام الله عز وجل أعظم الذكر الذي يذكر الله عز وجل به، وله سبب عظيم في إجابة الدعاء، وفي رفع الدرجات، وفي تأخير الخطايا والذنوب. القرآن الكريم. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن أبي عوف البزوري، قال: حدثنا سويد بن سعيد، قال: حدثنا معاوية بن عمار، قال: سئل جعفر بن محمد رضي الله عنه عن القرآن: أخلق أم مخلوق؟ قال: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله تعالى. هو صفة، هو صفة من صفات الله، وهو كلام الله عز وجل، وكلام الله صفة من صفاته سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار، قال: حدثنا أبو داود السجستاني، قال: حدثنا الحسن بن الصباح البزار، قال: حدثنا معبد أبو عبد الرحمن ثقة، عن معاوية بن عمار، قال: سألت جعفر بن محمد عن القرآن، فقال: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله تعالى. قال: وهو معبد بن راشد كوفي، روى عنه موسى بن داود وارويم بن يزيد. قال رحمه الله تعالى: وحدثنا أبو عبد الله جعفر بن إدريس القزويني، قال: حدثنا حمويه بن يونس إمام مسجد جامع قزوين، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن فضيل الرأسي رأس العين، قال: حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث، كاتب الليث بن سعد، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾، قال: غير مخلوق. قال: وقال حمويه بن يونس: بلغ أحمد بن حنبل هذا الحديث، فكتب إلى جعفر بن محمد بن فضيل يكتب إليه بإجازته، فكتب إليه بإجازته، فسر أحمد بهذا الحديث، وقال: كيف فاتني عن عبد الله بن صالح هذا؟ وهذا يدل على تعظيمهم للعلم ولآثار السلف. فهذا الأثر من رواية عبد الله بن صالح كاتب الليث وهو ضعيف، ومع هذا حارص عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وكتب إلى جعفر بن محمد أن يكتب له إجازته به. وهذا يدل على أنه يرى الإجازة، وهي أن يجيز الشيخ الطالب أن يحدث عنه بمروياته أو بأحاديثه أو بما يصح له من كتب أو سماعات أو نحوها فيرويه عنه. فالإمام أحمد يروي هذا الحديث عن جعفر بن محمد بن فضيل الرأسي يرويه عنه بالإجازة، والإمام أحمد سر بهذا التفسير: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾، قال: غير مخلوق. ولعل وجه هذا أن القرآن كامل لأنه من صفة الكلام، وكلام الله لا يأتيه نقص ولا عوج ولا خلل ولا خطأ، وإنما هو كاف واف تام كامل غير ناقص لأنه من صفة الله عز وجل. ولهذا قال عبد الله بن عباس في هذا التفسير: غير مخلوق. ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ غير مخلوق؛ فإنه لو كان مخلوقا لكان أعوج. لو كان القرآن مخلوقا لظهر فيه الخلل، فإن المخلوق من صفته النقص، كالموت والحياة والمرض والغفلة والخطأ، هذه صفة المخلوق، والقرآن ليس بمخلوق، فتعين أنه كامل. تعين أن القرآن كامل تام كما قال تعالى: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. لو كان مخلوقا من المخلوقات من غير الله ككلام الناس لوجدوا فيه اضطرابا وتناقضا واختلافا على مدى الدهور، ولكن هذا القرآن كلام الله عز وجل مستقيم لا يعتريه نقص ولا خلل، غير ذي عوج. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو حفص عمر بن أيوب السقطي، قال: حدثنا الحسن بن الصباح البزار، قال: حدثني أخ لي من الأنصار، عن أبي زكريا يحيى بن يوسف الزمي، قال: سمعت عبد الله بن إدريس وسأله رجل عمن يقول القرآن مخلوق، فقال: من اليهود؟ قال: لا. قال: من النصارى؟ قال: لا. قال: من المجوس؟ قال: لا. قال: فممن؟ قال: من أهل التوحيد. قال: معاذ الله أن يكون هذا من أهل التوحيد! هذا زنديق، هذا زنديق. من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن الله تعالى مخلوق. يقول الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾، فالرحمن لا يكون مخلوقا، والرحيم لا يكون مخلوقا، والله لا يكون مخلوقا. فهذا أصل الزندقة. يقول المعلق: صححه الإمام ناصر الدين الألباني في مختصر العلو، ولعله وجد اسم هذا الأخ. «حدثني أخ لي من الأنصار» شاهد أن من زعم أن القرآن مخلوق فلا شك أنه يؤول قوله إلى أن الله مخلوق، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. قال: وحدثنا أحمد بن أبي عوف، قال: سألت الحسن بن أحمى... قال: سألت الحسن بن علي الحلواني، فقلت له: إن الناس قد اختلفوا عندنا في القرآن، فما تقول رحمك الله؟ قال: القرآن كلام الله غير مخلوق، ما نعرف غير هذا. أي عن السلام. قال أحمد بن أبي عوف: وسمعت هارون الفروي يقول: لم أسمع أحدا من أهل العلم بالمدينة وأهل السنن إلا وهم ينكرون على من قال القرآن مخلوق ويكفرونه. هذا إجماع أهل العلم في كثير من البلاد كما هو معلوم. قال هارون: وأنا أقول بهذه السنة. قال لنا أحمد بن أبي عوف: وأنا أقول بمثل ما قال هارون. قال ابن أبي عوف: وسمعت هارون يقول: من وقف على القرآن بالشك ولم يقل غير مخلوق فهو كمن قال هو مخلوق. قالوا به. قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار، ونحن نقول كذلك بقول أهل السنة في هذا جميعا، وبهذا القول الذي أجمى عليه السلف، كلنا قائم إن شاء الله. قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار، قال: حدثنا أبو داود السجستاني، قال: حدثنا حمد بن سعيد المروزي، وكان ثقة مأمونة، قال: سألت أبا بكر بن عياش، فقلت: يا أبا بكر، قد بلغك ما كان من أمر ابن علية في القرآن، فما تقول فيه؟ فقال: أسمع إلي، اسمع إلي، ويلك، اسمع إلي، ويلك! من زعم أن القرآن مخلوق فهو عندنا كافر زنديق، عدو الله، لا نجالسه، لا نجالسه، ولا نكلمه. وابن علية رحمه الله، حين... لعله يعني إبراهيم بن علية، هذا الذي يعنيه الله. قد بلغك ما كان من أمر ابن علية في القرآن، يعني إبراهيم، وكان من المتجهمة المعتزلة، ناظر الشافعية، فسمع منه الشافعي كفرا عظيما، فقال: لقد سمعت من أهل الكلام شيئا ما كنت أظن أن يقولوه، أو كما قال الشافعي رحمه الله. أما أبوه فإمام عظيم، إسماعيل بن علية، شيخ أحمد، بل هو شيخ البخاري رحمه الله، وقرين أحمد رحمه الله تعالى جميعا. أجاب خوفا على نفسه وتأول، ثم رجع رحمه الله تعالى. قال: حدثنا أبو الخاسمي عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، قال: حدثنا حسين بن علي العجلي، قال: حدثنا أحمد بن يونس، قال: سمعت عبد الله بن المبارك قرأ شيئا من القرآن ثم قال: من زعم أن هذا القرآن مخلوق فقد كفر بالله العظيم. قال: أخبرنا أبو... أبو محمد عبد الله بن صالح البخاري، قال: حدثنا العمري، قال: سمعت إسماعيل بن أبي ويس يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: القرآن كلام الله، وكلام الله من الله، وليس من الله شيء مخلوق. قال: حدثنا عمر بن أيوب السقطي، قال: حدثنا الحسن بن صالح... قال: حدثنا الحسن بن صاح... الحسن بن الصباح يقول في الأثر السابق: القرآن كلام الله، وكلام الله من الله، أي من صفات الله، من صفات الله الكلام، وليس من الله، أي من صفاته، شيء مخلوق. تقدم تقرير هذا. قال: حدثنا عمر بن أيوب السقطي، قال: حدثنا الحسن بن الصباح البزار، قال: حدثنا سريج بن النعمان، قال: سمعت عبد الله بن نافع، قال: كان مالك بن أنس يقول: القرآن كلام الله، ويستفضع قول من يقول القرآن مخلوق. قال مالك: يوجع ضربا ويحبس حتى يموت، لعظيم خطر هذه المقالة، فإنها تفتح أبواب الكفر والزندقة على المسلمين، ولهذا عظمها أهل العلم الأولون غاية التعظيم. قال: وحدثنا عمر بن أيوب، قال: حدثنا حسن بن الصباح، قال: حدثنا إبراهيم بن زياد، قال: سألت عبد الرحمن بن مهدي... سألت عبد الرحمن بن مهدي، فقلت: ما تقول في من يقول القرآن مخلوق؟ فقال: لو أني على سلطان لقمت على الجسري، فكان لا يمر بي رجل إلا سألته، فإذا قال: القرآن مخلوق، ضربت عنقه وألقيته في الماء. هذا كناية عن فضاعة القول بخلق القرآن وشدته، وأنه سلاخ من الدين، عياذا بالله. فإذا شك الناس في القرآن وردوه وطعنوا في الخالق جل جلاله، فماذا بقي معه؟ قال رحمه الله تعالى: حدثني عمر بن أيوب، قال: حدثنا الحسن بن الصباح، قال: قال يزيد بن هارون، وذكر الجهمية: هم والله الذي لا إله غيره، هم والله الذي لا إله إلا هو زنادقة، عليهم لعنة الله. السلف أجمع على كفر الجهمية المحضة الخالصة. قدمنا هذا في أول القراءة للبا... الجهمية المحضة الخالصة كفار عند السلف، ونقل الإجماع على كفرهم. قال ابن القيم في النونية: ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان، واللا لكائي الإمام حكاه عنهم، بل قد حكاه عنهم الطبراني، اللا لكائي حكى عن خمسمائة من العلماء، وكذلك الطبراني نقل ذلك. فهؤلاء هم أئمة الإسلام في كل زمان على تكفير الجهمية. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا حنبل بن إسحاق، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، وسأله يعقوب الدورقي عمن قال القرآن مخلوق، فقال: من زعم أن علم الله وأسماءه مخلوقة... هذا كلام أحمد بن حنبل، كلام جليل. قال رحمه الله: فقال: من زعم أن علم الله وأسماءه مخلوقة فقد كفر. يقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾، أي القرآن، أفليس هو القرآن؟ فمن زعم أن علم الله وأسماءه وصفاته مخلوقة فهو كافر، لا شك في ذلك. إذا اعتقد ذلك وكان رأيه ومذهبه دينا يتدين به كان عندنا كافرة. هذه قيود عظيمة في المسكن. إذا اعتقد ذلك... لكن إذا لم يعتقده وقاله خوفا فمثله يعزر، يعزر، يعزر، ولا يكفر. يقول رحمه الله: إذا اعتقد ذلك وكان رأيه ومذهبه دينا يتدين به، أي يتقرب إلى الله بهذا الكفر، وقامت عليه الحجة، بين له... قال: كان عندنا كافرة. قال: أخبرنا أبو القاسم أيضا، قال: حدثني سعيد بن نصير أبو عثمان الواسطي في مجلس خلفن البزار، قال: سمعت ابن عليتة، قال: سمعت ابن عيينة يقول: ما يقول هذا الدويبة؟ يعني بشرا المريسية. هذا فيه تحقير أهل البدع، فيه تحقير أهل البدع، فهو المريسي، يعتبر رأسا من رؤوس الجهمية، وكان صاحب جدل وصاحب شبهات، وكان رأسا من رؤوس الجهمية الذين أضلوا خلقا كثيرا. كفره أهل العلم، ورد عليه عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب عظيم، لا ينبغي لطالب علم أن يهمل قراءته: نقض عثمان بن سعيد الدارمي على بشر المريسي، على المجادل العنيد بشر المريسي. أصرح فيه بتكفير بشر المريسي، وكفره أهل العلم، ومات في حبسه مريضا كما ذكر في ترجمته. قال ابن عيينة: ما يقول هذا الدويبة؟ ابن عيينة عالم مكة ومسندها، وكان شيخ الحرم رحمه الله، لأنه خلف الإمامة والعلم والفتوى في مكة بعد شيخه عمر بن دينا رحمه الله. يقول ابن عيينة: ما يقول هذا الدويبة؟ يعني بشرا للمريسية. قالوا: يا أبا محمد، يزعم أن القرآن مخلوق. فقال: كذب. قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، فالخلق خلق الله، والأمر القرآن. وهذا كلام جميل، فرق بين الخلق والأمر، فرق بين الخلق والأمر. ولو كان الأمر مخلوقا ما كان العطف الذي يقتضي المغايرة موجودا، ولقيل: ألا له الخلق. ولكن الله فرق بين المخلوق وبين القرآن الذي هو أمر الله وكلامه. قال رحمه الله تعالى: فقال: الله تعالى ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، فالخلق خلق الله، والأمر القرآن. قال: أخبرنا أبو الخاسم، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم البغوي، بن عم أحمد بن مريع. أحمد بن مريع من كبار المسودين، ومن كبار علماء الحديث الذين صنفوا كتبا نافعة. قال: سمعت أحمد بن حنبل، وسئل عن من قال القرآن مخلوق، فقال: كافر. قال أبو القاسم: وأخبرنا... وهو بن بقية الواسطي، المؤلف رحمه الله، يسوق لنا بعد الأحاديث والآثار السلف هذه، غنيمة عظيمة أن نطلع على ما قاله أئمة الأوائل الذين، كما قال المؤلف في هذا الباب، لا يستوحش بذكرهم بل يفتخر الإنسان سماع كلامهم والانتساب إليهم، فهم الأئمة الهدى الذين يهتدى بهم في ظلمات البر والبحر، رحمه الله تعالى. قال أبو القاسم: وأخبرنا وهو بن وقية الواسطي، قال: سمعت وكيعا... وكيع بن الجراح الرؤاسي، عالم الكوفة رحمه الله تعالى وغفرنا، وكان آية في الحفظ رحمه الله تعالى، وهو من أقران سفيان بن عيينة رحمه الله. سمعت وكيعا يقول: من قال القرآن مخلوق فهو كافر. قال: حدثنا... قال: حدثنا أبو بكر محمد بن هارون العسكري الفقي، قال: حدثنا محمد بن يوسف بن الطباع، قال: سمعت رجلا وسأل أحمد بن حمبر، فقال: يا أبا عبد الله، أصلي خلف من يشرب المسكرة؟ قال: لا. قال: فأصلي خلف من يقول القرآن مخلوق؟ فقال: سبحان الله! أنهاك عن مسلم وتسألني عن كافر؟ من أتى بناقض من نواقض الإسلام وجب ترك الصلاة خلفه، سواء بان أن قامت عليه الحجة أم لا، لاحتمال كفره. من أظهر ناقضا من نواقض الإسلام كمن يطوف بالقبور مثلا، أو يدعوها من دون الله، أو يسألها العافية والشفاء، أو يرجوها في طلب الرزاء، أو يعبدها من دون الله، أو زعم أنه لا يدري هل محمد رسول الله أم لا، أو زعم أنه لا يدري هل البعث حاصل أم لا، تركنا الصلاة خلفه. نقل على هذه المسألة إجماع أهل العلم كما نقله النووي في المجموع، وذكرنا هذا في بعض المجالس السابق. قال رحمه الله تعالى: سبحان الله! أنهاك عن مسلم وتسألني عن كافر. قال: وحدثنا... قال: وحدثنا ابن مخلد، قال: حدثنا أبو داود، قال: سمعت أحمد بن حنبل، وذكر له رجل... وذكر له رجل أن رجلا قال: إن أسماء الله مخلوقة والقرآن مخلوق. فقال أحمد: كفر بين، أي واضح جليل. نسأل الله العافية. أسماء الله غير مخلوق، وصفات الله غير مخلوق، والقرآن غير مخلوق. قلت لأحمد: من قال القرآن مخلوق فهو كافر. قال: أقول هو كافر. قال: حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد الصندلي، قال: حدثنا الفضل بن زياد، قال: حدثنا أبو طالب، قال: قال لي أحمد: يا أبا طالب، ليس شيء أشد عليهم مما أدخلت... ليس شيء أشد عليهم مما أدخلت على من قال القرآن مخلوق. قلت: علم الله مخلوق؟ قالوا: لا. قلت: فإن علم الله هو القرآن. قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. هذا في القرآن في غير موضع. قلناه من المواضع الصريحة. قوله تعالى: ﴿وَلَٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾. لكن الله هذه الآية أصرح وأوضح في بيان أن العلم... أن القرآن من علم الله. سبحان الله! وعلم الله ليس بمخلوق. ﴿وَلَٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾، أي القرآن، ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾. قال: وحدثنا الحسن بن علي الجساس، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: سمعت الشافعية يقول... وذكر يقول: وذكر القرآن وما يقول حفص الفرد من رؤوس الجهمية. وكان الشافعي رحمه الله يقول: حفص المنفرد، سبحان الله! أي المنفرد عن المسلمين الذي جاء بمقالة خارجة عن الدين، هذا معنى. وكان الشافعي رحمه الله يقول: حفص... الحفص... الحفص المنفرد، ونظره بحضرة وال... كان بمصر، فقال له الشافعي في المناظرة: كفرت والله الذي لا إله غير. ثم قاموا فانصرفوا... ثم قاموا فانصرفوا. فسمعت حفصا يقول: آذى الشافعي والله الذي لا إله إلا هو بدمي، يعني أفتى بقتلي حين قال: كفرت والله الذي لا إله إلا هو. قال الربيع: وسمعت الشافعية يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر. قال رحمه الله تعالى: حدثنا علي بن الحسنويه القطان، قال: حدثنا محمد بن إسحاق الصاغاني، قال: سمعت أبا عبيد القاسي ابن سلام يقول: أبو عبيد من أئمة العلم والسنة، وإن لم يخرج له الكتب الستة حديثا فإنه أهل أن يؤخذ عنه، فهو إمام متفق على إمامته وثقته وجلالته، صاحب كتاب الطهور وصاحب كتاب الأموال. قال: سمعت أبا عبيد القاسي ابن سلام يقول: هناك كتاب الأموال ابن زنجويه، وهناك أيضا كتاب لأبي عبيد رحمه الله، يقول: من قال القرآن مخلوق فقد افترى على الله، وقال على الله ما لم تقوله اليهود ولا النصارى. قال محمد بن الحسين رحمه الله: وقد احتج أحمد بن حنبل رحمه الله بحديث بن عباس: إن أول... إن أول ما خلق الله من شيء القلم، فقال له: اكتب. قال: ما اكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيام. وذكر أنه حجة قوية على من يقول القرآن مخلوق. كأنه يقول: قد كان الكلام قبل خلق القلم. وإذا كان أول ما خلق الله من شيء القلم، دل على أن كلامه ليس بمخلوق، ولأنه قبل... لأنه قبل خلق الأشياء، دلالة ظاهرة وحجة واضحة قاهرة. إن أول ما خلق الله من شيء القلم، وكلام الله قبل ذلك. ولهذا قال الله له: اكتب، أي بعد أن خلق القلم قال له: اكتب. وحين خلق الله القلم قال: كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، فالقلم ما خلق إلا بأمر الله، القلم ما خلق إلا بكلام الله، فتعين أن كلام الله قبل القلم موجود، صفة من صفات الله عز وجل الذاتية والفعلية، وهذه دلالة عظيمة كما يقول الإمام أحمد: هذا حجة قوية. قال: حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد الصندلي، قال: حدثنا الفضل بن زياد، قال: سألت أبا عبد الله عن عباس النرسي، فقلت... فقلت: قال: سألت أبا عبد الله عن عباس النرسي، فقلت: كان صاحب سنة؟ هذا السؤال. فقال رحمه الله: قلت: بلغني عنه أنه قال: ما قول القرآن غير مخلوق إلا كقولي لا إله إلا الله. فضحك أبو عبد الله وسر بذلك، يعني أنها نظيرها في أنها لا يشك فيها ولا يمترى ولا يجحد. لا إله إلا الله كلمة التوحيد، وكذلك القرآن غير مخلوق كلمة إيمان، ضدها الكفر، عياذ بالله. قال رحمه الله تعالى: فضحك أبو عبد الله وسر بذلك. قلت: يا أبو عبد الله، أليس هو كما قال؟ قال: بلى. ولكن هذا الشيخ دلنا عليه... لوين على شيء لم نفط له. قوله: إن أول ما خلق الله تعالى من شيء خلق القلم، والكلام قبل القلم، كما قدمنا في شرح الكلام السابق. قلت: يا أبو عبد الله، أنا سمعته يقول... قال: سبحان الله! ما أحسن ما قال! كأنه كشف عن وجه الغطاء، ورفع يده إلى وجهه. قلت... قلت... قلت: إنه شيخ قد نشأ بالكوفة. فقال أبو عبد الله: إن واحد الكوفة واحد... أبو عبد الله لعله لعله يعني أنه كم ترى من الرجال في الكوفة تسمع عنهم يذكرون، ولكن رب واحد بألف. رب رجل واحد بألف، كما قال القائل: والناس كما قال... كما في بعض المرويات: الناس كإبل مئة لا تكاد تجد فيها راحلة. وقال القائل: والناس ألف منهم كواحد، وواحد كالألف إن أمر عن... والناس ألف منهم كواحد، وواحد كالألف إن أمر عن... لعله من هذا المعنى. قال أبو عبد الله، أي أحمد بن حنب: إن واحد الكوفة واحد. لا إله إلا الله كلمة كبيرة عظيمة، أي أنه كأنه أمة في ثقته وفهمه وجودة علمه، رحمهم الله جميع. ثم ذكر حديث بن عباس: أول ما خلق الله من شيء القلم، فقال: كم ترى فكتبناه؟ أي كم مرة كتبناه؟ لكننا لم ننتبه إلى هذه الدلالة، خفيت علينا. هكذا يشير الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله يشير إلى هذا، والعلم فتوح يفتحها الله على من شاء من عباده. ولهذا من الغلط قول من يقول: ما ترك الأول للآخر شيئا. هذه العبارة غلط. ما ترك الأول للآخر شيئا، هذه العبارة غلط. والصواب: كم ترك الأول للآخر. هذا الصواب: كم ترك الأول للآخر. فالعلم فتوح من الله عز وجل، قد يفتح على إنسان في آية بفهم لا يهتدي إليه أئمة كبار، وقد يفتح على إنسان بفهم في حديث لا يفتح على أئمة كبار. ولهذا لما سئل علي رضي الله عنه: هل ترك لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا؟ قال: لا، غير هذه الصحيفة، وفيها... فيها أمور الزكاة وأروش الجنايا، هذه الصحيفة. ثم قال علي: أو فهم يؤتيه الله من شاء في القرآن، أو فهم يؤتيه الله من شاء في القرآن. فقد يفتح الله عز وجل على إنسان بفهم لا يهتدي إليه غيره إلا ما رحم الله. يقول الإمام أحمد: ثم ذكر حديث ابن عباس: أول ما خلق الله من شيء القلم، فقال: كم ترى قد كتبناه؟ كم مرة كتبناه؟ ثم قال: نظرت فيه فإذا قد رواه خمسة عن ابن عباس. قال محمد بن الحسين: وقد خرجت هذا الباب في كتاب القدر، وأنا أذكره هاهنا لتقوى به حجة أهل الحق على أهل الزيغ، أي في هذا الحديث. قال: أخبارنا الفريابي، قال: حدثنا أبو مروان هشام بن خالد الدمشقي، قال... يعني الأزرق، قال: حدثنا الحسن بن يحيى الخشني، عن أبي عبد الله مولى بن أمية، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أول شيء خلق الله القلم، ثم خلق النون، وهي الدواة، وهي الدواة، ثم قال: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما يكون. قال: اكتب ما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة. فذلك قوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. ثم ختم... ثم ختم على القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة. يقول: حكم الشيخ... الشيخ الألباني رحمه الله بالبطلان على الحديث وطرفه. الأول صحيح: أول ما خلق الله... أول شيء خلق الله القلم، هذا ثابت. قال رحمه الله تعالى: وأخبرنا الفريابي، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا زيد بن الحباب، قال: حدثنا معويد بن صالح، قال: حدثني أيوب أبو زيد الحمصي، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه، أنه دخل على عبادة وهو مريض يرى فيه الموت، فقال: يا أبت، أوصني واجتهد. قال: اجلس. فقال: إنك لن تجد طعم الإيمان ولن تبلغ حقيقة الإيمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره. قلت: وكيف لي أن أعلم خيره وشره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك. سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: إن أول شيء خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب. فجرى تلك الساعة... فجرى تلك الساعة إلى يوم القيامة بما هو كائن. فإن مت وأنت على غير ذلك دخلت النار. يقول الشيخ الألباني رحمه الله: الحديث صحيح. شاهد أنه ثبت أوله: إن أول شيء خلق الله تعالى القلم. إذن هذا حديث عبادة بن الصامت... حديث بهرير لا يثبت. قال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن شاهين، قال: حدثنا عبد الله بن عمر الكوفي، قال: حدثنا إسحاق بن سليمان، عن معاوية بن يحيى، عن الزهرية، عن محمد بن عبادة بن الصامت، قال: دخلت على أبي فقال: يا بني، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يقول: إن أول شيء خلق الله القلم، فقال: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب القدر. فجرى تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة. ولهذا الحديث طرق جماعة. قال: وحدثنا ابن شاهين، قال: حدثنا أبو هاشم من الرفعي، قال: حدثنا محمد بن فضيل، قال: حدثنا عطاء، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، قال: أول ما خلق... الطرق: قال: أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. ثم خلق النون، فكبس على رهره الأرض، فذلك قوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. يقول: صحيح موقوف، إلا قوله: ذكر، فذلك قوله: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾، فمنكر. والأثر ثابت عن ابن عباس، وهو مما تلقاه عن أهل الكتاب. وفيما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم غنية عن أباطيل أهل الكتاب. هذا الكلام فيه نظر، فابن عباس كان من... من يحدر من الرواية عن أهل الكتاب، كما قدمنا في شرح الباعث... شرح اختصار. قال الله أن يروي ابن عباس في أمر الشريعة شيئا عن أهل الكتاب ولا ينبه، هذا خلاف الأمانة، وهو لا يفعل ذلك، بل كان يفتي رحمه الله كما في صحيح البخاري، ويشد على من يأخذ عن أهل الكتاب، ويعظم أمر الأخذ عنهم. فكيف يقول قائل إن ابن عباس أخذ عنهم وروي عنهم ونقل عنهم مطلقا؟ هذا الكلام غير صحيح. الصحابة أورع الناس، أورع منا عن أن يدخل في مرويات السنة شيئا إنما هو عن أهل الكتاب، حاشاهم من ذلك. وهذا هو التحقيق في هذه المسيح. قال: وأخبرنا الفريابيل، قال: حدثنا من جاول الحارث، قال: أخبرنا ابن مسهر، عن الأعمش، عن أبي ضبيان، عن ابن عباس، قال: أول ما خلق الله تعالى القلم، وذكر الحديث. قال: وأخبرنا أبو عبيد علي بن الحسين بن حرب القاضي، قال: حدثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، قال: حدثنا عصمة أبو عاصم، عن عطاء بن السائب، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: إن أول ما خلق الله من شيء القلم، وذكر الحديث. ولحديث بن عباس طرق جماعة. قال محمد بن الحسين: وفي حديث آدم مع موسى عليهم السلام حجة قوية أن القرآن كلام الله تعالى ليس مخلوق، وسنذكره إن شاء الله تعالى. حدثنا... قال: حدثنا أبو العباس عبد الله بن الصقر السكري، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر حزامي، وقال: حدثنا عبد الله بن وهب. حاء... إيش معنى حاء في هذا الموضع؟ المراد بها تحويل السند، تحويل السند. حاء: أي طريق أخرى عن عبد الله بن وهب. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي داود، قال: حدثنا أحمد بن صالح المصري وأبو الطاهري أحمد بن عمر بن السرح الإمام المعروف، قال: حدثنا حاء، طريق ثالث إلى بن وهب. قال: وأخبرنا الفريابين، قال: حدثنا أبو مسعود أحمد بن الفرات، قال: حدثنا أصبغ بن الفرج، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن موسى عليه السلام قال: يا ربي، أرنا آدم الذي أخرجنا من الجنة. فأراه الله تعالى آدم. فقال: أنت أبونا آدم؟ فقال آدم: نعم. قال: أنت الذي نفخ الله فيك من روحه، وعلمك الأسماء كلها، وأمر ملائكته فسجدوا لك؟ قال: نعم. قال: فما حملك على أن أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال له... قال له آدم: ومن أنت؟ قال: أنا موسى. قال: أنت نبي بني إسرائيل. هذا يدل على أن آدم أوحى الله إليه أن نبي في بني إسرائيل من صلبك يقال له موسى، فهو ابنه. قال: ومن أنت؟ قال: أنا موسى. قال: أنت نبي بني إسرائيل، أنت الذي كلمت الله تعالى من وراء حجاب، كما قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. جاء بعض الجهمية إلى عمر بن العلاء، ولعله أحمد بن أبي دعاد أو عمر بن عبيد، فقال... فقال: إني لأشتهي أن تقرأ الآية بنصب لفظ الجلالة: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. فقال له: فما تصنع في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾؟ فسكت. شاهد. قال آدم: قال له آدم: ومن أنت؟ قال: أنا موسى. قال: أنت نبي بني إسرائيل، أنت الذي كلمك الله تعالى من وراء حجاب، ولم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه. قال: نعم. قال: فما وجدت في كتاب الله تعالى أن ذلك كان في كتاب الله تعالى قبل أن أخلق؟ قال: نعم. قال: فلم تلومني في شيء سبق من علم الله تعالى فيه القضاء قبلي؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: فحج آدم موسى. في بعض الروايات مرتين: فحج آدم موسى، فحج آدم موسى. وأهل العلم يقولون: إن القدر لا يستدل به على المعاصي، وإنما يستدل به على المصائب. فما يصيب الإنسان من بلاء فقد كتب عليه أن يصيبه ذلك البلاء، كما في حديث ابن عباس: واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطئك لم يكن ليصيبك. المصائب... المصائب النازلة مكتوبة. قال تعالى: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾، فالموت مصيبة مكتوبة، لابد أن تموت. أما المعاصي فلا يستدل عليها بالقدر، لا يستدل عليها بالقدر. فحج آدم موسى لأنه استدل عليه بالقدر على المصيبة، فحجه، ولم يستدل عليه بالقدر على المعصية. آدم عليه السلام احتج بالقدر على المصيبة، احتج بالقدر على المصيبة، وكلام موسى في المعصية، فحج آدم موسى. وبعض أهل العلم شرح هذا الحديث في جزء مفرد. قال محمد بن الحسين: فإن قال قائل: أين موضع الحجة فيما قلت؟ أي أن القرآن غير مخلوق، أين موضع الحجة فيما قلت؟ قيل له: قول آدم: أنت الذي كلمت الله وراء الحجاب، ولم يجعل بينك وبينه رسول من خلقه. وإنما كان بينهما الكلام، فدل على أن كلام الله ليس مخلوق، إذ قال: لم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه. ما شاء الله، فتفهموا هذا، تفقهوا إن شاء الله. إذن هذا وجه الاستنباط، وهو استنباط لطيف، فتح الله به على هذا الإمام العظيم، أبي بكر الآجري البغدادي المكي، رحمه الله تعالى وغفر به. قال: حدثنا ابن مخلد، قال: حدثنا أبو داود، قال: سمعت إسحاق بن راهويه، وهناد بن السري، وعبد الأعلى، وعبد الأعلى بن حماد، وعبيد الله بن عمر، وحكيم بن سيف الرقية، وأيوب بن محمد، وسوار بن عبد الله، والربيع بن سليمان صاحب الشافعي، وعبد الوهاب بن عبد الحكم، ومحمد بن الصباح، وعثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن بكار بن الريان، وأحمد بن جواس الحنبي، ووهب بن بقية، ومن لا أقصيهم من علمائنا. كل هؤلاء سمعتهم يقولون: هكذا... هكذا يقول أبو داود السجستاني رحمه صاحب السنة، هكذا يقول رحمه الله تعالى. وقد ذكر كم من العلماء: سمعت إسحاق بن راهويه، وهناد بن السري، وعبد الأعلى، وعبيد الله بن عمر، وحكيم بن سيف، وأيوب بن محمد، وسوار بن عبد الله، والربيع بن سليمان، هؤلاء ثمانية، وعبد الوهاب بن عبد الحكم تسعة، ومحمد بن الصباح عشرة، وعثمان بن أبي شيبة أحد عشر، ومحمد بن بكار اثنا عشر، وأحمد بن جواس ثلاثة عشر، ووهب بن بقية أربعة عشر، ومن لا أقصيهم من علمائنا. كل هؤلاء سمعتهم يقولون: القرآن كلام الله ليس بمخلوق، وبعضهم قال: غير مخلوق. قال محمد بن الحسين: فيما ذكرته من هذا الباب بلاغ لمن عقل وسلم له دينه، والله الموفق لكل رشاد. الموفق هو الله سبحانه وتعالى. ينبغي للمسلم أن يتضرع إلى الله بسؤاله الهدى وسؤاله الرشاد، عسان يهديه الله عز وجل إلى سواء الصراط. ونقف ها هنا إن شاء الله تعالى. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.