الدرس في شرح حائية ابن أبي داود 1، الدرس الأول:من( تمسك بحبل الله واتبع الهدى*ولا تك بدعياً لعلك تفلح ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل ابن أبي داود حائيته بالوصية بالتمسك بحبل الله واتباع الهدى، مستدلاً بالآيات والأحاديث التي تأمر بالاعتصام بالقرآن والسنة وتحذر من البدع. ويبين أن مصدر العقيدة عند أهل السنة والجماعة هو الكتاب والسنة الصحيحة فقط، لا المنامات ولا الآراء ولا العقول المجردة.
يؤكد المقطع أن العقيدة الصحيحة لا تؤخذ إلا من كتاب الله وسنة رسوله الصحيحة، ولا عبرة بالمكاشفات أو الرؤى أو الآراء العقلية الفاسدة. ويوضح أن الهدى نوعان: هداية توفيق وإلهام مختصة بالله، وهداية دلالة وإرشاد هي مهمة الرسل، والإنسان مخير في اختيار طريق الهدى أو الضلال.
هذا المقطع يعرض نص الأذان الإسلامي، النداء الذي يُؤذن به للصلاة خمس مرات في اليوم. يتضمن الشهادتين بالتوحيد والرسالة وتكبيرات تُعلن عظمة الله ودعوة المصلين لأداء الفريضة.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نقرأ في هذا الدرس في حائية ابن أبي داود رحمه الله تعالى، وهي قصيدة في العقيدة، في الاعتقاد. بين ابن أبي داود رحمه الله في هذه الحائية اعتقاده واعتقاد السلف الصالح أهل السنة والجماعة في باب الاعتقاد. والمؤلف رحمه الله ابن أبي داود هو أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني رحمه الله، وهو ابن أبي داود صاحب السنن. سنن أبي داود صاحبها أبو داود، هو والد ابن أبي داود الذي سطر هذه العقيدة في هذه القصيدة الحائية. هو ابن أبي داود من كبار الحفاظ، كان من كبار الحفاظ ومن الأئمة الأعلام من أعلام أهل السنة والجماعة، وهو تلميذ لأبيه، وقد شاركه أيضًا شارك أباه في بعض شيوخه. وتوفي رحمه الله في شهر ذي الحجة سنة ست عشرة وثلاثمائة من الهجرة. توفي ابن أبي داود رحمة الله تعالى عليه. يقول في هذه القصيدة الحائية: «تمسك بحبل الله واتبع الهدى ولا تكو بدعيا لعلك تفلح». في هذا البيت يوصي رحمه الله وصية عظيمة، فيقول: تمسك بحبل الله واتبع الهدى ولا تكو بدعيا لعلك تفلح. ففي هذا البيت الوصية للتمسك بحبل الله جل وعلا، وهذه الوصية أخذها من قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. فهو يوصي رحمه الله بالتمسك بحبل الله جل وعلا وبالاعتصام بحبل الله جل وعلا. فهذه الوصية التي أوصى بها رحمه الله هي وصية الله جل وعلا لعباده في كتابه الكريم في قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾. وحبل الله فسر بتفسيرات: فسر بأنه القرآن، حبل الله القرآن. وفسر حبل الله بالجماعة، وأنه الجماعة. وفسر بأنه عهد الله، إلى آخر ذلك من هذه التفاسير. وخلاصتها وخلاصة هذه التفاسير لحبل الله أنه التمسك بشرع الله: تمسك بالقرآن والسنة، تمسك بالعهود التي عهد العبد ربه جل وعلا. ففي هذا الوصية بالتمسك بحبل الله جل وعلا أي بالقرآن والسنة. وهذا الذي أمر الله جل وعلا به، أمر به أنبياءه. قال الله عز وجل آمرًا نبينا محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. فاستمسك بالذي أوحي إليك، ما الذي أوحي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ هذا القرآن. فأمر الله عز وجل نبينا محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم بأن يستمسك بهذا الوحي الذي أنزله الله جل وعلا عليه: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يَمْسِكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾. هذا فيه ثواب الذين يتمسكون بكتاب الله جل وعلا ويعملون به، والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة: تمسك مع عمل، ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾. ففي هذا الثناء، وفيه كذلك الأمر بالاستمساك بكتاب الله جل وعلا. وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا بالتمسك بكتاب الله جل وعلا وبسنته صلى الله عليه وآله وسلم. قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه عند أهل السنن: قال العرباض: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فأوصنا. قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعيش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور». في هذا الحديث الأمر بالتمسك بكتاب الله جل وعلا وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهكذا قال عليه الصلاة والسلام: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي». في هذا الأمر بالتمسك. فإذن التمسك بكتاب الله جل وعلا وسنة النبي عليه الصلاة والسلام هي وصية الله جل وعلا لعباده في كتابه الكريم، وهي وصية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بل وصية الأنبياء جميعًا لأقوامهم بأن يتمسكوا بهذا الذي جاء به هؤلاء الرسل من رب العالمين سبحانه وتعالى. ولذلك هنا المؤلف رحمه الله في بداية هذه القصيدة الحائية يوصي بهذه الوصية: تمسك بحبل الله، تمسك بحبل الله واتبع الهدى ولا تكو بدعيا لعلك تفلح. فقوله: تمسك بحبل الله، وصية بالتمسك بحبل الله. من أين أخذ هذه الوصية التي أوصى بها؟ أخذها من كتاب الله عز وجل، لأن الله جل وعلا أوصى بهذه الوصية: التمسك بكتابه، وأثنى على المتمسكين، وأمر بذلك. وأخذ ذلك من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فقد أوصى عليه الصلاة والسلام بالتمسك لكتاب الله جل وعلا وسنته صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا أيضًا فيه بيان لمصدر التلقي عند أهل السنة والجماعة. أراد رحمه الله أن يبين أن أهل السنة والجماعة وأهل الحق مصدر تلقيهم للاعتقاد من كتاب الله ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فلذلك حين يصنف علماء الإسلام في العقيدة، قبل أن يتكلموا في أمور الاعتقاد، ينبهون على المصدر الذي أخذوا منه هذا الاعتقاد الذي سيذكرونه، فيبينون أن مصدرهم لهذه الأمور هو كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فالاعتقاد لا يؤخذ إلا من الكتاب والسنة، من كتاب الله أو من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام الصحيحة. وإن كانت أحدا لا تأخذ العقائد من المنامات، ولا تأخذ العقائد من المكاشفات، ولا تأخذ العقائد من آراء الرجال، ولا تأخذ العقائد بالعقول. كل هذا هو من خصائص أهل الباطل الذين يبنون اعتقاداتهم من هذه الطرق، إما عن طريق المكاشفات المزعومة، أو العقول الفاسدة، أو الرؤى، أو المنامات. كل هذا باطل. الإنسان سيعتقد اعتقادًا يدين الله جل وعلا به ويحمله في قلبه، لا بد أن يأخذ هذا الاعتقاد إما من كتاب الله جل وعلا أو من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. هذا أمر ستعتقده يا عبد الله، سواء كان يتعلق بالله جل وعلا، أو يتعلق برسل الله عليه الصلاة والسلام، أو بالكتب المنزلة، أو باليوم الآخر، أو بالأمور الأخرى أمور الاعتقاد. فلا يقول الإنسان: أنا أعتقد كذا. وإذا قلنا له: من أين أتيت بهذا الاعتقاد؟ قال: حدثني قلبي عن ربي. هذا باطل. أو يقول: كذا وكذا، أو يقول: بالعقل اعتقدت كذا بعقلي، أو رأيت رؤيا، رأيت في المنام رؤيا فأنا أعتقد لأجل تلك الرؤيا التي رأيتها. لا، الاعتقاد إنما يأخذ من كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. هذا هو مصدر التلقي عند أهل السنة والجماعة: كتاب السنة الصحيحة. ولو كانت أحدا خلافًا للمعتزلة وغيرهم ممن ضل في هذا الباب، فإنهم لا يأخذون بالحديث الآحاد في باب العقائد ولو صح. هذا باطل. السنة يأخذون، ما داما الحديث صح وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام فهم يأخذون به، كان في الاعتقاد أو في غير الاعتقاد. فإذا المؤلف رحمه الله يذكر هذه الوصية في مطلع هذه القصيدة الحائية: تمسك بحبل الله واتبع الهدى، يريد بذلك أن يبين مصدر التلقي الذي هو عند أهل السنة والجماعة في باب الاعتقاد. وأيضًا هذه الأمور التي ذكرها أمور الاعتقاد مصدرها هو كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام الصحيحة. فقال: تمسك بحبل الله واتبع الهدى. واتبع الهدى، الهدى هو الدين الذي جاء به رسول الله عليه الصلاة والسلام، كما في قوله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. فالهدى هو الذي أرسل به النبي عليه الصلاة والسلام: العلم النافع والعمل الصالح. الهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح. فلا بد من هذين الأمرين: علم نافع مع عمل صالح. أما علم من غير عمل فليس هذا الهدى الذي أرسل به النبي عليه الصلاة والسلام. ودين الحق إنما هو علم وعمل، عمل بهذا العلم. هذا الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام: الإقرار بالله جل وعلا بالإلهية والربوبية والأسماء والصفات، والعمل بذلك. وهكذا فيه كل ما شهد به الإنسان واعتقده، فعليه أن يعمل بذلك، أن يعمل بذلك. والهدى جاء في كتاب الله جل وعلا على نوعين: هدى من الله جل وعلا توفيق وإلهام منه سبحانه وتعالى، وهدى هو دلالة وإرشاد وبيان. فالهدى الذي هو الإلهام والتوفيق، فهذا إنما هو من عند الله جل وعلا. لا يهدي أحد أحدًا هداية إلهام وتوفيق إلا الله جل وعلا. فهذا الهدى إنما هو لله جل وعلا وحده لا شريك له: هداية الإلهام والتوفيق، يوفق العبد ويلهم العبد الأخذ بهذا الهدى وبهذا الدين. ولذلك قال جل وعلا: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. إنك لا تهدي من أحببت، والخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. فالنبي، فالنبي عليه الصلاة والسلام هو أفضل الرسل وهو خير البشر، لا يستطيع أن يهدي أحدًا هداية إلهام وتوفيق، ولو كان من أقرب الناس إليه. ولذلك كم حرص على هداية عمه أبي طالب ليدخل في هذا الإسلام، ولم يوفق أبو طالب للدخول في هذا الإسلام. يقول له: يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أناجيك بها عند الله. ما جاء بها، وإنما مات على ملة عبد المطلب. ما استطاع النبي عليه الصلاة والسلام أن يهدي عمه هداية إلهام، إن هذه إنما هي لله عز وجل. لكن النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يهدي عمه هداية الدلالة والإرشاد والبيان، أن يدله ويرشده إلى هذا، إلى الدخول في هذا الإسلام، وأنه الحق، وأن يبين له هذا الحق ليدخل فيه. هذا الذي حرص عليه النبي عليه الصلاة والسلام، وإلا فهو يعلم عليه الصلاة والسلام أنه لن يستطيع أن يهدي عمه هداية الإلهام وأن يدخله في هذا الدين، وإنما الأمر لله عز وجل. ولكن النبي عليه الصلاة والسلام ما موّر من رب العالمين بدعوة الناس وبهداية الناس للدخول، والدلالة والإرشاد، أن يدلهم وأن يرشدهم للدخول في هذا. وهذا معنى أن يهديهم إلى الإسلام: أن يدلهم ويرشدهم. بل كل نبي أرسله الله جل وعلا إلى قومه أمره بأن يهدي الناس، بأن يهدي الناس، أي أن يدلهم وأن يرشدهم إلى الحق وإلى هذا الذي أرسل به من رب العالمين جل وعلا. ولله قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾. ولكل قوم هاد، أي يهديهم، يهديهم إلى ماذا؟ إلى أي هداية يهديهم؟ أي هداية: هداية الدلالة والإرشاد والبيان، وأن هذا حق وهذا باطل، وهذا مباح وهذا حرام، وهذا حلال وهذا ليس بحلال، وهذا يوصل إلى جنة الله وهذا يوصل إلى النار. هداية ترغيب وترهيب. فهذا هو من مقاصد بعثة الأنبياء والرسل: هداية الناس إلى الحق، أي دلالة الخلق إلى الحق وإلى الصراط المستقيم. لكن الإلهام والتوفيق، قبول قبول هذا الكلام، إنما هو توفيق من الله جل وعلا. تأتي أنت إلى الإنسان مثلًا تنصحه وتذكره بالله جل وعلا، تقول: يا فلان، اتق الله، هذا لتفعله حرام، هذا يجر بك إلى نار جهنم، تذكره بالآيات، تخوفه، تلعنه، تهديه إلى الحق، ترشده، تدله. قبول هذا الشخص بهذا الكلام ولا أخذه به إنما هو من الله جل وعلا. إذا وفقه الله جل وعلا لذلك أخذ ذلك وقبل ذلك، وإذا لم يوفقه الله جل وعلا فما يستطيع أحد أن يهدي أحدًا أضله الله جل وعلا. ﴿وَمَا أَنتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ﴾. إذا الله عز وجل لم يوفق العبد للهداية والإلحاق، فمن هذا الذي يستطيع أن يهدي من أضل الله؟ ما يستطيع أحدًا. هذا إلهام وتوفيق من رب العالمين سبحانه وتعالى وحده لا شريك له. ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾. كم حرص نوح عليه الصلاة والسلام على هداية ابنه، ومع هذا مات ابنه كافرًا. لماذا؟ بأن التوفيق من عند الله عز وجل، وقبول هذا الهدى من رب العالمين جل وعلا. وهكذا زوجة لوط، وهكذا زوجة نوح، ماتتا على الكفر. ضرب الله مثلًا للذين كفروا: امرأة نوح وامرأة لوط، كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما، فلم يغنِ عنهما من الله شيئًا، وقيل: ادخل النار مع الداخلين. زوجة نوح، زوجة لوط، زوجة زوجة نبي والأخرى كذلك. لكن هداية الإلهام والتوفيق وقبول الحق إنما هي من عند الله جل وعلا. ما يستطيع الأنبياء أن يهدوا أقرب الناس إليهم. هذا النوع من أنواع الهداية: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. لكن ما الذي على الأنبياء، وما الذي على أتباع الأنبياء؟ البلاغ. ﴿إِنَّ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾. دلالة الناس، إرشاد الناس إلى الحق، إلى الطريق المستقيم. ثم بعد ذلك، من علم الله جل وعلا منه القبول، وفقه، صدقه، وفقه. وربنا جل وعلا لا يظلم أحدًا. من أضله الله جل وعلا ولم يوفقه للهداية، فذلك عدله جل وعلا. ومن وفقه ربنا سبحانه وتعالى لهذا الهدى، لهذا الهدى وللدخول في الإسلام وقبول الحق، فذلك فضله. فالناس بين عدل الله جل وعلا وفضله. عباد الله كلهم بين عدل الله جل وعلا وفضله. الذين هداهم الله جل وعلا ووفقهم لقبول هذا الدين وهذا الإسلام والتمسك به، فذلك بفضله جل وعلا وبرحمته، ليس بذكائهم، وليس بحسبهم، وليس بنسبهم، وليس أبدًا، إنما هو محض فضل من الله جل وعلا، محض فضل من الله سبحانه وتعالى. ومن أضله الله جل وعلا فبعدله جل وعلا، ما ظلمه ربنا سبحانه وتعالى. بماذا؟ ما ظلمه لأنه هو الذي اختار، هو الذي اختار طريق الضلالة. ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. فالإنسان هو الذي يختار، والله جل وعلا الذي خلق العباد يعلم ما يختارون، فوفقهم بما علم من اختيارهم، فلم يظلمه ربنا سبحانه وتعالى. ويبين هذا قول الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾. فهكذا ثمود، هداهم الله جل وعلا، وبين لهم سبحانه وتعالى الحق من الضلال، لكنهم استحبوا العمى على الهدى. وهكذا كل الناس، كل الناس الذين يعصون الله عز وجل، والذين لم يقبلوا هذا الدين، ألم يهدهم ربنا عز وجل ويبين لهم عن طريق الرسل؟ بلى، لكن استحبوا العمى على الهدى. هذا الذي يقع في المعصية، أخذ طريق المعصية وترك طريق الهدى، من الذي جره للمعصية؟ هل أكره؟ هل أخذ عليه السيف على رازه ليفعل المعصية وإلا سيقتل؟ ما فيه إكراه. ويخرج بنفسه ليفعل الفاحشة والعياذ بالله، أو ليسرق، أو ليقتل، أو يمر بجانب المسجد والمسجد أمامه، يعرف أنه مأمور بالصلاة، ويمر بجانب المسجد. هل يجره من المسجد جرًا؟ إذا أراد يدخل باب المسجد، رأى هناك كأنه أحد يجره جرًا يمنعه من دخول المسجد؟ أبدًا، فهو الذي جهل على نفسه. فالأنبياء قد بينوا الهدى الذي أرسل به للناس. فإذا هدى الدلالة والإرشاد هذا للأنبياء، وكذلك القرآن، فالقرآن أعظم دال ومرشد للحق. ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾. القرآن يهدي إنسانًا إذا أقبل على كتاب ربه جل وعلا وقرأه وتدبر وعمل بما فيه، وفق للهداية، مفق للهداية. والذي أخذ كذلك بسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام وأطاع رسول الله عليه الصلاة والسلام، حصل الهداية. ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾. وإن تطيعوه تهتدوا. فطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام، إذا طاع الرسول عليه الصلاة والسلام، جاءه الأمر من رسول الله عليه الصلاة والسلام بأن يعمل كذا، فإذا أطاعه اهتدى. ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. هداة الدلالة والإرشاد. فمن أخذ بها تمسك بها اهتدى ونجى، ومن أعرض وعصى ضل. وللقال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة عند البخاري: «كلكم يدخل الجنة إلا من أبى». كلكم يدخل الجنة إلا من أبى. قال: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة». هذا الذي اهتدى، وهذا الذي يدخل الجنة: من أطاع رسول الله عليه الصلاة والسلام. «ومن عصاني فقد أبى». الذي يعصي رسول الله عليه الصلاة والسلام يأبى دخول الجنة، وإلا لو أنه فعلا يريد الجنة لأطاع رسول الله عليه الصلاة والسلام. الذي يريد أن ينجو، أليس يأخذ بالأسباب؟ لماذا في أسباب الدنيا يأخذ الناس بأسباب النجاح، وفي الآخر لا يأخذهم بأسباب النجاح؟ الإنسان مثلًا الآن إذا أراد أن ينجو من شيء، ماذا يأخذ؟ ماذا يفعل؟ يأخذ بالأسباب. يريد أن ينجو من الهلاك، من الموت، ماذا يفعل؟ يفعل جميع الأسباب، يفعل جميع الأسباب، ينجو من الهلاك أو ينجو من الجوع أو ينجو من الغرق. فلماذا يا عبد الله لا تأخذ بأسباب نجاتك من عذاب جهنم؟ ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها. إن السفينة لا تجري على اليابس، السفينة لا تجري على اليابس، السفينة تجري على الماء، لا تجري على اليابس. فكيف أنت تريد الجنة وتريد النجاح وأنت لا تأخذ بالأسباب؟ هل تمشي السفينة في اليابسة؟ ما تمشي. فأنت تريد أن تمشي كأنك مثل السفينة هذه التي تجري في اليابسة، ما يمكن، لا أبدًا. تأخذ بالأسباب، تأخذ بأسباب نجاتك من عذاب الله جل وعلا، وأسباب نجاتك من نار جهنم، تأخذ بأسباب الجنة، وتحصل هذا الهدى. صلاة طيب، إن شاء الله نواصل بالدرس اللاحق، والحمد لله رب العالمين. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، الله أكبر، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله، الله أكبر.