الدرس في باب الوضوء 26، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يحدد المقطع مقدار الماء الواجب في الوضوء بالمد وفي الغسل بالصاع، مع الإشارة إلى الإجماع على عدم اشتراط قدر محدد بل يكفي ما يستوعب العضو. كما يفسر حديث "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين" موضحاً أن الغرة هي بياض الجبهة والتحجيل بياض القوائم الناتجين عن الوضوء والسجود.
يعرض المقطع خلاف الجمهور والمالكية حول استحباب تجاوز حد الوجه واليدين والرجلين، حيث يرى الجمهور الاستحباب بينما يفسر المالكية ذلك بالمداومة على الوضوء. ويرجح المقطع اعتماداً على حديث عبدالله بن زيد أن الغرة تنبع من أثر السجود لا من غسل ما زاد على الحد، معتبراً الزيادة غير ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
يوضح المقطع أن الغرة مختصة بالسجود بينما التحجيل (غسل ما بعد المرفقين والكعبين) ثبت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم برواية أبي هريرة، لكنه مستحب أحياناً لقلة نقل الصحابة له. ويختتم الدرس بالإشارة إلى استكمال الأبيات لاحقاً والصلاة على النبي وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. لازمنا في هذه الألفية والمنظومة في فقه الفقهاء الشافعية رحمهم الله تعالى جميعًا، ورحم سائر علمائنا المسلمين. ولا زلنا في آخر باب الوضوء، يقول الناظم رحمه الله تعالى: «واستصحب النية من بدء إلى آخره، ودلك عضو، والولى، وللوضو مد، وللتغسيل صاع، وللوضو مد، وللتغسيل صاع، صاع، وطول الغر والتحجيل». وقفنا عند هذا البيت، يقول رحمه الله: «ثم الوضوء سنة للجنب لنومه، أو إن يطأ، أو يشرب، كذاك، تجديد الوضوء، صلى فريضة أو سنة أو نفلا، وركعتان للوضوء، والدعى من بعده في أي وقت وقع، آدابه استقبال قبلة، كما يجلس حيث لم ينله الرشما، ويبتدي، ويبتدي اليدين بالكفين، وبأصابع من الرجلين مكروهه، في الماء حيث أسرفا، ولو من البحر الكبير اغترفا، أو قدم اليسر على اليمين، أو جاوز الثلاث باليقين». يقول الناظم رحمه الله تعالى: «وللوضو مد، وللتغسيل صاع». تقدم الكلام على هذه المسألة، وأن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يتوضأ بالمد، وكان يغتسل من الجنابة بالصاع. والصاع كم أمداد عندك؟ يا خمسين... كم أمداد الصاع؟ أربعة أمداد. والمد كيف صفة المد؟ ملء كفي الرجل المعتدل، هذا هو المد. والإجماع منعقد على أنه لا يشترط قدر معين، هذا من جاهة الشرطية: هل للوضوء في استعمال الماء فيه شرط معين؟ نقل الإجماع على أنه لا يشترط قدر معين، بل إذا استوعب كفاه. نقله النووي عن الطبري وهو معروف. فالإجماع منعقد على أنه لا يشترط قدر معين في الماء المستعمل للوضوء، لا يشترط قدر محدد. فنقول: يجب كذا ولا يزاد عليه، لأن الله أمر باستيعاب غسل العضو، فقال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، فأمر بالغسل. فإذا حصل الغسل، زاد قليلا أو نقص قليلا، حصل الاستيعاب، حصل الإسباغ، فقد تم فعل الأمر كما أمر الله به سبحانه وتعالى. ثم قال الناظم رحمه الله: «وطول الغر والتحجيل». دليل هذه المسألة حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين، وهو متفق عليه. «وطول الغر والتحجيل» دليل هذه المسألة، حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين، في صحيح البخاري ومسلم: «إن أمتي» قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل». اتفق عليه. «إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين» أي عند الحشر، فيأتون حوض النبي صلى الله عليه وسلم فيعرفهم عند الحوض. قيل: يا رسول الله، كيف تعرف من أمتك من لم تره؟ قال: «بسيماهم». أرأيت لو أن رجلا عنده خيل دهم بهم في خيل غر محجلة، أيعرفها؟ قال: بلى. الدهم: البهمي، الخيل التي هي من لون واحد، إما سوداء وإما في لون داكن مائل إلى السوادي أو البني أو نحوه من الألوان، في خيل غر محجلها. الغرة: هي لمعة تكون شعرات كالدرهم تكون في جبهة الفرس تسمى غرة، فتجد الخيل وفي جبهته شعرات في حجم الدرهم، في حجم الدرهم، بيض، فيسمى أغر، وهذه غرة. وأما التحجين: فأن يكون سيقانه بيضاء، قد يكون لونه مائل إلى السواد أو إلى الإحمرار أو نحوه، لكن أقدار جله فيها شعر أبيض غر، هذا هو التحجين. فيقال: هذا خيل محجل، أي أن قوائمه إلى نحو الركب فيها شعر أبيض، بيضاء اللون، هذا يسمى التحجيل. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أعرفهم» أي بآثر الوضوء وأثر السجود، فتوجد يوجد نور، نور في جباههم كما قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾، نور في جباههم، ويوجد في أعضائهم من الأيدي والأرجل أيضا نور، يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾، فيعرفهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم من أمة. في صريح مسلم أيضا: «أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل». يقول الناظم رحمه الله: «وطول الغر والتحجيل». استحب الفقهاء الشافعية، وكذلك غيرهم من الفقهاء، استحبوا إطالة الغرة والتحجيل. قالوا: والإطالة عندنا تفسيرها أن يزيد على حجم الوضوء المعتاد، فيغسل شيئا من ناصيته، ويصل إلى شيء من صفحة عنقه، فيكون استوعب الوجه كاملا. هكذا قالوا: يغسل مقدمات الرأس وصفحة العنق. والتحجيل قالوا: إلى نحو المنكب، يغسل يديه إلى عضوديه وأكثر، فتراه يغسل إلى هذا المكان، صب الماء ويغسل، يطيل، ويغسل قدمين إلى قريب الركب. الواجب إلى الكعبين، والكعبان العظمان الناتئان أسفل القدم، الكعبان هم العظمان الناتئان في أسفل القدم، فيغسل إلى نصف الساق أو إلى قريب من الركب. هكذا قال فقهاء المذهب. ولهذا يشير الناظم إلى هذه المسألة، وهي استحباب الإطالة بغسل بعض الرأس، مقدمات الرأس زيادة على المعتاد، المعتاد والمعروف من منبت الشعر طولا إلى الذقن طولا، هذا طولا للوجه، ومن الأذن إلى الأذن عرضا. لكنهم يقولون: من شيء من مقدمات الرأس كالناصية يبدأ الغسل إلى صفحة العنق. هكذا قالوا. وفي التحجيل: إلى الكتفين، إلى المنكب في اليد، وإلى الركب في الرجل. يقول الناظم رحمه الله: «وللوضو مد، وللتغسيل صاع، وطول الغر والتحجيل». جمهور أهل العلم من الحنفية والشافعية والحنابلة يرون شرعية إطالة الغرة والتحجيل. جمهور أهل العلم يرون شرعية إطالة الغرة والتحجيل بغسل مخدمات الرأس والعنق وصفحة العنق، وغسل اليدين إلى المنكب أو إلى أطراف العضد، وغسل الرجلين إلى الساقين، وإن شاء أوصلها إلى الركب. قالوا: هذا مستحب عندنا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل». في صحيح مسلم هذه رواية الصحيحين: «فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل». في صحيح مسلم: «فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل». فاستحب جمهور العلماء من الحنفية والحنابلة والشافعية، والحنابلة رأوا استحباب إطالة الغرة والتحجين. وذهب الفقهاء المالكية إلى أن هذا لا يشرح، وفسروا إطالة الغرة بالمداومة على الوضوء ونحوه: «إن أمة يدعون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء» أي من دوام توضئهم، فهم دائما متوضئون، «فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل». هذه المسألة من المسائل التي فيها دقة، فإن الغرة قد جاء تفسيرها في حديث عبد الله بن زيد في سنن الترمذي بإسناد صحيح بأنها من السجود وليست من الوضوء. ولهذا استشكل هؤلاء العلماء: كيف تطال الغرة؟ فقالوا: بغسل مقدمات الرأس وصفحة العنق. وهذا خروج عن حد الشرع، خروج عن حد الشرع، لأن حد الشرع في غسل الوجه: غسله من منبت الشعر في الرجل المعتاد في الناصية إلى الذقن طولا، ومن الأذن إلى الأذن عرضا. فمن زاد على هذا فقد خرج عن حد الشرع في غسل الوجه. سبب هذا الإشكال أنهم لم يقفوا، والله أعلم، على حديث عبد الله بن زيد الذي هو في سنن الترمذي وسنده صحيح، وفيه: «إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا من السجود، محجلين من الوضوء». «إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا من السجود»، فالغرة تكون بكثرة السجود، لكثرة الصلاة، هذا سببه، وليس لأجل أن تغسل مقدمات الرأس أو تغسل صفحة العنق. ونظرا لأن هذا الحديث لم يقف عليه هؤلاء الأفاضل رحمهم الله، استشكلوا إطالة الغرة: كيف نطيل الغرة؟ قالوا: نطيلها بالمبالغة ومجاوزة الحد الشرعي في غسل الوجه إلى العنق سفولاً، وإلى مقدمات الرأس صعوداً. وهذا مما لم يأت به الشرع، ولم يأت في فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يأت في فعل أحد من الصحابة رضي الله عنهم، لم يأت هذا فيه لا فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا فعل أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم. فترك هذا هو المتعين. ولهذا يقول بعض العلماء المحققين كابن تيمية: إن إطالة الغرة على ما تقولون مثلة. هكذا ذكر في بعض فتاوي. والعبرة بالدليل. فإذا ثبت أن الغرة من السجود وليست من الوضوء، تعين أن يبقى الوضوء في الوجه كما هو دون زيادة. بقي التحجيل. أما التحجيل فقد ثبت من فعل أبي هريرة رضي الله عنه أنه توضى فغسل يديه، في صحيح مسلم، إلى المرفقين، ثم أشرع في العضد. العضد هو هذا، أشرع في العضد بعد أن غسل مرفقه، أشرع في العضد، وغسل رجليه ثم أشرع في الساق، أي غسل جزءا من ساقه رضي الله عنه. ثم رأاه أحد الصحابة رضي الله عنهم فتعجب من هذا، وقال: ما تصنع يا أبا هريرة؟ يعني أن هذا أمر عجيب، هذا أمر عجيب، كيف كيف تقوم بغسل يديك وتغسل إلى عضديك، وإنما الآية إلى المرفقين، وكيف تغسل رجليك وتتجاوز الكعبين إلى أن تغسل جزءا من الساقين؟ قال أبو هريرة: «لو علمت أنكم تروني ما فعلت ذلك». وهذا له فقهه الذي غاب عن بعض الأفاظ: «لو علمت أنكم ترونني ما فعلت هذا، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع كما أصنع». إذن هذا من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنبقى على فعله، ونقول: يشرع أحيانا ويستحب أحيانا أن تغسل يديك إلى عضديك، مستحب لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، ويستحب أحيانا أن تغسل رجليك إلى أن تدخل في ساقيك فتتجاوز الكعبين، هذا مستحب أحيانا. لماذا نقول أحيانا؟ لأن هذه السنة إنما جاء بها أبو هريرة رضي الله عنه وهو ثقة، ولم يذكرها أحد ممن ذكر صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، لا في حديث حمران عن عثمان، ولا في حديث عمر بن يحيى المازني عن أبيه عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه، ولا في حديث... ولا في حديث أبي الخير عن علي رضي الله، ولا في غيرها، ولا في حديث عائشة رضي الله عنها، ولا في غيرها من أحاديث الوضوء. فدل هذا على أنهم لو رأوه يصنع ذلك لنقلوا. فهؤلاء الصحابة جميعا لم ينقلوها، دل على أنهم لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم يفعلها، إذ لو رأوه لنقلوها. لكن أبا هريرة نقلها، فالجمع أن يقال: فعلها أحيانا، أو فعلها قليلا، أو فعلها نادرا، إذ لو كان كثيرا لرآها سائر الصحابة ونقلوا ذلك. هذا هو الفقه اللائق في هذه المسألة. ولهذا كان أبا هريرة يتخفى بها، والحكمة في ذلك أن لا يشوش على بعض الجهال، فيأتي من الناس من يقول: يا من يتوضأون إلى الكعبين، وضوءك ناقص، أو وضوءك قاصر، أو وضوءك باطل، لماذا؟ لأن أهل العلم كأبي هريرة يتوضؤون إلى الساقين وإلى العضدين. فكان من الحكمة أن مثل هذا إذا بلغ المظن فيه مثل هذا، إذا ظن أن يحدث فيه نوع فتنة، كان عدم إظهاره أولى. «لو علمت أنكم ها هنا ما صنعت ذا» رضي الله عنه وأرضاه. ادعى شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم أن زيادة: «فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل» مدرجة، وليس الأمر كما ذكر، بل هي محفوظة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وليست من كلام أبي هريرة. إذن يقول الناظم رحمه الله: «وللوضو مد، وللتغسيل صاع، وطول الغر والتحجيل». طول الغر: أي في مذهب الشافعية والحنفية والحنابلة هو بإطالة غسل جزء من الرأس إلى صفحة العنق وصفحة العنق، وهذا ليس بمشروع لأن الغرة ليست من الوضوء. والتحجيل: هو بإصباغ الوضوء مجاوزا للعبد المرفقين إلى أن يدخل في العضد، أو يدخل في الساقين. وهذا ثبت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما حكاه أبو هريرة رضي الله عنه في صحيح مسلم. لكن هذه السنة تفعل أحيانا ولا تفعل دائما، لأن الذين نقلوا صفة الوضوء لم يذكروها، فدل على أنهم لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم يصنعها. هذا خلاصة ما يقال في هذه المسألة، والله تعالى أعلى وأعلم. وبعض الصلاة، إن شاء الله ندخل في بقية الأبيات. هذا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.