الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية 24، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المحاضر حديث النبي ﷺ للرجل طالب القول الجامع، مبيناً أن «آمنت بالله» يشمل الإيمان القلبي و«استقم» يقتضي العمل الظاهر، مستدلاً بآية العصر وكلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب على أركان الإيمان الأربعة. ويؤكد أن حرف «ثم» يفيد الترتيب والتراخي، فالعلم النافع والإيمان بالغيب يسبقان العمل الصالح، وهو منهج أهل السنة الذي سلكه الصحابة.
يبرز المقطع حرص الصحابة على سؤال النبي ﷺ سؤالاً جامعاً مانعاً، فأجابهم بأجمع الوصايا: الإيمان بالله ثم الاستقامة عليه. ويقرر أن الإيمان والعمل متلازمان لا يكمل الدين إلا بهما، فالأول محله القلب والثاني محل الجوارح، وهما أساس السعادة في الدارين.
يبيّن المحاضر أن الاستقامة تتناول القلب والجوارح، فالقلب يستقيم بالإيمان والتصديق، إلا أن إطلاق الاستقامة في الغالب ينصرف إلى أعمال الجوارح ولزوم الصراط المستقيم. ويختتم الشرح بتوضيح هذا المعنى المزدوج داعياً بالتوفيق من الله.
الحمد لله، وصلواتنا على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. وأشهَد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. بعد: قد وقفنا في الشرح عند الحديث الحادي والعشرين. قال الشيخ ابن العثيمين عليه رحمة الله: "قوله: (قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك)، يعني: قولا جامعا واضحا بينا لا أسأل أحدا غيرك فيه، يعني: قل لي قولا ما أحتاج لأن أسأل غيرك، فيكفي أن تقول لهذا القول فأكتفي به وألزمه". هذا معنى قوله: (قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك)، يعني: قولا جامعا واضحا بينا. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «قل: آمنت بالله، ثم استقم». فـ «آمنت بالله» هذا بالقلب، والاستقامة تكون بالعمل. فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم كلمتين تتضمنان الدين كله، تتضمنان الدين كله. فـ «آمنت بالله» يشمل إيمانا بكل ما أخبر الله به عز وجل عن نفسه، وعن اليوم الآخر، وعن رسله، وعن كل ما أرسل به، وتتضمن أيضا الانقياد. ولهذا قال: «ثم استقم»، وهو مبني على الإيمان. ما معنى هذا الكلام؟ معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم دله على الإيمان والعمل، دله على الإيمان والعمل. ويمكن أن نقول: دله على العلم والعمل؛ لأنه لا إيمان بدون علم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. فاستدل به العلماء، استدل بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على العلم، على العلم؛ لأنه لا إيمان بدون علم. فلذلك الشيخ محمد بن عبد الوهاب قال: "اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم تعلم أربع مسائل: العلم والعمل، والدعوة والصبر". فـ "الإيمان" المراد به العلم. ففي هذا الحديث: «قل: آمنت بالله» دليل على العلم، والإيمان يشمل العلم بكل ما يشمل الإيمان بالمغيبات: الإيمان بالله، وملائكته، ورسله، إلى غير ذلك. «ثم استقم»: أي ألزم هذا الإيمان بالعمل، ألزم هذا الإيمان بماذا؟ بالعمل. هذا هو المراد. قال: "وتتضمن أيضا الانقياد، ولهذا قال: ثم استقم، ومبني على الإيمان". ومن ثم قال: "ثم" الدالة على الترتيب؛ لأن "ثم" في اللغة العربية تدل على ماذا؟ على العطف مع الترتيب، لخلاف الواو؛ فإن الواو لمطلق العطف، مرتّب أو غير مرتّب. لكن "ثم" تفيد ماذا؟ الترتيب. فأولا الإيمان، ثم العمل. ولذلك قال الإمام البخاري: "باب العلم قبل القول والعمل". أولا العلم والإيمان، ثم بعد ذلك ماذا؟ العمل. ثم بعد ذلك العمل. قال: "ومن ثم قال: ثم الدالة على الترتيب، والاستقامة: لزوم الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين". ومتى بنى الإنسان حياته على هاتين الكريمتين فهو سعيد في الدنيا وفي الآخرة. إذا سلكت هذا المنهج: العلم والإيمان مع العمل الصالح، والاستقامة عليه، فهذا هو سبيل السعادة في الدنيا والآخرة، في الدنيا والآخرة. وهذا ما بعث به نبينا عليه الصلاة والسلام: العلم النافع والعمل الصالح. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾. ما هو الهدى؟ العلم النافع. وما هو دين الحق؟ العمل الصالح. فالمسلم إذا سلك في حياته هذين المسلكين فقد سعد في الدنيا والآخرة. «قل: آمنت بالله»؛ تعلم، وكذلك أدخل الإيمان إلى قلبك، ولا يكون ذلك إلا بالعلم. ثم اتبع هذا الإيمان بالعمل. هذه سعادتك: علم وعمل. وهذه دعوة أهل الحق، أهل السنة والجماعة: دعوة إلى العلم وماذا؟ والعمل. العلم والعمل. قالوا: في هذا الحديث فوائد. منها: حرص الصحابة رضي الله عنهم على السؤال عما ينفعهم في دينهم ودنياهم. فانظر هذا الرجل سأل هذا السؤال الذي انتفعت به الأمة جميعا، وهذا يدل على حرص الصحابة. قال: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك. سؤال من صحابي جليل رضي الله تعالى عنه، فهذا في حرص الصحابة على العلم وعلى السؤال. ومنها: عقل أبي عمرة، حيث سأل هذا السؤال العظيم الذي فيه الغاية، ويستغني عن سؤال أي أحد، حيث قال: قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك. فهذا دليل على رجحان عقله، وعلى ذكائه. سأل هذا السؤال الذي هو جامع مانع. وهكذا بعض الناس: الله عز وجل يعطيهم ذكاء وفطنة وتوقدا في الفهم، فيسأل الأسئلة النافعة التي ينتفع بها الجميع. فهذا الصحابي الجليل سأل هذا السؤال، وهذا دليل على رجحان عقله، وعلى ذكائه، رضي الله تعالى عنهم. ومنها: أنه أجمع وصية وأنفع وصية ما تضمن هذا الحديث: الإيمان بالله ثم الاستقامة على ذلك، بقوله: «آمنت بالله ثم استقم». لأن النبي صلى الله عليه وسلم اجتهد لهذا الصحابي في الجواب؛ لأن هذا السائل سأل عن شيء لا يسأل عنه أحدا غير النبي صلى الله عليه وسلم، فلا شك أن هذا الجواب جواب فيه فوائد عظيمة. فهو أجمع وصية وأنفع وصية: الإيمان والاستقامة على هذا الإيمان، وذلك بالعمل الصالح. ومنها: أن الإيمان بالله لا يكفي عن الاستقامة، بل لا بد من إيمان بالله واستقامة على دينه. فلا يكفي الإيمان بدون عمل، ولا العمل بدون إيمان، فهما متلازمان، فهما ماذا؟ متلازمان. ومنها: أن الدين الإسلامي بني على هذين الأمرين: الإيمان، ومحله القلب، والاستقامة، ومحلها الجوارح. وإن كان للقلب منها نصيب، لكن الأصل أنها في الجوارح، والله أعلم. فالاستقامة الغالب أنها تكون في الجوارح. فإذا رسخ الإيمان في القلب، وصلح هذا القلب، استقامت الجوارح. وكذلك يقال: إن القلب استقام؛ لأن بالإيمان يستقيم هذا القلب. لكن الغالب أن الاستقامة تطلق على أعمال الجوارح. هذا ما تيسر ذكره في شرح هذا الحديث، وبه نكتفي، والله تعالى أعلم.