الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 8، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يبرز المقطع فضيلة قبول النصيحة وخطر الاستكبار عنها، مستشهداً بندم من رفضها عند رؤية أقرانه يتفوقون. ويضرب المثل بابن عباس رضي الله عنه الذي نال رفعة العلم ببداية مشقة وأدب في التلقي.
يسرد قصة ملازمة ابن عباس لزيد بن ثابت وما ندم عليه الأنصاري من تقصير، مبيناً الفرق بين الهون الممدوح في التواضع والمذموم في الطاعات. ويختم بأثر النصيحة في تحويل قتيبة بن النعمان من الشعر إلى علم الحديث.
يستعرض المقطع نماذج لعلماء كبار وجهوا طلبة صغار نحو علم الحديث فبلغوا مراتب عليا، كالحافظ الذهبي والعراقي وأبي يوسف. ويبرز قصة تنبؤ أبي حنيفة بمستقبل أبي يوسف القضائي وتحققه واقعاً ملموساً.
يختم المتحدث بالوصية بقراءة النصائح والعمل بها لنفعها العظيم، معتذراً عن عدم استكمال القراءة لضيق الوقت. ويختتم المجلس بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في هذه المنظومة النافعة والقصيدة الماتعة التي كتبها العلامة الزاهد الشاعر المتقن أبو إسحاق الإلبيري رحمه الله تعالى وغفر له، نصيحة لولده الذي كناه أبا بكر. ولازلنا نقرأ في أبياتها ونتأمل في معانيها، فإنها من غرر النصائح التي ينبغي لطالب العلم أن يقرأها وأن يتعلم ما فيها من النصائح والتوجيهات. ولهذا كان طلبة العلم في بلاد الأندلس وفي غيرها من البلاد يحفظونها ويحرصون عليها، وكذلك في هذا الزمان. وكنا انقطع بنا الكلام حول قبول النصيحة وتشجيعه ولده أن يقبل نصيحته، إلى أن قال رحمه الله تعالى: إذا ما وأفضل ثوبك الإحسان لكن نرى ثوب الإساءة قد لبست إذا ما لم يفدك العلم خيرا فخير منه أن لو قد جهلت وإن ألقاك فهمك في مهاول فليتك ثم ليتك ما فهمت ستجني من ثمار العجز جهلا وتصغر في العيون إذا كبرت وتفقد إن جهلت وأنت باق وتوجد إن علمت ولو فقدت وتذكر قولتي لك بعد حين إذا حقا بها يوما عملت وإن أهملتها ونبذت نصحا وملت إلى حطام قد جمعت فسوف تعض من ندم عليها وما تغني الندامة إن ندمت إذا أبصرت صحبك في سماء قد ارتفعوا عليك وقد سفل وقد سفلت فراجعها ودع عنك الهوين فما بالبطء تدرك ما طلبت وقفنا في هذا الموضع من شعره البارع رحمه الله تعالى. يقول رحمه الله: «وتذكر قولتي لك بعد حين إذا حقا بها يوما عملت». في هذه الأبيات ما بعدها الحظ على قبول النصيحة، وأن من سمات العقلاء -كما تقدم ذكره- قبولهم النصائح وعدم الاستكبار عن قبولها. وقد جرت عادة الله سبحانه وتعالى، وهي سنة، أن من رد النصيحة يعود يوما من الأيام نادما، متمنيا لو دار الزمان فقبل تلك النصيحة وأخذ بها وعمل بها. هذا الندم العظيم، هل ينفعه شيئا؟ هل يعيد له الزمان الذي مضى؟ هل يعينه على استدراك ما فات؟ الجواب: «فسوف تعض من ندم عليها وما تغني الندامة إن ندمت». لا تغنيك شيئا ولا تنفعك شيئا سوى الحسرات، أن جاءتك الفرص وجاءتك النعم فأعرضت عنها وصددت، ثم ندمت، ندمت ولا تساعة مندم، كما يقال: «لا تساعة مندم». «إذا أبصرت صحبك في سماء» حين جدوا في العلم وتفرغوا له وطلبوه، والله جل جلاله لا يضيع أجر من أحسن عمله. الله سبحانه يجازي كل إنسان بعمله، فيجازي أهل الإحسان بعظيم الجزاء. فهؤلاء صبروا وتغربوا وثابروا، كانت بداياتهم شاقة فكانت نهاياتهم مضيئة. «من كانت له بداية محرقة كانت له نهاية مشرقة»، هكذا يقول بعض العلماء، هكذا يقول بعض أهل العلم. «إذا أبصرت صحبك في سماء» في يوم من الأيام بعد أن مضى العمر وذهبت السنون تندم. جاء في سنن الدارمي بسند صحيح عن عطاء عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قلت لرجل من الأنصار: «هلما بنا فلنسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم اليوم كثير». قال ابن عباس: فقال لي: «وعجبا لك يا ابن عباس، وعجبا لك يا ابن عباس، ترى الناس يحتاجون وفيهم أمثال هؤلاء؟ هل يحتاج الناس إليك وفيهم أمثال هؤلاء؟» أي: من كثرة الصحابة وأجلائهم رضي الله عنهم أجمعين. قال ابن عباس: فترك، أي: ترك طلب العلم على أيدي هؤلاء الصحابة. قال ابن عباس: وأقبلت على ذلك، أي: على طلب العلم. فكنت أسمع عن الرجل حديثا فآتيه، وإذا هو نائم قائل، قائل: أي في وقت القيلولة قبل الظهر، وهذا الغالب أنهم كانوا ينامون القيلولة قبل الظهر، وأحيانا تكون القيلولة بعد الظهر. شاهد: فآتيه إلى بابه وهو قائل، أي: نائم للقيلولة. ومن أدب ابن عباس رضي الله عنه قال: فأتوسد ردائي، الرداء مثل الشال عندنا اليوم، مثل الشيلان، فيأتي ويضع الشال على شكل مخدة صغيرة ويضعه عند رأسه ثم ينام. قال: فربما استيقظ ففتح الباب وإذا به نائم. قال ابن عباس: فربما جاءت الريح فسفت التراب على وجهي. انظروا إلى حرص عبد الله بن عباس رضي الله عنه على العلم النافع، وأدبه في طلب العلم، أدب عظيم وتوفيق من الله عز وجل لهذا الفتى الذي ربما كان في ذلك اليوم في نحو السابعة عشر من عمره أو السادسة عشر من عمره أو ما بينهما، رضي الله عنه وأرضاه. قال: فأنام وأتوسد ردائي على بابك، فتأتي الريح فتسف التراب في وجهي. قال: فربما فتح الباب فرآني، قال: «يا ابن عمي رسول الله، ما جاء بك؟ ما جاء بك؟ هلا أرسلت إلي فآتيك». وهذا من تواضع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. قال ابن عباس: فأقول له: «لا، بل أنا الذي آتيك، العلم يؤتى إليه، يرحل إليه، يعظم، يطلب». ثم أسأله عن مسألتي وعن الحديث فيحدثني. ودارت الأيام ودارت السنوات، وكان ابن عباس أيضا في حديث آخر، في أثر آخر، يقول: ربما أخذت ركاب زيد بن ثابت فأقودها ثم أسأله عن بعض المسائل. يأخذ ركاب زيد بن ثابت إما على ناقته أو على حماره أو نحو ذلك، فيسأله من شدة حرص عبد الله بن عباس. قال ابن عباس: فرآني ذلك الرجل الأنصاري وقد التف الناس حولي يسألون. دار الزمان، دارت الأيام، مرت الأعوام، وإذا بالصحابة قد ذهبوا وماتوا رضي الله عنهم وأرضاهم، وإذا الناس يسألون عبد الله بن عباس رضي الله عنهم عن مسائل العلم فيجيبهم، فتكثر الحلقة. فرآه ذلك الرجل الأنصاري فقال: «لقد كان هذا الفتى أعقل مني». هذه القصة إسنادها صحيح، أخرجها الدارمي في سننه. «إذا أبصرت صحبك في سماء قد ارتفعوا عليك وقد سفلت» بضم الفاء، «سفلت» عندنا مكتوب بفتحها الأولى، الضم: «إذا أبصرت صحبك في سماء قد ارتفعوا عليك وقد سفلت». حينئذ تندم كما ندم هذا الأنصاري رضي الله عنه، فقال: «لقد كان هذا الفتى أعقل مني». لا شك أن ذلك من توفيق الله عز وجل لعبد الله بن عباس رضي الله عنه وأرضاه. يقول رحمه الله: «فراجعها»، أي: راجع نفسك، راجع طريقتك التي بها تمضي أيامك وشبابك وقوتك وعمرك. «فراجعها ودع عنك الهوينة»، الهوينة تصغير الهون، تصغير الهون بفتح الهاء. الهوينة تصغير الهون، والهون هو المشي برفق. «ودعه» أي: يمشي براحة، يضع قدمه ثم يضع الأخرى براحة، ليس فيه عجل ولا فيه نوع سعي، ولا هو من الخبب الذي هو نوع من الجري، إنما فيه نوع بطر. والهوينة تصغيرها. ومشي الهون يمدح في مواضع ويذم في مواضع، مشي الهون أو مشي الهوينة يمدح في مواضع ويذم في مواضع. فمشي الهون ممدوح في معنى التثبت في الأمور وترك الاستعجال، وفي معنى التواضع للخلق. مشي الهون، مشي الهون، مشي الهون، إذا كان بمعنى ترك الاستعجال في الأمور والتأني فيها والتثبت فيها والتروي فيها مع التواضع للخلق، فهذا محمود، هذا محمود. كما قال الله تعالى في صفة عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾، أي: بتواضع دون كبر وبتروي. ﴿وَالَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾، فهذا مدح لهم. وأما مشي الهون في باب الطاعات فهذا مذموم. مشي الهون إذا كان في باب الطاعات والأعمال الصالحة فهذا مذموم، لأن اللائق في الطاعات وفي الأعمال الصالحة المسابقة والمثابرة والعجلة والسرعة. ولهذا قال الله عز وجل في آيات ذكر الله هذا المعنى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾، هذا الموضع موضع مسارعة. ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾، ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، هذا موضع سباق ليس موضع بطر. ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾، هذا موضع مسابقة، مثابرة. ومن هذا الباب قول الشاعر: «فراجعها ودع عنك الهوين فما بالبطء تدرك ما طلبت». هذا الموضع موضع مسابقة واستعجال، أو موضع بطء وأناة؟ هذا موضع مثابرة، موضع سرعة، موضع عجلة محمودة. ولهذا قال ناصحا ولده: «فراجعها ودع عنك الهوين»، أي: المشي بتكاسل أو ببطء. «فراجعها ودع عنك الهوين فما بالبطء تدرك ما طلبت»، أي: إذا سرت بهذا السير لن تصل إلى مطلوبك لأنك تسير ببطء، لأنك تسير ببطء شديد، واللائق بهذا الطريق الحث والسير والمسابقة والمسارعة ونحوها. «فراجعها ودع عنك الهوين فما بالبطء تدرك ما طلبت». لا شك أن العجلة في هذا الموضع محمودة، العجلة في هذا الموضع محمودة. وهذه الأبيات فيها النصيحة، وقلنا سابقا إن النصيحة من أكبر الغناء ومن أعظم الكنوز، حينما ينصحك من له خبرة وعقل تام وفهم راجح، فإنه يختصر لك المسافات إذا عملت بنصح، إذا عملت بتوجيه. ولهذا قال بعض أهل الأدب: ولقد نصحتك إن قبلت نصيحتي والنصح أغلى ما يباع ويوهم ولقد نصحتك، أي: نصيحة صادقة موفقة، إن قبلت نصيحتي فانتفعت بها وأفلحت في ما تطلبه من أبواب الخيرات، ومنها العلم النافع. والنصح أغلى ما يباع ويوابه. ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم الدين بأكمله هو النصيحة، فقال صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة، الدين النصيحة». علقه البخاري ووصله مسلم. قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». وكم من العلماء من نصحوا طلابهم فنفعهم الله بنصيحته. رأى قتادة بن النعمان أو غيره رؤيا أن مزادة نزلت من السماء، وكان يطلب حينئذ الشعر. قال: فتناولتها فنظرت فيها فرأيت المشارق والمغارب. ثم جئت إلى أحد شيوخي من المفسرين، فقلت له: إني رأيت كأن مزادة نزلت من السماء، المزادة: القربة. قال: فنظرت فيها فرأيت المشارق والمغارب. قال: «يا بني، إن هذا إنما يكون لعلم الحديث، إن هذا إنما يكون لعلم الحديث، فاترك الشعر واطلب الحديث، فهو الذي يبلغ المشارق والمغارب، الذي يبلغ المشارق والمغارب علم الحديث». قال: فأقبلت عليه، فصار إماما من كبار أئمة الحديث والسنة. وهذا الحافظ الذهبي يحكي في بعض المواضع قال: كتبت، وكان الذهبي ذا خط جميل، الذهبي رحمه الله كان له خط جميل. قال: فرآه شيخنا فلان، فقال: «ما أشبه هذا الخط بخط المحدثين، ما أشبه هذا الخط بخط المحدثين». قال: فأقبلت على علم الحديث، فصار الحافظ الذهبي كما يقول الحافظ ابن حجر في نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر: من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال بمنزلة عالية، نالها هذا الحافظ، فهو من حفاظ هذه الأمة ومن كبار أئمة الحديث في ذلك الزمان وفي زماننا، رحمه الله وغفر له. وهذا الحافظ العراقي في ترجمته، صاحب الألفية، عبد الرحيم بن الحسين العراقي، صاحب ألفية بن ماء أو ألفية العراقي المشهورة في علم الحديث، قال: كنت في شباب أقرأ في علم القراءات وأتقن وجوه القراءات. قال: فرآني شيخنا فلان بن فلان، نسيت اسمه، فقال لي: «إن هذا العلم علم جامد، وإن ذهنك وقاد، إن هذا العلم علم جامد»، أي: يحفظ ويروى، «وإني أرى ذهنك وقاد، فأقبل على علم الحديث». قال الحافظ العراقي: فأقبلت على علم الحديث، ففتح الله عليه وأفاد واستفاد، رحمه الله. قبلوا نصائح علمائهم. ومن أعجب ما ذكر في هذا الباب ما ذكره أبو يوسف القاضي، أحد كبار أئمة الحنفية وقاضي قضاة المسلمين في زمن هارون الرشيد. أبو يوسف القاضي من أئمة السنة، سلفي المعتقد، يقول رحمه الله: توفي أبي وأنا صغير في حجر أمي. قال: فأقبلت بي إلى قصار أعمل عنده، قصار خياط، أعمل عنده، فيعطيني دانقا، الدانق جزء من أصغر أجزاء الدرهم. قال: فكنت أدع القصار وأذهب إلى حلقة أبي حنيفة فأجلس فيها. قال: فتأتي أمي وتأخذني من الحلقة فتذهب بي إلى القصار. قال: في اليوم الثاني تأمرني أن أذهب إلى القصار لآخذ الدانق أعمل معه، وأنا صبي طفل صغير يتيم. قال: فكنت أدع القصار وأذهب إلى حلقة أبي حنيفة. قال: فتأتي أمي فتأخذني من الحلقة إلى دكان القصار. قال: فلما كثر عليها ذلك قالت لأبي حنيفة: «يا أبا حنيفة، إن هذا الطفل يتيم، وإنما أطعمه من مغزلي ومن هذا الدانق الذي يعطينا إياه هذا القصار، فأعطيه منه، أو فأطعمه به، وإذا جلس عندك انقطع». فقال أبو حنيفة، وكان رجلا عاقلا، بصيرا، بصيرا: «إني أرى في ابنك عقلا، إني أرى في ابنك هذا الطفل الصغير عقلا، ولعله أن يأتي يوم يأكل فيه الفالوذج بدهن الفستق، لعله أن يأتيه يوم يأكل الفالوذج بدهن الفستق». هذه الأكلة لا يأكلها إلا الخلفاء والملوك لندرتها وعزتها وغلاء ثمنها، فهي يطعم بها الملوك. قال أبو يوسف: فأقبلت على حلقة أبي حنيفة، فلما جلست في أول مجلس قال: جلست إليه أقرأ عليه. قال: فلما انصرف الناس أخرج هذا كيسا، قال: فيه مئة درهم، ثم قال: «خذ هذا ولا تنقطع عن هذا الدرس، خذ هذا ولا تنقطع عن هذا الدرس، وإذا فنيت فأعلمني أعطيك مثلها». وهذا يحتاج لوقفة، فإن العلماء يعني مثل أبي حنيفة يفعل هذا ليس لغناه، لا والله، ولكنه آثر حاجة هذا الطفل الذي يرجو نبوغه على حاجته، رحمه الله، وإلا فلا شك أن أبا حنيفة في غاية الحاجة. قال أبو يوسف: فلما مضى زمان أعطاني مثلها، قال: فما ترك لي خلة، أي: مجالا للحاجة، رحمه الله. قال: ودار الزمان، فصرت قاضيا في بعض أيام خلفاء بني أمية. قال: فلما جاء زمن هارون الرشيد صرت قاضي القضاء، لأني كنت أرسل بالقضاء إلى آفاق البلاد، فلقبت قاضي القضاء. هذا اللقب فيه نظر عند أهل العلم، فيه نظر، وفيه حديث في النهي عن التسمي به، لكن لعله غلب عليه. فصار قاضي القضاء. قال: وكنت أجالس الرشيد، وفي يوم من الأيام دعاني الرشيد وقال: «إن عندي طعاما أريد منك أن تأكل منه، لا يأتينا إلا نادرة». قال: فقلت له: «وما هذا الطعام؟» قال: «الفالوذج بدهن الفستق». قال رحمه الله: فتبسمت. قال: فقال لي الرشيد هارون: «ولم تتبسم؟» قال: «لا شيئا، أبقى الله أمير المؤمنين». قال: «لا، حدثني لم تبسمت؟» قال: «لا شيئا، أبقى الله أمير المؤمنين». قال رحمه الله: ثم قال: «لا بد أن تحدثني بما في نفسك حين ذكرت لك هذا الاسم، الفالوذج بدهن الفستق». قال: فألح علي فحدثته. قال: «رحم الله أبا حنيفة، رحم الله أبا حنيفة، لقد كان ينظر بعيني عقله أكثر مما ينظر بعيني رأسه». سبحان الله، هذه من العجائب، جرى مثل ما قاله أبو حنيفة لأم أبي يوسف يوم كان طفلا صغيرا. فكم من العلماء من انتفعوا بمثل هذه النصائح التي قالها لهم علماء أهل بصيرة وأهل فهم وروية. ولهذا يخاطب الإمام أبو إسحاق رحمه الله تعالى ابنه فيقول: «وتذكر قولتي لك بعد حين إذا حقا بها يوما عملت، وإن أهملتها ونبذت نصحا وملت إلى حطام قد جمعت»، أي: من الدنيا، «فسوف تعض من ندم عليها وما تغني الندامة إن ندمت، إذا أبصرت صحبك في سماء قد ارتفعوا عليك وقد سفلت، فراجعها ودع عنك الهوين فما بالبطء تدرك ما طلبت». فينبغي للعاقل أن يقرأ مثل هذه النصائح ويحرص على العمل بها، فإنها نصائح عظيمة وموفقة ومسددة، ينفع الله بها من أراد به نفعا. ونود أن نقرأ ما بعده ولكن الوقت قد أهمنا. وهذا وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.