الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 82، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يروي المقطع تفاصيل سرية الحرقات التي بعثها النبي صلى الله عليه وسلم بقيادة أسامة بن زيد، متضمنة خطبة الأمير وتنظيم الصفوف. أسفرت الحملة عن نصر مبين للمسلمين على العدو.
يشرح المقطع سبب تسمية عمرة القضية بالقضاء على المشركين لأدائها في العام التالي، لا لفساد الأولى. يذكر خروج النبي في ذي القعدة سنة سبع، زواجه بميمونة، وآداب السلاح والكشف عن المناكب.
يبيّن المقطع كيفيّة طواف القدوم مشتملاً على الاضطباع والرمل اقتداءً بالنبي لإظهار قوة المسلمين. يختم بأبيات عبدالله بن رواحة وخروج النبي من مكة بعد ثلاثة أيام.
يسرد المقطع تحقق وعد النبي لعمر بن الخطاب بدخول مكة والطواف بالبيت في عمرة القضاء سنة سبع بعد صلح الحديبية. ويشير المتحدث إلى ختام الدروس على أن يستأنف في مواعيد قادمة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم": "قال: بعثوا سرية إلى الحرقات". والحرقات هي موضع من جهينة، وكما تقدم أن السرية تختلف عن الغزوة؛ لأن الغزوة يكون فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما السرية فلا يكون فيها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: "ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى الحرقات من جهينة، فلما دنوا منهم... فلما دنوا منهم بعث الأمير الطلائع". وجاء في صحيح الإمام البخاري هذه السرية، وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر عليهم أسامة بن زيد، أمر عليهم أسامة بن زيد، ولم يذكر هنا المؤلف رحمه الله هذا الأمير لوجود خلاف بين العلماء، وكثير من العلماء يرون أن الأمير في هذه الغزوة ليس هو أسامة، والبخاري يرى أن الأمير هو أسامة، ولذلك ذكره في صحيحه. قال: "فلما دنوا منهم"، يعني قاربوا منهم، بعث الأمير الطلائع، والطلائع هي التي تطلع على خبر القوم. قال: "فلما رجعوا بخبرهم أقبل حتى دنى منهم ليلاً وقد هدأوا"، يعني قد ناموا ولم يوجد لهم حس. ثم قام، أي هذا الأمير، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال، أي لجنوده ورعاياه: "أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له، وأن تطيعوني ولا تعصوني، ولا تخالفوا أمري، فإنه لا رأي لمن لا يطاع". ثم رتبهم فقال: "يا فلان أنت وفلان"، يعني مع بعض لا تتفارق، "يا فلان أنت وفلان لا يفارق كل منكم صاحبه وزميله، وإياكم وإياكم أن يرجع أحد منكم"، يعني لا بد أن تكونوا متلازمين. وإياكم وإياكم، يحذرون أن يرجع أحد منكم، فأقول: أين صاحبك؟ فيقول: لا أدري. وإنما تأتي بخبره، إما أنه مثلاً مات أو انحاز إلى طائفة أخرى أو نحو ذلك، فلا تقول: لا أدري. "فإذا كبرتم فكبروا، وجردوا السيوف"، أي أخرجوها من غمادها. قال: ثم كبروا وحملوا حملة واحدة، وأحاطوا بالقوم، وأخذتهم سيوف الله، أي أن النصر كان لهذا القائد مع جنوده، فانتصر المسلمون على هؤلاء. قال: "عمرة القضية، ويقال لها كذلك عمرة القضاء". سميت القضية والقضاء لا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيها العمرة بمعنى أن العمرة الأولى فاسدة، لا، وإنما كما ذكر الحافظ بن كثير، كما ذكر الحافظ بن حجر رحمه الله، أنها سميت بعمرة القضية أو القضاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم قاضى فيها المشركين، بمعنى صالحهم فيها وأنه يعتمر من العام المقبل. وإلا فالعمرة الأولى التي نواها النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه منع منها، لم تكن فاسدة، وإنما تحلل منها النبي صلى الله عليه وسلم وذبح هديه، وهذا ما أمر الله عز وجل به: من اعتمر أو حج فمنع من الحج أو العمرة أن يتحلل من حجه أو من عمرته ولا شيء عليه، ويذبح هديه ولا شيء عليه. فهذا هو السبب الذي به سميت هذه العمرة بعمرة القضية أو عمرة القضاء. قال: "فلما كان في ذي القعدة من السنة السابعة"، الآن انتقل المؤلف رحمه الله إلى ذكر أحداث السنة السابعة، وقد انتهى من أحداث السنة السادسة من الهجرة. فقال: "فلما كان في ذي القعدة من السنة السابعة"، يعني مرت السنة، لأن صلح الحديبية كان في السنة السادسة، فمرت سنة كاملة، وجاء موعد هذه العمرة في ذي القعدة من السنة السابعة. قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمراً عمرة القضية، حتى إذا بلغ يأجج"، ويأجج مكان قريب من مكة يبعد ثمانية أميال كما ذكر ذلك المعلق. قال: "وضع الأداة كلها"، يعني أداة الحرب، إلا استثناء: إلا الحجف والمجان والنبل. الحجف هي الترس من الجلد، هكذا جاء في تفسيره، قالوا: له الحجف، فهذا مما استثنى النبي صلى الله عليه وسلم فأخذه معه. والمجان: ما يجتن به المقاتل، يعني ما يلبسه كالدروع ونحوها. قال: "والنبل": أي الذي يرمى به، ويكون يستخدمه الماشي، يستخدمه الماشي، والرماح كذلك. ودخلوا بسلاح الراكب: السيوف، يعني فقط، وباقي السلاح رموه ولم يأخذوا منه شيئاً. قال: "وبعث"، لأنه ما دخل مكة مقاتلاً، وإنما دخل معتمراً، فلذلك لا ينبغي أن يستعد لقتال؛ لأنه ما أراد القتال، إنما أراد الاعتمار. فلذلك أخذ من السلاح الشيء القليل والخفيف الذي يحمله الماشي، وأما ما يحمله الراكب فلم يأخذ إلا السيوف فقط. قال: "وبعث جعفر بن أبي طالب بين يديه إلى ميمونة بنت الحارث يخطبها، فجعلت أمرها إلى العباس، فزوجها إياه". فإذا نستفيد من هذا أن زواجه عليه الصلاة والسلام من ميمونة كان في السنة السابعة عند ذهابه لعمرة القضاء. قال: "فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يكشفوا عن المناكب ويسعوا في الطواف ليرى المشركون قوتهم"، وهو ما يسمى كشف المناكب، ما يسمى بالإضطباع. وهذا خاص بطواف القدوم لمن قدم إلى مكة، جعل سنة أن يطوف فيكشف منكبه الأيمن ويضع طرفي الرداء على منكبه الأيسر، هذا يسمى اضطباعاً، وهو خاص بهذا الطواف لفعل النبي صلى الله عليه وسلم عند قدومه إلى مكة في هذه العمرة. والعلّة من ذلك كما ذكر: ليرى المشركون قوتهم. وأيضاً مما يختص به هذا الطواف، طواف القدوم: السعي، السعي يعني أن يرملوا في طوافهم ويسرعوا، حتى لا يقول المشركون: إن حمى يثرب قد أوهنتهم وأضعفتهم، ويظهرون للعدو أنهم أقوياء، وأنهم لا يزالون على ما هم عليه في مكة عندما كانوا في مكة من القوة ومن كذلك المكنة ونحو ذلك. قال: "وكان يكايدهم بكل ما استطاع"، يعني يكايدهم بمعنى يريهم قوة الإسلام، وكذلك أن الإسلام عزيز، أن الإسلام عزيز. فوقف أهل مكة، يعني المشركين، الرجال والنساء والصبيان، ينظرون إليه وإلى أصحابه وهم يطوفون بالبيت، وعبد الله بن رواحة آخذ بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتجز يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله *** خلوا، فكل الخير في رسوله قد أنزل الرحمن في تنزيله *** في صحف تتلى على رسوله بأن خير القتل في سبيله *** يا رب إني مؤمن بقيله إني رأيت الحق في قبوله *** اليوم نضربكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله *** ضرباً يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله وهذه أبيات فيها إظهار قوة الإسلام وعزته. فقوله: "خلوا بني الكفار عن سبيله، خلوا، فكل الخير في رسوله"، يعني أن الخير كل الخير لمن ناصر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا لمن تخلى عنه. ثم: "قد أنزل الرحمن في تنزيله، في صحف تتلى على رسوله"، يعني في القرآن، ماذا الذي أنزل؟ "بأن خير القتل في سبيله"، يعني خير القتل من قتل في سبيل الله شهيداً. "يا رب، يا رب، إني مؤمن بقيله"، يعني أنني مؤمن بما يقوله الله عز وجل في كتابه. ثم قال: "إني رأيت الحق في قبوله، اليوم نضربكم على تأويله"، يعني نقاتلكم على تحريف القرآن، "كما ضربناكم على تنزيله"، ضربناكم يعني قاتلناكم عندما نزل وأبيتم قبوله، "ضرباً يزيل الهام عن مقيله"، يعني يزيل الجسد عن الرأس، "ويذهل الخليل عن خليله"، أي أنه ضرب شديد حتى الخليل، يعني الصاحب، يذهل عن صاحبه. قال: فأقام بمكة ثلاثة أيام، ثم أتاه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزة، فصاح حويطب: "نناشدك الله والعقد لما خرجت من أرضنا"، يعني اخرج من أرضنا، قد جلست ثلاثاً. قال: "فقد مضت الثلاث"، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا رافع فأذن بالرحيل. قال: "ثم دخلت السنة الثامنة"، أي بعد ثلاث رجع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأدى العمرة التي قال نبينا عليه الصلاة والسلام لعمر لما راجعه، ولما قال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم: "ألم تقل أننا نعتمر وندخل البيت ونطوف به؟" فقال له: "نعم، وهل قلت لك أنه هذا العام؟" قال: "لا"، قال: "فإنك داخل البيت ومطوف به". فهذا أمر تحقق، وكذلك وقع في السنة السابعة بعد سنة من صلح الحديبية. طيب، نكتفي بهذا ونكمل إن شاء الله في دروس قادمة. إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر