الدرس في باب المسح على الخفين 8، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
أتم الشارح باب المسح على الخفين من متن صفوة الزبد مبيناً مدته وشروطه وفرضه وسننه ومكروهاته ومبطلاته، ثم ناقش مسألة الأفضلية بين غسل الرجلين والمسح على الخفين موضحاً أن الجمهور من علماء المذاهب الأربعة يرون الغسل أفضل، وأن المسح رخصة دل عليها قول الناظم «رخص في وضوء كل حاضر».
ذكر المقطع أن جمهور العلماء (الحنفية، المالكية، الشافعية، ورواية عن أحمد) يرون وجوب غسل الرجلين إلى الكعبين استدلالاً بآية المائدة، وأن العزيمة والركن أفضل من الرخصة، كما أوضح أن للإمام أحمد ثلاث روايات: الأولى موافقة الجمهور، والثانية التسوية بين الغسل والمسح، والثالثة تفضيل المسح على الغسل.
نقل الشيخ رواية للإمام أحمد تخالف المذاهب الأربعة مفادها أن إظهار المسح على الخفين (السنة) عند وجود أهل البدعة المنكرين له أولى من الغسل، تميزاً لأهل السنة وإرغاماً للمبتدعة، وقد قال بهذا بعض السلف كوكيع، وبين أن المسح رخصة يجوز تركها بشرط اعتقاد جوازه ومشروعيته وصحة الصلاة به.
أشار النص إلى ذكر النووي لأحكام المسح على الخفين، مبيناً أن بعض المجتهدين المتأخرين ذهبوا إلى التفصيل في هذه المسألة وبيان الأفضل فيها.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لا نزال في شرح صفوة الزبد فيما عليه المعتمد للعلامة الزاهد أحمد بن الحسين بن رسلانة، المتوفى سنة أربع وأربعين وثمانمائة للهجرة، رحمه الله تعالى. وكنا أكملنا باب المسح على الخفين، أكملناه، وقلنا: نحب أن نختمه بقراءة الباب. قال رحمه الله: باب المسح على الخفين. رخص في وضوء كل حاضر يوماً وليلةً، وللمسافر في سفر القصر إلى ثلاث مع لياليها من الإحداث. فإن شك في انقضاء مدة، وشرطه اللبس بطهر كامل يمكن مشي حاجةٍ عليهما، والستر للرجلين مع كعبيهما. والفرض مسح بعض علوه، وندب للخف مسح السفل منه والعقب، وعدم استيعابه. ويكره الغسل للخف، ومسح كرره. مبطله: خلعٌ، ومدة الكمال. فقدميك غسل، وموجب اغتسال. هناك مسائل أشار إليها المصنف رحمه الله تعالى في كلامه، منها: ما هو الأفضل، الغسل أو المسح؟ ما هو الأفضل للقدمين والرجلين، الغسل أو المسح؟ أشار الناظم إلى هذا بقوله: «رخص في وضوء كل حاضر» يعني المسح يوماً وليلةً، وللمسافر إلى أن قال: «فإن يشك في انقضاء مدة». هذا هو الأصل، هذا هو الأصل. اختلف العلماء: ما هو الأفضل، غسل القدمين أو لبس الخفين والمسح عليهم؟ اختلف العلماء في ذلك، فأكثر أهل العلم والجمهور من علماء المذاهب، جمهور علماء المذاهب الأربعة، على أن الغسل أفضل، وهو الذي أشار إليه الناظم فيما سبق رحمه الله. هذا مذهب الحنفية، وهو مذهب الفقهاء المالكية، وهو مذهب فقهائنا الشافعية، وهو رواية عند الإمام أحمد في المذهب. فهذا قول جمهور العلماء؛ لأن الله عز وجل جعله الأصل، فقال: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6]، أي: واغسلوا أرجلكم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: 6]، هذا الفعل: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] هذا المفعول الأول، ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6] الثاني معطوف عليه، ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6] جملة اعتراضية، ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6] هذا المفعول معطوف على ما سبق، أي: واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين. والركن والعزيمة أفضل من الرخصة، الركن والعزيمة والواجب أفضل من الرخصة، فالرخصة جواز، والعزيمة واجب أو ركن. هذا قول جمهور أهل العلم، هذا قول جمهور أهل العلم، رحمة الله على الجميع. الرواية الثانية في مذهب الإمام أحمد: أن الغسل والمسح سواء، لا يفضل هذا على هذا. الرواية الثالثة عند الإمام أحمد رحمه الله، وهي من مفردات مذهب أحمد. مذهب الإمام أحمد فيه مفردات، أي مسائل تفرد بها عن المذاهب الأربعة، لعلها هذه المسألة الأولى التي تمر بنا في هذا الشرح، وهي أن المسح أفضل من الغسل. هذا من مفردات الإمام أحمد، نظمها العلامة ابن سحمان رحمه الله، شرحها أيضاً: «المسح أفضل». وجه هذه الرواية: أنها من مفردات مذهب الإمام أحمد. ما معنى يا أخ سعيد: «من مفردات مذهب الإمام أحمد»؟ ما معنى هذه الجملة؟ معناها أن الإمام أحمد في هذه الرواية خالف المذاهب الأربعة، خالف المذاهب الأربعة، فصارت هذه الرواية من مفردات مذهب أحمد، وإن كان المشهور في المذهب خلافها، فهذه رواية في المذهب. وجه هذه الرواية: أن العمل بالسنة عند وجود أهل البدعة المخالفين للسنة، المنكرين للعمل في هذه السنة، فإظهار السنة في هذا الحال أولى من الغسل، إظهاراً للسنة وتمييزاً لأهل السنة وإرغاما للمبتدعة. وهذا قاله بعض السلف، كوكيع فيما أذكر، قالوا نحو هذا، ذكروا نحو هذا المعنى. تقدم أن المسح على الخفين من الذين أنكروه، وأقاموا الدنيا وأقعدوها، ولم يثبتوه. عندك يا أخي، أنا أعني: تفضل. الرافضة، الشيعة والرافضة والخوارج، فهؤلاء العلماء يقولون: لا بد أن نتميز، فنحرص في أماكن ظهور هؤلاء المبتدعة على إظهار السنة، فإننا لو تركنا العمل بالسنة في مثل هذا الحال غفل الناس عن السنة، وربما استشنعت، فظن الجاهلون أنها مكروهة أو غير جائزة لشدة إنكار المبتدعة له. هذا معنى هذه الرواية، وهذا قول له وجهه. وكما تقدم أن المسح على الخفين رخصة، أن المسح على الخفين رخصة يجوز تركه بشرط. ما هو الشرط؟ يجوز ترك المسح على الخفين بشرط، كما قال الإمام النووي رحمه الله. ما هو الشرط؟ ذكرنا هذا فيما سبق: أن يعتقد - تفضل يا أخي - أن يعتقد جواز المسح على الخفين، وشرعية المسح على الخفين، وصحة الصلاة بالمسح على الخفين. فإذا اعتقد ذلك قلنا: امسح أو لا تمسح، هذا رخصة. وجالس هكذا ذكر أبو زكريا النووي، كما قدمنا في أول قراءة باب المسح على الخفين. وذهب بعض المجتهدين المتأخرين إلى التفصيل في هذا الموضع، فقالوا: الأفضل في حق