شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 7

الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 7، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

المقابلة البلاغية بين الإحسان والإساءة وخطر العلم بلا عمل

يستعرض المقطع أسلوب المقابلة البلاغية في قصيدة أبي إسحاق الإلبيري، مقارناً ثوب الإحسان بأعلى مقامات العبادة بثوب الإساءة والمعصية، مستنداً إلى نصوص قرآنية. ويؤكد أن العلم بلا عمل يورث حسابياً شديداً وعقاباً عظيماً، محذراً من أن الجهل خير من علم لم يُعمل به.

أقسام الجهل وعواقبه وفضل العلم والنصيحة

يفرق النص بين الجهل المعذور لعدم وصول الهداية والجهل غير المعذور الناتج عن الإفراط ورفض الحق، مستشهداً بأقوال ابن القيم وعلي بن أبي طالب. ويبين أن العلم يورث العزة والبقاء في القلوب بينما الجهل يورث الذل، وأن رفض النصيحة يؤدي إلى ندم لا ينفع صاحبه.

أهمية الأخذ بالنصيحة وعاقبة تركها

يحذر المتحدث من عاقبة ترك النصيحة موضحاً أن الندم لا ينفع بعد فوات الأوان، ويذكر نماذج لعلماء انتفعوا بنصائح شيوخهم فصاروا أعلاماً. ويختتم داعياً الله النفع والتوفيق ومؤجلاً ذكر المزيد من النماذج لوقت لاحق.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، سيدنا ونبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين وصحبه الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فَلازلنا في هذه القصيدة العصماء التي كتبها نصيحة لولده ولسائر طلاب العلم في كل زمان، العلامة الزاهد الفقيه أبو إسحاق الإلبيري الأندلسي، المتوفى في حدود الستين بعد الأربعمائة، رحمه الله تعالى وغفر له. قال رحمه الله تعالى: «فَقُوتُ الرُّوحِ أَرْوَاحُ الْمَعَانِي وَلَيْسَ بِأَنَّ طَعِمْتَ وَلَا شَرِبْتَ فَوَاضِبْ وَخُذْ بِالْجِدِّ فِيهِ فَإِنْ أَعْطَاكَهُ اللَّهُ انْتَفَعْتَ وَإِنْ أُعْطِيتَ فِيهِ طَوِيلَ بَاعٍ وَقَالَ النَّاسُ إِنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ فَلَا تَأْمَنْ سُؤَالَ اللَّهِ عَنْهُ بِتَوْبِيخٍ: عَلِمْتَ فَهَلْ عَمِلْتَ؟ فَرَأْسُ الْعِلْمِ تَقْوَى اللَّهِ حَقًّا وَلَيْسَ بِأَنَّ يُقَالَ لَقَدْ رَأَسْتَ وَأَفْضَلُ ثَوْبِكَ الْإِحْسَانُ وَلَكِنْ نَرَى ثَوْبَ الْإِسَاءَةِ قَدْ لَبِسْتَ إِذَا مَا لَمْ يَفِدْكَ الْعِلْمُ خَيْرًا فَخَيْرٌ مِنْهُ أَنْ لَوْ قَدْ جَهِلْتَ وَإِنْ أَلْقَاكَ فَهْمُكَ فِي مَهَاوٍ فَلَيْتَكَ ثُمَّ لَيْتَكَ مَا فَهِمْتَ سَتَجْنِي مِنْ ثِمَارِ الْعَجْزِ جَهْلًا وَتَصْغَرُ فِي الْعُيُونِ إِذَا كَبِرْتَ وَتَفْقِدُ إِنْ جَهِلْتَ وَأَنْتَ بَاقٍ وَتَجِدُ إِنْ عَلِمْتَ وَلَوْ فَقدْتَ وَتَذْكُرُ قَوْلَتِي لَكَ بَعْدَ حِينٍ إِذَا حَقًّا بِهَا يَوْمًا عَمِلْتَ وَإِنْ أَهْمَلْتَهَا وَنَبَذْتَ نَصْحًا وَمِلْتَ إِلَى حَطَامٍ قَدْ جَمَعْتَ فَسَوْفَ تَعَضُّ مِنْ نَدَمٍ عَلَيْهَا وَمَا تُغْنِي النَّدَامَةُ إِنْ نَدِمْتَ إِذَا أَبْصَرْتَ صَحْبَكَ فِي سَمَاءٍ قَدِ ارْتَفَعُوا عَلَيْكَ وَقَدْ سَفَلْتَ فَرَاجِعْهَا وَدَعْ عَنْكَ الْهَوَيْنَ فَمَا بِالْبُطْءِ تُدْرِكُ مَا طَلَبْتَ» هذه القطعة من هذه الأبيات فيها النصيحة المتكررة باستغلال وقت الشباب والقوة في فعل الخيرات وطلب العلم النافع، ولهذا يقول: «وَأَفْضَلُ ثَوْبِكَ الْإِحْسَانُ لَكِنْ نَرَى ثَوْبَ الْإِسَاءَةِ قَدْ لَبِسْتَهُ». هذا الأسلوب يسمى عند البلاغيين أسلوب المقابلة، وهو من المحسنات المعنوية في علم البلاغة. هذا الأسلوب يسمى بأسلوب المقابلة، وهو أسلوب بلاغي بديع، وهو الإتيان بالأشياء المتضادة، الإتيان بالأشياء المتضادة لتقوية المعنى. «وَأَفْضَلُ ثَوْبِكَ الْإِحْسَانُ لَكِنْ نَرَى ثَوْبَ الْإِسَاءَةِ قَدْ لَبِسْتَ». المقابلة عند علماء البديع: الإتيان بالأشياء المتقابلة المتضادة لأجل تقوية المعنى وجزالة الشعر، ولهذا فهي من المحسنات العظيمة المعنوية. هذه تسمى محسنات في علم البيان، علم البديع، منها محسنات لفظية مثل السجع ونحوه، وهناك محسنات معنوية مثل المقابلة، فهذه من المحسنات. وهذا موجود كثيرا في القرآن، يقابل الله الأعمال الصالحة بالأعمال السيئة الباطلة، يقابل المؤمنين بالكافرين، يقابل الجنة بالنار، أشياء متضادة ليظهر حسن هذا ويظهر قبح هذا، لأنك إذا جمعت شيئين متضادين تميز كل واحد عن الآخر، لو جمعت لونين وضعت اللون الأبيض وبجواره اللون الأسود ظهر بياض الأبيض وظهر سواد الأسود، والسبب أنهما متضادان، فهذا يسمى عند علماء البيان، عند علماء البلاغة، أهل البديع، سمونه أسلوب المقابلة. يقول الله جل وعلا: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾. ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾، انظر إلى لفظة «فَلْيَضْحَكُوا» وانظر في سياق الآية «وَلْيَبْكُوا»، انظر إلى لفظة «قَلِيلًا» وانظر في الآية إلى لفظة «كَثِيرًا»، ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾، هذا أسلوب يسمى المقابلة، أسلوب يسمى المقابلة. يقول أن الشاعر وشعره جزيل، هذا الشعر عند من يتذوقون المعاني يعرفون قيمة هذا الكلام، يقول: «وَأَفْضَلُ ثَوْبِكَ الْإِحْسَانُ»، ثوبك أفضل، وأفضل ثوبك الإحسان، لكن نرى ثوب الإساءة قد لبست، هذه مقابلة جميلة. والإحسان أعلى مقامات الطاعة، وهو الإتيان بالعمل على أكمل الوجوه، وهو الإتيان بالعمل على أحسن الوجوه وأتمها، وهو غاية مراتب الإسلام والإيمان، غاية مراتب الإسلام والإيمان، مرتبة الإحسان، وهي أن تعبد الله كأنك تراه، هذه منزلة المراقبة، بين المشاهدة وبين المراقبة، أن تعبد الله كأنك تراه، كأنك تراه، فإنه يراك، وهذه منزلة عظيمة جداً، وهي كما تقدم أعلى منازل الطاعة والعبادة، هذه المنزلة أعلى منازل الطاعة والعبادة كما تقدم، ولهذا أمر الله بها المؤمنين، فقال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، فأمرهم بالإحسان، أمرهم الله جل وعلا بالإحسان، فالإحسان درجة عالية، درجة عظيمة من درجات هذا الدين، والله جل وعلا يقول: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، فهذا من أفضل الناس عند الله عز وجل، ولهذا جعل الله جزاء الإحسان أفضل الجزاء، فقال للذين أحسنوا الحسنى وهي الجنة، ثم قال بعدها ربنا جل جلاله وزياده: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، فهذا. فأبو إسحاق رحمه الله يرى أن ولده في غفلته قد لبس ثوب الإساءة، أي ثوب المعصية والذنوب، لبس ثوب الإساءة أي ثوب المعصية والذنوب، وترك حلة الإحسان وثوب الإحسان التي هي أجمل الثياب وأعظم الحلل وأعظم ما يتزين به المتزينون، ولهذا كتب له هذه النصيحة مذكرا له، فيقول له: «وَأَفْضَلُ ثَوْبِكَ الْإِحْسَانُ»، هذا أفضل ثوب تلبسه، أجمل درجة من أو أعلى درجة من درجات العبودية والطاعة، «وَأَفْضَلُ ثَوْبِكَ الْإِحْسَانُ لَكِنْ نَرَى»، هكذا في جماعة من الأصول، «وَلَكِنْ نَرَى ثَوْبَ الْإِسَاءَةِ قَدْ لَبِسْتَ»، المعنى: عد إلى رشدك واترك الإساءة وثوبها واخلعها، والبس ثياب الإحسان، البس حلة الإحسان. ثم قال له مذكرا: «إِذَا مَا لَمْ يَفِدْكَ الْعِلْمُ خَيْرًا فَخَيْرٌ مِنْهُ أَنْ لَوْ قَدْ جَهِلْتَ»، هذا باعتبار جزاء ما يكون لمن ترك العمل بالعلم عند الله تعالى من شديد العقاب وشدة الحساب. هذا البيت الذي يقول فيه: «إِذَا مَا لَمْ يَفِدْكَ الْعِلْمُ شَيْئًا خَيْرًا فَخَيْرٌ مِنْهُ أَنْ لَوْ قَدْ جَهِلْتَ»، هذا باعتبار ما يكون من الجزاء لمن ترك العمل بالعلم عند الله تعالى من شديد العقاب، وكذلك من شدة الحساب عند الله سبحانه وتعالى، ولهذا يقول له: أنت تعلم علما أن هذا لا يجوز وتفعله، «إِذَا مَا لَمْ يَفِدْكَ الْعِلْمُ شَيْئًا» أي في تركك ثوب الإساءة، «إِذَا مَا لَمْ يَفِدْكَ الْعِلْمُ خَيْرًا فِي تَرْكِكَ ثَوْبَ الْإِسَاءَةِ فَخَيْرٌ مِنْهُ أَنْ لَوْ قَدْ جَهِلْتَ»، الجاهل قد يُعدى، لكن صاحب العلم حسابه وعقابه شديد، صاحب العلم حسابه وعقابه شديد. ولهذا ثبت في حديث جابر، حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ من علم لا ينفع، كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من علم لا ينفع، كان يقول أبو هريرة: كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ»، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ. في حديث جابر، جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ»، والحديث سنده جيد. «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ». في بعض الأجزاء الحديثية، كأنه جزء بن المحصل، قال جابر: وإسناده صحيح، «فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَهْلِي فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمْ فَقُلْتُ لَهُمُ: ادْعُوا بِهَذَا الدُّعَاءِ فَإِنِّي سَمِعْتُ الْآنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو بِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ». هذا فيه تبليغ العلم، هذا فيه تبليغ العلم، أول ما سمع هذا الحديث انطلق إلى بيته فضرب بابه ودخل على أخواته وزوجه فأوصاهم أن يدعو الله بهذا الدعاء: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ». ولهذا كان السلف يخافون، قال سفيان بن عيينة: العلم إن لم ينفعك ضرك، يقول الخطيب: يعني إن لم ينفعك بأن تعمل به ضرك بكونه حجة عليك، يقول الخطيب عند هذا الأثر: قلت: يعني إن لم ينفعك بأن تعمل به يضرك، ضرك بأن يكون حجة عليك. «إِذَا مَا لَمْ يَفِدْكَ الْعِلْمُ شَيْئًا فَخَيْرٌ مِنْهُ أَنْ لَوْ قَدْ جَهِلْتَ»، هذا باعتبار الجزاء لمن ترك العمل، وإلا فباعتبار آخر العلم خير من الجهل، لو نظرنا باعتبار آخر فالعلم على كل حال خير من الجهل، العلم على كل حال هو خير من الجهل، ولهذا قول الناظم رحمه الله ليس تفضيلا للجهل، فإنه لا فضيلة في الجهل، لا فضيلة في الجهل. قوله رحمه الله: «إِذَا مَا لَمْ يَفِدْكَ الْعِلْمُ خَيْرًا فَخَيْرٌ مِنْهُ أَنْ لَوْ قَدْ جَهِلْتَ»، ليس تفضيلا للجهل، وإنما المعنى بما يكون من الجزاء لمن ترك العمل بالعلم، وإلا فإن العلم بكل حال خير من الجهل، العلم بكل حال خير من الجهل. فهذا البيت هذا معناه وهذا مقصوده وهذا مراده، وهذا مما ينبغي الإحسان في فهمه. يقول رحمه الله تعالى: «وَأَفْضَلُ ثَوْبِكَ الْإِحْسَانُ لَكِنْ نَرَى ثَوْبَ الْإِسَاءَةِ قَدْ لَبِسْتَ، إِذَا مَا لَمْ يَفِدْكَ الْعِلْمُ خَيْرًا فَخَيْرٌ مِنْهُ أَنْ لَوْ قَدْ جَهِلْتَ، وَإِنْ أَلْقَاكَ»، عندنا «فَإِنْ»، «وَإِنْ»، عندكم «وَإِنْ»، «إِلَّا» بالفاء، «إِلَّا» بالنون، «إِلَّا» بالواو، بالفاء صوّبوها بالواو، «وَإِنْ أَلْقَاكَ فَهْمُكَ فِي مَهَاوٍ فَلَيْتَكَ ثُمَّ لَيْتَكَ مَا فَهِمْتَ». هذا البيت فيه النصيحة له بالحذر من اتباع صاحب العلم الهوى، هذا البيت فيه النصيحة من العلامة أبي إسحاق لأبي بكر ابنه أن يحذر من اتباع الهوى بعد العلم، فيلقيه اتباعه لهواه في مهاو سحيقة ويجعله عرضة للعقاب الأليم. قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَاهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى قَلْبِهِ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾، ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَاهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾، مصيبة عظيمة، مصيبة أي مصيبة عظيمة، أفلا تذكروا؟ ينبغي المسلم أن يحذر من هذا الأمر، فالله جل وعلا يقول: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾، ﴿سَلَخَ مِنْهُ﴾ عن هَوَى، ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾، ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾، ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فمثله كمثل الكلب، إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا، فاقصص القصص لعلهم يتفكروا، الأمر عظيم. يقول رحمه الله تعالى: «وَإِنْ أَلْقَاكَ فَهُمُكَ فِي مَهَاوٍ فَلَيْتَكَ ثُمَّ لَيْتَكَ مَا فَهِمْتَ». في حديث أبي هريرة المتقدم: أول من تسعر بهم النار ثلاثة، ورجل آتاه الله القرآن أو العلم، فيذكره الله بنعمته عليه، فيقول: قرأت فيك القرآن وعلمته فيك، فيقال: كذبت، ولكنك قرأت ليقال قارئ وقد قيل، ثم يؤمر به فيسحب على وجهه إلى النار. فالعلم إن تركه صاحبه واتبع هواه بعد أن أبصر مواقع الرشد والهداية فهو يتعامى عنها ويغش نفسه ويغش الناس ويغش من يغشه بعد أن علم بالهدى وبالحق فتركه وتنكب عنه. «وَإِنْ أَلْقَاكَ فَهُمُكَ فِي مَهَاوِي»، المهاوي هي الأماكن التي يهلك فيها الناس، كالحفر العميقة، وكالتردي من رؤوس الجبال فيهوي إلى الأرض، الغالب أن يموت، وإذا عاش عاش وقد أتلف عظامه وصار عاجزا عن الحركة إلا ما ندر، «فَلَيْتَكَ ثُمَّ لَيْتَكَ»، توكيد، «لَيْتَكَ» الأولى ثم «لَيْتَكَ» الثانية، «مَا فَهِمْتَ»، قد تُعذر بالجهل، ولكن في هذا الحال ما هو عذره؟ لهذا شر الناس كما قال ابن المبارك وسحنون وجماعة من السلف، قيل لهم: من شر الناس؟ قالوا: من باع آخرته بدنيا، شر الناس من باع آخرته بدنيا، وشر منه من باع آخرته بدنيا غيره، شر، شر منه من باع آخرته بدنيا غيره، نسأل الله السلامة والعافية. «وَإِنْ أَلْقَاكَ فَهُمُكَ فِي مَهَاوِي، فَلَيْتَكَ ثُمَّ لَيْتَكَ مَا فَهِمْتَ، سَتَجْنِي مِنْ ثِمَارِ الْعَجْزِ جَهْلًا وَتَصْغَرُ فِي الْعُيُونِ إِذَا كَبِرْتَ» أو كبرت. هذا البيت عائد لما تقدم من تركك النصح في طلب العلم، إذا أهملت وسرت على هذه الطريق ولم تستمع نصح الناصحين، فإنك ستجني من ثمار العجز، وثمار العجز هي الخيبة والحرمان والخسارة والندامة والهلاك وأمثالها، هذه ثمار العجز، هذه ثمار العجز. والجاهل عدو نفسه، الجاهل عدو نفسه، وهو معذبها ومهلكها وموبقها إلا أن يلطف الله به، الجاهل عدو نفسه وهو مهلكها ومعذبها وموبقها إلا أن يلطف الله جل وعلا به، كما في حديث أبي مالك في صحيح مسلم، وفي آخره: «كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا». والجاهل، ذكرنا فيما سبق أنه قد يُعذر، وهذه «قد» تفيد التردد، المعنى: وقد لا يُعذر، فليس كل جاهل معذور، ومن الغلط أن نجعل الجهل عذرا مطلقة، فالجاهلون، فالجاهلون نوعا، نوع جهلهم مطبق ولم تصل إليهم أسباب الهداية، ولو عرفوها لاتبعوها، فمثل هؤلاء جهال غير مفرطين، فهم معذورون إن شاء الله. ومن الجهال جهال مفرطون، يسمعون الحجج فيضعون على آذانهم، يجعلون أصابعهم في آذانهم لألا يسمعوها، هؤلاء ليسوا معذورين. الجاهل الذي أمكنه الوصول إلى العلم غير معذور أبدا، الجاهل الذي أمكنه الوصول إلى العلم هذا غير معذور أبدا، بخلاف الجاهل الذي عجز عن الوصول إلى العلم، فهذا معذور إن شاء الله تعالى. وابن القيم، كلام جميل في هذه المرتبة، في كتابه النافع «طريق الهجرتين وباب السعادتين»،عله في المرتبة الثامنة، ثامنة عشر،عله فيما أذكر، يقول رحمه الله تعالى: «سَتَجْنِي مِنْ ثِمَارِ الْعِلْمِ جَهْلًا»، «سَتَجْنِي مِنْ ثِمَارِ الْعَجْزِ جَهْلًا وَتَصْغَرُ فِي الْعُيُونِ إِذَا كَبِرْتَ»، الأشياء بأضدادها تتضح. تجد العالم كلما كبر سنه كلما على قدره، العالم كلما كبر سنه كلما على قدره، وكثرت رزانته وقل طيشه، فالرجل في أول شبابه قد يكون فيه عنفوان الشباب وحدة القوة، لكنه كلما مضى به العمر هذبه، حتى إذا شاخ صار أنضج ما يكون، ولهذا تجد عقول كبار السن إذا كانوا أهل علم وبصيرة وروية أنضج العقول، ورأيهم أسد الرأي، ومشورتهم أحسن المشورة، فكيف إذا انضاف إلى ذلك أنهم أفنوا شبابهم وكهولتهم في ضبط العلم، يكونون كالنجوم في السماء، وكالشمس والقمر للناس لا يستغنى عنهما. والجاهل ضد ذلك، تراه شيخا كبيرا، وتراه يفعل من أنواع المظالم لأنه جاهل، يأكل الأموال الحرام، ويتلفظ بالألفاظ البذيئة، ويفعل الأشياء التي لا تليق بعمره، لكنه يرى أنها لا شيء لأنه تعود عليها في صباه، في شبابه، فهي تنجر عليه بأشد ما تكون في كهولته، في شيخوخته، ولهذا يقول: «وَإِنْ يَقُولُ» رحمه الله: «سَتَجْنِي مِنْ ثِمَارِ الْعَجْزِ جَهْلًا وَتَصْغَرُ فِي الْعُيُونِ إِذَا كَبِرْتَ»، يحتقرونك ويتضايقون منك لبذاءة لسانك، ول كثرة جهلك، وكثرة غفلتك، وسوء تصرفك، فلسان حالهم: متى يذهب هذا الشيخ عنه؟ فقد أثقلنا بسوء لسانه وسوء فعاله، بخلاف ما إذا كنت صاحب علم. ثم قال رحمه الله: «وَتَفْقِدُ إِنْ جَهِلْتَ وَأَنْتَ بَاقٍ وَتَجِدُ إِنْ عَلِمْتَ وَلَوْ فَقدْتَ»، تقدم معنى هذا البيت، تقدم معنى هذا البيت فيما سبق، وهو مأخوذ من وصية علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه للكميل بن زياد رحمه الله تعالى، قال: أخذ بيدي علي بن أبي طالب إلى ناحية الجبان، فلما أصحرنا قال: يا كميل بن زياد، اسمع ما أقول لك، القلوب أوعية، وخيرها أوعاها، الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، لا يستضيؤون بنور العلم، ولا يلجؤون إلى ركن شديد، العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، العلم يذهب بالنفقة، والعلم يذهب بالنفقة، والعلم يزكو بالنفقة، ذهب العلماء، ذهب العلماء وأعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، سنده صحيح. يقول رحمه الله: «وَتَفْقِدُ إِنْ جَهِلْتَ وَعَنْتَ بَاقِلْ»، الجاهل لا قيمة له، لا قيمة للجاهل، لا في رأيه ولا في فهمه، فهو ثقيل وهو موجود، يستثقل، يستثقل، «وَتَفْقِدُ إِنْ جَهِلْتَ وَعَنْتَ بَاقِلْ»، لا يبالى برأيك ولا يلتفت إليك، «وَتَجِدُ إِنْ عَلِمْتَ وَلَوْ فَقدْتَ»، نقرأ العلماء، قال ابن تيمية، قال ابن القيم، قال محمد بن عبد الوهاب، قال ناصر الدين الألباني، قال مقبل الوادعي، قال محمد محمد أمان الجامي، قال محمد بن عثيمين، قال عبد العزيز بن باز، وأمثاله، وهم أموات قد ذهبوا، لكن أمثالهم في القلوب موجودة، أمثالهم في القلوب موجودة، فكأنهم معاصرون لنا، كأنهم يعيشون معنا، كأننا حين نقرأ كلامهم نجالسهم، وبيننا وبينهم مدد مديدة، كما قيل: لا سيما في من سبق، «وَتَجِدُ إِنْ عَلِمْتَ وَلَوْ فَقدْتَ». «وَتَذْكُرُ قَوْلَتِي لَكَ بَعْدَ حِينٍ إِذَا حَقًّا بِهَا يَوْمًا عَمِلْتَ»، النصيحة لابد لها من ثمرة، لابد للنصيحة الصادقة من ثمرة، ستجدها يا من رد النصيحة، وسترى يا من قبل النصيحة، إن قبلتها تذكرت تلك النصيحة فشكرت عليها، وحمدت الله أن أعانك وأن وفقك وأن هداك إلى الأخذ بها، وإن نبذتها وطرحتها، ومِلت إلى الدنيا وإلى شهواتها، سيأتي يوم من الأيام، ولابد أنه آت، تضع يدك على خدك، فتتحسر على ما مضى من عمرك، وتقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لأقبلت على تلك النصيحة وعملت بها وأخذتها وانتفعت بها، ولهذا يندم غاية الندم من نصح فلم يسمع النصيحة. هناك أمثلة كثيرة لعلماء، يقول الناظر لعلماء أخذوا بالنصيحة فانتفعوا. «وَتَفْقِدُ إِنْ جَهِلْتَ وَأَنْتَ بَاقٍ وَتَجِدُ إِنْ عَلِمْتَ وَلَوْ فَقدْتَ، وَتَذْكُرُ قَوْلَتِي لَكَ بَعْدَ حِينٍ إِذَا حَقًّا بِهَا يَوْمًا عَمِلْتَ، سَتَذْكُرُهَا، وَإِنْ أَهْمَلْتَهَا وَنَبَذْتَ نَصْحًا وَمِلْتَ إِلَى حَطَامٍ قَدْ جَمَعْتَ، فَسَوْفَ تَعَضُّ مِنْ نَدَمٍ عَلَيْهَا»، تعض من ندم عليها، كناية عن شدة الحسرة، إذ غالب الناس إذا ندم عض على يده عضا شديدا يشعر بالألم، «فَسَوْفَ تَعَضُّ مِنْ نَدَمٍ عَلَيْهَا»، هذا لا بد أن يكون، ثم قال له مبينا أنه لا يفيده ذلك: «وَمَا تُغْنِي النَّدَامَةُ إِنْ نَدِمْتَ»، هل يغنيك إذا ندمت بعد أربعين سنة أو ثلاثين سنة أو عشرين سنة؟ هل تنفعك الندامة شيئا؟ إنما هي نار تتلظى في قلبك، وتتحسر على فرص جاءتك وأبواب فتحت أمامك فأغلقتها عن نفسك وسددتها عنك، واليوم تتذكر تلك الفرص فتعض على يدك، وتقول: أم جنون أنا يومئذ؟ ما الذي أصابني وما الذي دهاني؟ وبيني وبين الخير خطوة واحدة وأصل إليه، ما الذي أصابني؟ أبي جنون أم كنت مسحورا أم كنت مخمورا؟ ما الذي دهاني وما الذي أصابني؟ ولهذا يقول: «وَتَذْكُرُ قَوْلَتِي لَكَ بَعْدَ حِينٍ إِذَا حَقًّا بِهَا يَوْمًا عَمِلْتَ»، هذا إذا عملت به تفرح غاية الفرح، «وَإِنْ أَهْمَلْتَهَا وَنَبَذْتَ نَصْحًا»، أهملتها وقلت: هذا كلام لا داعي ألتفت إليه ولا أنظر إليه، «وَنَبَذْتَ نَصْحًا»، هذا يدل على شدة الرفض، وفيه نوع كبر، فهو رماه كما ينبذ النوى إذا أكل التمرة رماها من فيه، لا قيمة لها، «وَمِلْتَ إِلَى حَطَامٍ قَدْ جَمَعْتَ»، أي في الدنيا، إما بجمع المال أو نحوه، وقد فاتك العلم، «فَسَوْفَ تَعَضُّ مِنْ نَدَمٍ عَلَيْهَا»، على تلك النصيحة التي ما أخذتها، «فَسَوْفَ تَعَضُّ مِنْ نَدَمٍ عَلَيْهَا، وَمَا تُغْنِي النَّدَامَةُ إِنْ نَدِمْتَ». علماء أجلاء انتفعوا بأنواع من النصح، أنواع من النصح عظيمة، انتفع بها العلماء، كثير من العلماء سمعوا من شيوخهم نصيحة فصاروا علماء أجلاء، ويدور الزمان فيذكرون تلك النصيحة، ومعي بعض النماذج لهذا، ولكني أرى الوقت قد داهمنا، فلعلها ترجع إلى غد، أسأل الله جل جلاله أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يوفقنا للخير، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر