شرح كتاب التوحيد 80

الدرس في شرح كتاب التوحيد 80، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

حكم استعمال لفظة «لو» وبيان مشروعها وممنوعها

يبين المقطع أن كلمة «لو» نوعان: ممنوعة عند التلهف على فوات الدنيا أو وقوع المكروه لكونها اعتراضاً على القدر وفتحاً لباب الشيطان، ومشروعة عند تمني الخير والاقتداء بالنبي ﷺ في قوله: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت».

رد قول المنافقين «لو أطاعونا ما قتلوا» وبيان حتمية القدر

يرد المقطع على زعم المنافقين بأن القعود ينجي من الموت، مستدلاً بآيات تؤكد أن الأجل مقدر لا يُرد بالحرص ولا بالجلوس، ويؤكد وجوب الحرص مع الاستعانة بالله والنهي عن «لو» عند المصيبة.

التسليم للقضاء والقدر والنهي عن سب الريح

يشرح المقطع واجب التسليم بقول «قدر الله وما شاء فعل» مبيناً أن الرضا أعلى من الصبر، وينهى عن سب الريح لأنها مخلوق مسخر، ويوجه إلى سؤال الله خيرها والاستعاذة من شرها.

أدب العبد مع ربه ودور الكتاب في إكمال التوحيد

يؤكد المقطع أهمية الأدب مع الله جل جلاله، ويشير إلى أن الكتاب يحتوي على أبواب نافعة وقواعد جامعة تكمل التوحيد وتقي المسلم من الشرك، مختتماً بالإعلان عن الاستراحة.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ومتعالى وأجزل له الأجر والثواب: باب ما جاء في اللو، يعني لاستعمال لفظة «لو». ما حكمها؟ قال رحمه الله: باب ما جاء في اللو، يعني لاستعمال لفظة «لو»، أي ما حكمها؟ والجواب أن فيها تفصيلة؛ فقد تستعمل استعمالا ممنوعا، وقد تستعمل استعمالا مشروعا. لفظة «لو» قد تستعمل استعمالا ممنوعا، وقد تستعمل استعمالا مشروعا. فالممنوع: ما يكون على وجه التلهف على أمور الدنيا وطلبها. فالممنوع: كان يقع منه ما لا يحبه، أو يقع عليه ما لا يرضاه، فيقول: «لو أني فعلت كذا وكذا كان كذا وكذا»، أو «لو أني صنعت كذا ما كان كذا»، أو «لم يحصل كذا»، أو «لكان كذا وكذا». فهذه «اللو» التي تستعمل بالتلهف على أمور الدنيا إما طلبا أو هربا: طلبا في الأمر المحب إذا فات، وهربا مما يكره إذا وقع. هذا معناه: هذه «اللو» بهذا الاستعمال تفتح عمل الشيطان، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، سيأتي بيان معنى فتح عمل الشيطان. وأما استعمالها المشروع المحمود: استعمال «لو» في المعنى المشروع المحمود، فأن تستعمل في تمني الخير. كقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الصحيحين: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة». وقول الرجل المتمني الخير إذا رأى من يعمل الخير، كما في السنن: «لو أن لي مثل مال فلان لعملت فيه مثل ما عمل فلان». وكما في قصة موسى مع الخضر، قال صلى الله عليه وسلم: «لو صبر أخي موسى لقَصَّ الله علينا من نبئهما»، أي في قصته مع الخضر. فهذه «اللو» في أمور الخير، في تمني الخيرات، سواء فيما مضى أو فيما يأتي، هذا في تمني الخيرات، هذا استعمال مشروع محمود، هذا استعمال مشروع محمود. مناسبة هذا الباب لما قبله، ولكتاب التوحيد: أن باستعمال «لو» استعمالا ممنوعا فيه سوء أدب مع الله تعالى، واعتراض على قدره جل جلاله. فالأمور كلها بيده سبحانه، وتحت قهره وتصرفه جل جلاله وتقدست أسماؤه. فلا يكون إلا ما أراد الله، لا يكون إلا ما أراد الله، ولا يحصل إلا ما شاء سبحانه وتعالى، لا راد لما قضى، ولا معقب لحكمه جل وعلا. هذه مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: فيه سوء أدب مع الله سبحانه. استعمال «لو» استعمالا ممنوعا فيه سوء أدب مع جناب الرب سبحانه؛ لأن فيه اعتراضا على قدره، وعلى أمره، وعلى فعله سبحانه. هذا فيه اعتراض على أمر الله وقدره وفعله، والأمر بيده، وكل الناس عبيده تحت قهره وتصرفه، لا يخرج أحد عن تدبيره سبحانه وتعالى. ورعاية استعمال «لو» استعمالا مشروعا، رعاية استعمال «لو» استعمالا مشروعا، من حسن الأدب، هذا من حسن الأدب مع جناب الرب. هذا استعمال «لو» استعمالا مشروعا محمودا لحسن الأدب مع جناب الرب. فليحذر المسلم هذه المزلة، فإن الناس في غفلة عنها، حتى في صفوف طلبة العلم. قال: باب ما جاء في «اللو»، وقول الله تعالى: ﴿ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾. هذا من قول المنافقين، هذا من قول المنافقين في يوم أحد، وقد تخطفت القلوب، وروع المسلمون صولة المشركين. أما المنافقون فظنوا فناء الإسلام وذهاب شوكته، استئصال شأفته. أما المنافقون فظنوا فناء الإسلام والدين وذهاب شأفته، استئصالها، كما قال تعالى: ﴿ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾. هذا استعمال «لو» استعمالا مذموما. يقولون: «لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا»، يقولون ذلك بأنفسهم، يقولون في أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾. هذا من قول المنافقين، يسرون هذه المقالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه. قد سمعها الزبير بن العوام، وكان في غشية النعاس الذي أنزل الله أمنة للناس في تلك الغزوة، أنزل الله النعاس، كما سيأتي معنا في باب الكلام على ظن الجاهلية بعد باب. رد الله سبحانه وتعالى هذه المقالة، وهم يقولون: «لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا». يظنون أنهم يردون قضاء الله بهذا، يردون قضاء الله بأن يتخلفوا مثلا، فإذا ما تخلفوا لن يموتوا ولم يحصل الشر. هذا ظن المنافقين، هذا ظن المنافقين الذين هم أجهل الناس. قال الله تعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ﴾. معناه: أن هذا أمر قد قدر عليكم، هذا أمر قد قدر عليكم قبل أن يخلقكم الله بخمسين ألف سنة، لا محالة في وقوعه. ﴿ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ﴾. قالوا هذه الكلمة على وجه التلهف: ما أصابنا هذا الضر، ولا أصابنا هذا البلاء، ولا أصابنا هذا التقدير. «لو أننا ما جئنا»، أو «لو أننا تخلفنا»، أو «لو أن الأمر كان لنا فعملنا كذا وكذا». يظنون رد الله عليهم. ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ ﴾ الآية. فالموت يأتيكم أينما كنتم، ومن كتب عليه الموت فهو ميت. سيخرج من بيته فيموت في الطريق، إن كتب عليه الموت في الطريق. لو جلس في بيته وكتب الله له الموت في بيته، سيموت في بيته. هذا أمر قد قدر. فقولهم: «لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا»، هذا تلهف لا يجدي إلا الحسرة. قولهم: «لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا»، هذا تلهف، هل يجدي شيئا؟ الجواب: لا. هل يجلب نفعا؟ الجواب: لا يجلب نفعا. فما الذي يثمره؟ يثمر الحسرة، يثمر الحسرة، مع ما في ذلك من المعاندة لاقتضاء الله، مع ما في ذلك من الاعتراض على قدر الله. أصول الظن بالله سبحانه وتعالى: وقول المنافقين: «يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا» يتضمن أنهم يظنون المكان قاتلا لهم. هذا الظن يتضمن أنهم يظنون المكان قاتلا لهم، فلو ذهبوا عن المكان ما قتلوا. هذا معنى كلامه. هذا ما يتضمنه قولهم: «لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا». معنى المكان قتلنا، وجودنا في هذا المكان هو الذي أتى بأرواحنا. وهذا نوع شرك بالله سبحانه وتعالى. هذا الظن نوع شرك بالله سبحانه وتعالى. تلهف على ما مضى، وظن أن المكان هو الذي أتى بهم بالضر، ونحو ذلك، بما يتضمنه كلامه. الشاهد: هذه المقالة استعمال لها على وجه الحسرة والتلهف على ما مضى، من سوء الأدب الذي صار صفة في المنافقين. وقوله: ﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ﴾. هذا أيضا من قول المنافقين، هذا أيضا من قول المنافقين، الذين يتخلفون عن القتال، وإذا حضروا القتال ندموا على حضوره، كما قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ﴾. ثم قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ﴾. لأنهم لو تخاذلوا ما كان يحصل لهم هذا القتل. هذا اعتراض على قدر الله سبحانه، هذا اعتراض على قدر الله سبحانه. «لو سمعوا مشورتنا وما لهم، اجلسوا، لا تخرجوا، اقعدوا، لا تقاتلوا، لو أنهم سمعوا مشورتنا ما قتلوا». هل هذا الظن صحيح؟ لو أنهم سمعوا مشورتنا: «لا تذهبوا إلى المعركة، لا تذهبوا ساحة القتال، لا تقاتلوا، لا تفعلوا»، لو أنهم فعلوا، هل كانت أعمارهم تطول؟ وهل كانوا ينجون من الموت؟ قال الله: ﴿ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾. هكذا قال الله: ﴿ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾، أي ادفعوا الموت الذي يهلككم. لو كان الموت عبارة عن أن من انتقل إلى مكان قتل، ومال، لو جلس في بيته ما قتل. ومال، الناس تموت في بيوتها. فالموت لا مدفع له، الموت لا مدفع له، سواء جلستم في رؤوس الجبال أو في بطونها، أو تحت الأرض، أو في رؤوس، أو على أبراج مشيدة. ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ﴾. ﴿ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾، يعني في هذه الدعوة: «لو أطاعونا ما قتلوا». لو كانت الدعوة صحيحة: «ادفعوا عن أنفسكم الموت، اجلس في بيتك، وإذا جاءك الموت رد الموت». فالجواب: لا تستطيعون. إذا أنت ميت، سواء في أرض المعركة، أم في منزلك، أم في بحرك، أم في برك، أنت ميت. وهذه حجة قاهرة. فلو كان القعود يطيل أعمارا، لطالت أعمار القاعدين في بيوتهم. لو كان القعود والتخلف يطيل أعمارا، لكان القاعدون في بيوتهم أطول الناس أعمارا، ولما مات أحد. لكن كما قال الله: ﴿ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾. هذا يستحمله كثير من الناس. قال أخي: «قلت له: لا تركب السيارة فتذهب». قال: «ركب السيارة ومات». «لو ما ركب السيارة ما مات». هذا نسمعه كثير من الناس. يظن أنه لو ما ركب السيارة يطيل باقي عمره يوما أو يومين. هل هذا الظن محله؟ الجواب: لهؤلاء يقال: ﴿ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾. أنت جالس في بيتك، لم تركب سيارة، فما بالك تموت؟ ما بال فلان وهو جالس في بيته يموت؟ الناس أعمارهم مقدرة، وآجالهم محدودة، فلا تدفعها حرص حريص، ولا يردها ذكاء ذكي. ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾. الشاهد: استعمال «لو» هنا على وجه الحسرة والتأسف. قالوا: يصح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «احرص على ما ينفعك»، على ما ينفعك في معاشك ومعادك. «احرص على ما ينفعك في معاشك ومعادك»، في أمور دنياك وأخراك. «احرص على ما ينفعك»، لا ما يضرك. ما يكون لك نافعا في دينك: كمجالس العلم، واستماع الهدى، والحرص على الخير، ونحو ذلك. أو في معاشك: كالبيع والتجارة، لا مانع. حرص على ما ينفعك، الذي يكون فيه نفعك، احرص عليه. رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله»، لأنه لا يحصل أمر إلا بالاستعانة بالله وحده لا شريك له. فالحرص مع الاستعانة يوجد الأمر. الحرص مع الاستعانة بالله يحصل المقصود بإذن الله. الحرص مع الاستعانة بالله، المقصود بإذن الله سبحانه. «استعن بالله»، أي اجعل معينك ومؤيدك وموفقك في أملك وعملك، سواء في دينك أو في دنياك. الله سبحانه وتعالى وحده. هذه عبادة عظيمة، كما قال تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾. فالاستعانة بالله واجبة وفريضة. اعمل السبب، ثم استعن بالرب. اعمل السبب، ثم استعن بالرب، ينجز لك أمرك، ويحصل لك المقصود. قال: «ولا تعجزن»، العجز ينافي الحرص، العجز ينافي الحرص، والعجز ينافي الاستعانة بالله سبحانه وتعالى. العجز أيضا ينافي الاستعانة بالله سبحانه وتعالى. والعاجز من اتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني. العاجز من اتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، كما في حديث شداد بن أوس عند الترمذي، سنده ضعيف ومعناه صحيح. العاجز من اتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني. سنده ضعيف ومعناه صحيح. العاجز من اتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني. جالس في بيته، نائم في النهار، ويحلم أن يكون من كبار الأغنياء، ويقول: «لو أن التراب الذي بجانب بيتي صار مالا، واشتريت عمارة، ومزرعة، وسيارة، وكذا وكذا»، وعند الظهر وهو في أحلامه، لا هو بالذي استيقظ، ولا هو بالذي يوجد مال. هذا العاجز من اتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني. ما معه إلا الأحلام، أحلام اليقظة، هذا عاجز. هل حمل مسحاته وخرج يعمل؟ هل خرج في الصباح الباكر يطلب ربه ورزقه؟ هل خرج يطلب العلم النافع؟ وهكذا من تعرض لرزق الله، لا، لا. أما العاجز من اتبع نفسه هواها، يعيش في أبراج من الأحلام، ويضيع له العمر، هذا مرض. قال: «ولا تعجزن، وإن أصابك شيء». لو أنك عملت بالأسباب، عندك حرص، وعندك استعانة بالله، ثم قدر الله وما نجحت، حصل لك ضرب، حصل كذا. اشتريت سيارة تكتسب عليها، استعنت بالله أن الله يعينك على أن تكون فيها بركة. قالوا: احترقت السيارة، انقلبت السيارة مثلا، أو حصل لك كذا أو كذا من الأمور، وأنت عملت بالأسباب، لم يحصل المطلوب ولا المقصود. ما موقفك؟ ما سبيلك؟ وأنت قد بذلت الجهد، وبذلت الوسع، واستعنت بالله. قالوا: «وإن أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا». فلا تقل: «لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا». هذا من سبيل الشيطان. لو أنك قلت هذا الكلام، هل ترد ماضيا؟ اجلس مع نفسك جلسة عاقل، مع نفسك، اترك العواطف جانبا، اجعل العواطف خارج البيت، وفكر كما يقال بعقل. أنت تقول: «لو أني اشتريت كذا ما كان كذا، ما كان كذا». هل هذا الكلام يعيد لك شيئا من مالك الذي قد ذهب؟ طيب، هل هذا الكلام بالمستقبل تجد منه نفعا وجدوى، يعيد لك شيئا؟ الجواب: لا. ما الفائدة؟ الفائدة: الحسرة في القلوب. هناك محاذير خطيرة: منها أنه تصيبه الحسرة في صدره، يتحسر ويسيء الظن بربه، يتحسر ويسيء الظن بربه سبحانه وتعالى، كما سيأتي معنا بعد باب، يسيء الظن بالله سبحانه وتعالى، ويتحسر، ويتكدر، ويحزن، وتصيبه الهموم والغموم والحسرات. فالعاقل يتجنب هذا، العاقل يتجنب هذا. قال: «فلا، وإن أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل». فكل كائن، من شر أو خير، هو بقضاء وقدر. كل ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. هذا الواجب عليك. الواجب التسليم. قل: «قدر الله»، أي هذا أمر قد قدره الله علي قبل أن أخلقه بخمسين ألف سنة، قبل أن تخلق بخمسين ألف سنة، مكتوب أن سيارتك تحترق، أو أن يموت لك ميت، أو أن تضيع كتبك، أو أنه يحصل لك كذا. قبل كم؟ قبل أن تخلق بخمسين ألف سنة. فهو آت لا محالة. هذا آت لا محالة. فاعتقد هذا، واستعن بالله، واحرص، وافتح صفحة جديدة، كما يقال. قال: «ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل». لا رد لقضائه سبحانه وتعالى، ولا معقبة لحكمه. حكمه العدل، وأمره الفصل، جل جلاله وتقدست أسماؤه. ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. فالواجب التسليم والرضى والصبر. الواجب التسليم والرضى والصبر. هذا الواجب. فإن استطعت أن تكون من الراضين، فتلك المنزلة العالية. والله، إن استطعت أن تكون من الراضين، فهذا من المنازل العالية التي لا ينالها إلا موفق. والرضى: أن لا يكون في قلبه اعتراض، بل يفرح بذلك، يفرح بذلك، ويقول: «قدر الله وما شاء فعل». وما أصابكم من مصيبة، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾. قدم كلام على هذا في باب سابق. الشاهد: الرضى أمره عظيم، يفرح بذلك، ويقول: «الله سبحانه ما قدر علي احتراق كذا، أو ذهاب كذا، أو موت كذا، إلا وفي هذا خير لي». هذه نعمة من الله سبحانه. «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات». هذه منزلة عالية، منزلة الرضى. فالرضى كمال، والواجب الصبر. الرضى كمال، والواجب الصبر. الصبر واجب، لكن الرضى هذا أكمل. أن يحمد الله ويشكره، ويعلم أن هذا خير عظيم له، أراده الله له، فهي نعمة، لكنك لا تشكر. ﴿ وَلَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾. لكن من يعرف هذا الكلام؟ من الذي يعرف أن هذا خير له في دينه ودنياه؟ من الذي يعرف؟ أهل الإيمان وأهل الرضى. قال: «فإن لو تفتح باب عمل الشيطان، تفتح باب عمل الشيطان بباب الندم والحسرة». «لو» تفتح باب عمل الشيطان بباب الندم والحسرة. فتراه يندب، ويتحسر، ويتسخط، ويحزن. وهذه أبواب شر، الواجب إغلاقها، هذه أبواب من الشر الواجب إغلاقها. ولا تجدي عليك شيئا، لا تعيد لك ماضيا، ولا تنفعك في حاضر. فالواجب عليك اجتناب هذا، الواجب عليك اجتناب هذا الأمر. كذلك هذا به إساءة أدب مع الله سبحانه. هذا أيضا من عمل الشيطان: إساءة الأدب مع جناب الرب سبحانه، وعلى قدره سبحانه. فهو يعترض على قدر الله: «إيش هذا الذي أصابه؟ لو أني ما فعلت كذا ما كان هذا حصل، لو كنت كذا ما كان كذا، لو كذا ما فعل كذا»، وهكذا. هذا دأب عمل الشيطان. الحوادث كلها مقدرة، والأمور كلها بيده سبحانه، وفعاله لا راد لقضائه، ولا معقبة لحكمه. فالاعتراض على القدر هذا نوع قدح في التوحيد. الاعتراض على القدر هذا نوع قدح في التوحيد، إذ صاحبه يظن أن المكانة أو البيعه هو السبب فيما جرى، هو الذي أفسد عليه سيارته أو تجارته أو ابنه، أو نحو ذلك من هذه الأمور. والجواب: هذا من عمل الشيطان، اعتراض على قدر الله. قل: «قدر الله وما شاء فعل». هكذا موقف أهل الصبر. فإن قلت بعد ذلك: «هذا خير لي»، يعلم الله ذلك، وأنا ما أعلم، لكن هذا خير لي، وهذا فيه نعمة عليه، فـ «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات». هذه درجة الرضا، وهذه أعلى وأكبر. فالمؤمنون لا يعجزون عن المأمور، ولا يجزعون عند المقدور. المؤمنون لا يعجزون عن المأمور، المؤمنون لا يعجزون عن المأمور، ولا يجزعون عند المقدور. وغيرهم قد يقع بالأمرين. قال: باب النهي عن سب الريح. قال المصنف رحمه الله: باب النهي عن سب الريح. هذا الباب من جنس الأبواب قبله، فيه رعاية الأدب مع جناب الرب جل وعلا. هذا فيه رعاية الأدب مع جناب الرب سبحانه وتعالى. فإن الريح مخلوق من مخلوقات الله، الريح مخلوق من مخلوقات الله، مدبر مسخر بأمر الله سبحانه وتعالى. فإذا حصل بهبوب الريح شر، إذا حصل بهبوب الريح شر، فهذا بأمر الله جل وعلا، لا بأمر الريح، ولا بذاتها. هذا ليس بذات الريح، هذا بأمر الله سبحانه وتعالى، وهو الذي جعل الريح سببا بهذا الأمر. والريح مخلوق من مخلوقات الله، مدبر بأمر الله. فإذا اعترضت وسببت الريح، وقلت: «لعنة الله على هذه الريح، أتلفت زرعي، خربت بيتي، أفسدت ماشيتي، حصلت منها كذا وكذا»، إنما أنت تعترض في الحقيقة على الآمر للريح بأن تفعل ما فعلته. أنت تعترض على الله جل جلاله، لا على الريح. فهي مدبرة مأمورة، لا تستطيع شيئا. الريح مأمورة من عند الله سبحانه، مخلوقة مدبرة. فسبك لها سب لله سبحانه وتعالى، لأنه الذي أمرها، ولأنه الذي قدرها وخلقها سبحانه وتعالى. وهذا الباب من جنس باب النهي عن سب الدهر. هذا الباب من جنس باب النهي عن سب الدهر. لكن هذا الباب أخص. فسب الدهر: سب الدهر لحوادث حصلت فيها، سواء كان بسبب الريح أو غيرها. لكن هذا خاص بالريح. وسب الدهر عام في جميع حوادث الدهر. هذا الفرق بين البابين. فذاك عام في كل حوادث الدهر، وهذا خاص بالريح، هذا خاص بالريح. قال المصنف رحمه الله: عنه أبي بن كعب رضي الله عنه، رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح، وخير ما فيها، وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أمرت به». صحيح. والتلميذ: الحديث صحيح. وهذا بدل حسن، بدل من أن تسب الريح، ارجع إلى رب الريح. بدلا من أن تسب الريح، ارجع إلى رب الريح. وهذا هو التوحيد: اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى، والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى. فهو الخالق للريح سبحانه وتعالى، وهو الآمر للريح جل جلاله، الذي بيده الأمر كله، لا يتخلف عن أمره أمر، لا يتخلف عن أمره شيء سبحانه وتعالى. فهذا تعلق برب الريح، هذا هو الواجب، هذا توحيد. «اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح»، السؤال لله وحده لا شريك له، فهو الخالق الرازق المدبر سبحانه. «وخير ما فيها»، «ونعوذ بك من شر هذه الريح»، فهو خالقها ورازقها، خالقها سبحانه، وآمرها ومدبرها سبحانه، فهو الذي بيده الأمر من قبل ومن بعد. وهذا باب عظيم، فيه الأدب مع جناب الرب. هذا فيه الأدب مع جناب الرب جل جلاله وتقدس أسماؤه. أدب به الأدب مع جناب الرب سبحانه وتعالى، وهو باب عظيم. وهذا الكتاب فيه هذه الأبواب النافعة، التي فيها قواعد، وفيها أصول جامعة، تكمل التوحيد، وتجنب المسلم من الشرك والتحريض. إن شاء الله تعالى نقف هنا. وغيرها، نبدأ الخامسة والربع إن شاء الله تعالى. فإذا كان لكم شيء، بل، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه.