الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 13، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يوضح المقطع القسم الثاني من محاورة أبي بكر لأبيه في قصيدة أبي إسحاق الإلبيري، حيث يعاتب الابن أباه على تقصيره في طاعة الله وطلب العلم رغم صحبة العلماء وكبر السن. ويستعرض الشارح معاني الأبيات مبينًا أنها مبالغة في اللوم لتحريك النفس، ويضرب مثالًا بندم العالم عبد الرحمن بن مهدي على عدم تدوين تفسير الأحاديث في زمن الطلب.
يتناول المقطع ندم كبار العلماء كابن مهدي وابن القيم على تقصيرهم في تدوين العلم والأخذ عن شيوخهم، مع توضيح قاعدة أن الراضي بالمنكر كفاعله. ويسرد سيرة أبي إسحاق الإلبيري في الغيرة على الدين ومحاسبة النفس.
يتناول المقطع أهمية محاسبة النفس ومقارنة حال العبد بحال السلف الصالح، مستشهدًا بكلام عمر بن الخطاب وأبي إسحاق الإلبيري. ويؤكد على وجوب الاستجابة لنداء القرآن والتوبة قبل حلول الشيب الذي يُعد نذيرًا بقرب الأجل، مستنكرًا قبح فعل الشيخ المتصابي.
يعلن المتحدث عن مواصلة شرح الكتاب في الجلسة القادمة، ويسأل الله الرحمة للمصنف والنفع بنصائحه. ويختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في هذه القصيدة النافعة التي فيها من النصائح الجامعة لا يستغني عنها طالب علم، ولهذا تداولها الأئمة والعلماء إلى زماننا هذا، وهي قصيدة أبي إسحاق الإلبيري الأندلسي المتوفى في حدود الستين بعد الأربعمائة للهجرة، أي قبل نحو ألف عام من يومنا هذا، عام ألف وأربعمائة واثنين وأربعين للهجرة، ولا زالت في ثوبها القشيب وفي معانيها النضة كأنها بدر تام بين أهلة، لحلاوة ألفاظها وجزالة سبكها وقوة معانيها. وكنا وقفنا في المحاورة التي عقدها هذا العالم الزاهد يخاطب نفسه على لسان من ينصحه من أول القصيدة، وهو ابنه أبو بكر، رحم الله الجميع. والمحاورة علم من علوم اللغة وآداب من آدابها معروف، والقرآن مليء بالمحاورات التي يكون فيها كلام وجواب واعتراض ثم جواب وهكذا. نحن الآن في القسم الأول من المحاورة، أو في القسم الثاني، وهي محاورة أبي بكر لأبيه، يقول رحمه الله تعالى: «وَهَا أَنَا لَمْ أَخُضْ بَحْرَا الْخَطَايَا كَمَا قَدْ خُضْتَهُ حَتَّى غَرِقْتَهُ، وَلَمْ أَشْرَبْ حُمَيَّا أُمَّ دَفْرٍ وَأَنْتَ شَرِبْتَهَا حَتَّى سَكِرْتَ، وَلَمْ أَنْشَأْ بِعَصْرٍ فِيهِ نَفْعٌ وَأَنْتَ نَشَأْتَ فِيهِ وَمَنْ تَفَعْتَ، وَلَمْ أَحْلُلْ بِوَادٍ فِيهِ ظُلْمٌ وَأَنْتَ حَلَلْتَ فِيهِ وَانْتَهَكْتَ، لَقَدْ صَاحَبْتَ أَعْلَامًا كِبَارًا وَلَمْ أَرَكَ اقْتَدَيْتَ بِمَنْ صَحِبْتَ، وَنَادَاكَ الْكِتَابُ فَلَمْ تُجِبْهُ، وَنَبَّهَكَ الْمَشِيبُ فَمَنْ تَبَهْتَ، وَيَقْبُحُ بِالْفَتَى فِعْلُ التَّصَابِي، وَأَقْبَحُ مِنْهُ شَيْخٌ قَدْ تَفَتَّى، وَنَفْسَكَ ذُمَّ لَا تَذْمُمْ سِوَاهَا لِعَيْبٍ فَهِيَ أَجْدَرُ مَنْ ذَمَمْتَ، وَأَنْتَ أَحَقُّ بِالتَّفْنِيدِ مِنِّي، وَلَوْ كُنْتَ اللُّبِيبَ لَمَا نَطَقْتَ، وَلَوْ بَكَتِ الدَّمَاعُ عَيْنَاكَ خَوْفًا لِذَنْبِكَ لَمْ أَقُلْ لَكَ قَدْ أَمِنْتَ، وَمَنْ لَكَ بِالْأَمَانِ وَأَنْتَ عَبْدٌ أُمِرْتَ فَعَصَيْتَ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أَطَعْتَ فَقُلْتَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَلَسْتَ تَخْشَى لِجَهْلِكَ أَنْ تَخِفَّ إِذَا وُزِنْتَ، وَتُشْفِقُ لِلْمُصِرِّ عَلَى الْمَعَاصِي وَتَرْحَمَهُ وَنَفْسَكَ مَا رَحِمْتَ، رَجَعْتَ الْقَهْقَرَى وَخَبَطْتَ عَشْوَى، لَعَمْرُكَ لَوْ وَصَلْتَ لَمَا رَجَعْتَ، وَلَوْ وَافَيْتَ رَبَّكَ دُونَ ذَنْبٍ وَنُوقِشْتَ الْحِسَابَ إِذَا هَلَكْتَ، وَلَمْ يَظْلِمْكَ فِي عَمَلٍ، وَلَكِنْ عَسِيرٌ أَنْ تَقُومَ بِمَا حُمِّلْتَ، وَلَوْ قَدْ جِئْتَ يَوْمَ الْحَشْرِ فَرْدًا وَأَبْصَرْتَ وَأَبْصَرْتَ فِيهِ لَهْفًا عَلَى مَا فِي حَيَاتِكَ قَدْ أَضَعْتَ، تَفِرُّ مِنَ الْهَجِيرِ وَتَتَّقِيهِ فَهَلَّا مِنْ جَهَنَّمَ قَدْ فَرَرْتَ، وَلَسْتَ تُطِيقُ أَهْوَنَهَا عَذَابًا، وَلَوْ كُنْتَ الْحَدِيدَ بِهَا لَذُبْتَ، وَلَا تُنْكِرْ فَإِنَّ الْأَمْرَ جِدٌّ وَلَيْسَ كَمَا حَسِبْتَ وَلَا ظَنَنْتَ». هذا هو القسم الثاني من المحاورة، وهي محاورة على لسان أبي بكر يوجهها إلى أبيه أو شيخه معاتبًا له، إذ عاتبه، والأمر كله كما قلنا محاورة، كاتبها وناظمها وقائلها واحد وهو أبو إسحاق، ولكنه يجعل نفسه موضع النقد فينقدها بأعظم ما يمكن أن يقوله ناقد، لو قيل لناقد: رد وانتقد ما أتى بمثل هذا ولا عشره، ولكن أبا بكر يجعل... ولكن أبا إسحاق رحمه الله جعل نفسه موضع ناقد لنفسه، وهذا يدل على زكاء نفسه وطهارتها، فإن النصح قبوله شديد، النصح قبوله شديد، ولهذا قال ابن المبارك: ما رأيت شيئًا أثقل على الناس في زماننا من قبوله من النصيحة، إذا نصح قامت نفسه وكبرياءه وشموخه يرفض تلك النصيحة أو يأبى سماعها لأنه يرى أنه قد نقصت درجته أو قد وجد ما يسقط مكانته، فهو يحامي عن ذاته ويحامي عن نفسه، هكذا هذا معنى قول ابن المبارك رحمه الله. رحمه الله، كيف بزماننا هذا الذي يحتاج العاقل فيه لا تواضع، وإلى نظر إلى نفسه نظرة اللوم والاتهام لا نظرة الإعظام والإكرام؟ لن ترى عيوبك إذا كنت تنظر إلى ذاتك ونفسك نظرة الكمال، أنت بشر تخطئ وتصيب، وتعلم وتجهل، وتذنب وتستغفر، فيك الخطأ، وفيك الأخطاء التي ينبغي أن تتغير وتتبدل. قرأنا شيئًا مما ذكره رحمه الله إلى قوله: «وَلَمْ أَنْشَأْ بِعَصْرٍ فِيهِ نَفْعٌ وَأَنْتَ نَشَأْتَ فِيهِ وَمَنْ تَفَعْتَ». ذكرنا فيما سبق أن هذا مبالغة في التقريع واللوم، هذا مبالغة في التقريع واللوم، والمعنى أنك قصرت، والمعنى أنك قصرت، «وَلَمْ أَنْشَأْ بِعَصْرٍ فِيهِ نَفْعٌ وَأَنْتَ نَشَأْتَ فِيهِ وَمَنْ تَفَعْتَ»، أي وقصرت في الانتفاع، هذا معنى ما يريده رحمه الله، والنفع في أصله حاصل، لكن الدرجة التي ينبغي لك أن تكون عليها هي أعلى من هذه الدرجة التي أنت الآن فيها، كان ينبغي أن يكون منزلك أعلى من هذا، إذن حصل منك شيء من التقصير. وما من عالم إلا ويندم على ما قصر فيه في زمن الطلب، ما من عالم إلا ويندم على ما قصر فيه في زمن الطلب، ما من عالم إلا ويندم على ما قصر فيه في زمن الطلب، لأنه حين يتكامل عقله ويكثر علمه يتذكر أمورًا فيندم: ليتني فعلت كذا، ليتني قرأت كذا، ليتني حفظت كذا، أو يقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت للزمت فلانًا وقرأت على فلان وحفظت كذا، هكذا في كتب العلماء، موجود في كتب العلماء موجود بكثرة، ولعل الله يسر بمجلس يذكر فيه نماذج من ندم العلماء. من ذلك مثلًا قول الإمام العالم الكبير الجَهْبَذ عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لكتبت تفسير كل حديث إثره». إلى آخر هذه جملة، وبقيت جملة أخرى أتركها لضيق الوقت. معنى هذا أنه حين كبر فنظر في دفاتره ومسموعاته، هذا قبل خمسين سنة، وهذا قبل أربعين سنة، وهذا قبل خمس وخمسين سنة على الشيخ فلان الذي قد مات وفلان، تذكر أمرًا كان أيام الطلب يغفله، كان في عنفوان شبابه رحمه الله حريصًا على حفظ الحديث وضبط الطريق وكتابة المتل، ويحضرون في مجالس العلماء الكبار في ذلك الزمان قبل نصف قرن أو أكثر، ربما في أثناء إلقاء الشيخ للحديث قال طالب: يا شيخنا ما الجمع بين هذا الحديث وحديث كذا؟ فيقول له: لا إشكال، معنا هذا الحديث كذا وكذا، سطر واحد. عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله في زمن الطلب مع سرعة الكتابة والحرص على السماع لا يكتب هذا، يقول: سأأخذه من كتب الفقهاء، سأقرأه في شروح العلماء، أنظره في كذا، الآن أريد أن أكتب السموع والأسانيد والمتون، وهكذا. ربما يأتي هذا العالم المحدث فيقول: ومعنى هذه اللفظة في هذا الحديث كذا وكذا، كلمتين ثلاث كلمات، ما في زيادة كلمتين أو ثلاث كلمات. الإمام عبد الرحمن بن مهدي يدون تارة وتارة يغفل، كبر في السن حتى بيض شعره وشاخ وهرم، فنظر في كراريس الطلب وإلى الأحاديث، فتذكر تلك المجالس وتذكر تعليقات شيوخه وندم، لو دار الزمان ما كان سيترك كلمة إلا كتبها، لو دار الزمان، لكن اليوم اليد ترتعش والقلم لا يكاد أن يملكه أن يقبضه قبضًا تامًا، وقد انحنت أعضاؤه وبعفت قواه. «لو استقبلت» قال هذه الكلمة وإسنادها صحيح: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لكتبت تفسير كل حديث إثره». النماذج كثيرة من هذا النوع وهو من لطيف العلم، النماذج كثيرة. وها هو الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته يذكر فيها في الرد على المعطلة والجهمية فصولًا عظيمة في مناقشتهم، إلى أن وصل إلى مناقشتهم في أسماء الله تعالى وما بعد ذلك، إلى أن قال رحمه الله مبينًا أن هذه الردود التي تقرأها الآن في هذه المنظومة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية: «علوم... علوم...» هذه المقدمة مأخوذة عن شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله، فيقول: «وإذا أردت مصارع الأقوام... وإذا أردت مصارع... وإذا أردت مصارع من خلى من أمة التعطيل والكفران، فقرأت صانيف الإمام حقيقة شيخ الوجود العالم الربان»، ثم ذكر كتب ابن تيمية: درء التعارض، منهاج السنة، إلى أن ذكر من الكتب حتى وصل إلى كتاب الاستقامة لشيخ الإسلام ابن تيمية، طبع في مجلدين، والظاهر أنه ناقص، طبعه الدكتور محمد رشاد سالم رحمه الله، إلى أن قال: «وقرأت أكثرها عليه فزادني والله من علم ومن إيماني هذا، ولو حدثت نفسي أنه قبلي يموت... ولو حدثت نفسي أنه قبلي يموت لكان شأنًا ثانيًا». ندم ابن القيم في هذا الموضع، فيه ندم من ابن القيم، قرأ على ابن تيمية الكتب كتبًا، يقول: «وقرأت أكثرها عليه فزادني والله من علم ومن إيماني هذا، ولو حدثت نفسي أنه قبلي يموت»، أي لو فكرت أن هذا الرجل قد يذهب لكنت أكتب، لكنت أكمل قراءة هذه الكتب والردود العظيمة عليه فأزداد من العلم، لكني حدثت نفسي أن الله سيطيل في عمره، وربما أموت قبله، هكذا يقول في كلامه: «ولو حدثت نفسي أنه قبلي يموت لكان شأنًا ثانيًا». هذا فيه ندم على هذه الفرص التي جاءت. قلنا: ما من عالم، ما من عالم إلا ويندم على شيء من التقصير في زمن الطلب. قال رحمه الله: «وَلَمْ أَنْشَأْ بِعَصْرٍ فِيهِ نَفْعٌ وَأَنْتَ نَشَأْتَ فِيهِ وَمَنْ تَفَعْتَ، وَلَمْ أَحْلُلْ بِوَادٍ فِيهِ ظُلْمٌ وَأَنْتَ حَلَلْتَ فِيهِ وَانْتَهَكْتَ». الظاهر أن المراد أنك لم تأمر بالمعروف ولم تنه عن المنكر في بعض المواضع، فلحقك شيء من التقصير في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكأنك من جملة الفاعلين للمنكر، وإن لم تباشر فعل المنكر، لأن القاعدة عند أهل العلم، القاعدة عند أهل العلم: أن الراضي بالمنكر كفاعل حكمًا، الراضي بالمنكر والمقر له، فضلًا عن الفرح به، هو كالفعل في الإثم، وهذا له أدلة كثيرة، منها ما جاء في القرآن الكريم من عقوبة الله عز وجل لقوم ثمود حين ذبح الناقة، ثمود حين ذبح الناقة، ذكر الله في آيات: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، فقال لهم رسول الله: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾، قال الله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾، مع أن العاقر واحد، ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، ثم قال بعدها بآية أو آيتين: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾، والعقر حاصل من واحد، قال المفسرون: وهذا لأنهم كانوا راضين بما فعله قدار بن... بن سالف بن... هكذا ذكر المفسرون، فنسب الله عز وجل فعل العاقر إليهم جميعًا مع أن العاقر شخص واحد، فصار الذنب ذنب الجميع. الإمام أبو إسحاق الإلبيري رحمه الله، من قرأ سيرته عرف أنه من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، أهل الغيرة الشديدة رحمه الله، ولهذا ذكرنا في مقدمة هذا الشرح في أول هذه الدورة ما جرى منه حين ولّى أمير قرطبة وزيرًا يهوديًّا، ابن النغْرِلة، هكذا سموه ابن النغْرِلة، فغضب أبو إسحاق وكتب قصيدته إلى صنهاجة: «أسد العرين»، قصيدة في نحو 150 بيتًا تقريبًا طويلة، يأمرهم بأن يقتلوا هذا اليهودي الذي صار عزيزًا، بيته عالٍ وبيوت المسلمين دونه، الذي صار اليهود يعتزون بأنه الوزير الأول في الدولة بعد أن كانوا يحملون القمائم أذلة صاغرين، صاروا في عزة، فثار أهل الغيرة وقتل هذا الرجل، قتلته قبيلة صنهاجة. قصيدة لعلنا نقرؤها يوم من الأيام، نقرأ بعض أبياتها، شاهد أن مثل هذا الرجل في هذه النفسية مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحاسب نفسه محاسبة شديدة، فربما اتهم نفسه بالتقصير، فقال مثل هذا البيت، متهمًا نفسه بالتقصير، وقد يكون معذورًا لأنه ليس من الراضين، نحسبه. «وَلَمْ أَحْلُلْ بِوَادٍ فِيهِ ظُلْمٌ وَأَنْتَ حَلَلْتَ فِيهِ وَانْتَهَكْتَ»، مبالغة، والرجل في سيرته أنه من الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، لكنه في شأن العباد الزهاد أنهم لشدة محاسبتهم لأنفسهم ربما لاموا أنفسهم على مواقف قد يكونون معذورين عند الله، قد يكون في أول عمره وهو بشر أخطأ، قد يكون هو بشر ثم تاب واستغفر، ليس معصومًا، وقد يكون وهو الاحتمال الأظهر والله أعلم أن هذا من شدة المحاسبة، مثل ما يأتي الإنسان فيقول لعمله: ماذا صنعت؟ أنا لم أصنع شيئًا، وهو صنع أشياء كثيرة، أو يأتي إلى رجل صنع شيئًا لكنه لم يتقنه فيقول له: ما صنعت كبيرًا شيئًا، ويأتي فيجد الولد يعق أباه فيقول: ليس بولده، وليس معناه أنه ابن زنا، لكن المعنى أنه ليس بولد له في البر والإحسان والعطف على أبيه، هذا معنى. «وَلَمْ أَحْلُلْ بِوَادٍ فِيهِ ظُلْمٌ وَأَنْتَ حَلَلْتَ فِيهِ وَانْتَهَكْتَ»، قلنا يحتمل أنه بأول أمره، يحتمل لكن الأظهر أنه من باب المحاسبة، يحتمل أنه عرف من نفسه وقوعًا في الذنوب أو المعاصي ثم تاب منها ونجم وأناب وأصلح أمره، فذكر نفسه بذنوب قديمة قد عفى عليها الزمن ليكرر التوبة مرة أخرى ويكرر الندم مرة أخرى على فعل الذنب، ويحتمل أنه من باب المبالغة في الإنكار على النفس، مثل الذي يقول: أخ شان يحبط عملي، وقول أمير المؤمنين عمر: ليتني أحشر كفافًا لا لي ولا علي، مع أنه من العاملين العابدين الصالحين، يتهم نفسه بالقصور وكأنه قد فعل أعظم الذنوب. «لَقَدْ صَاحَبْتَ أَعْلَامًا كِبَارًا وَلَمْ أَرَكَ اقْتَدَيْتَ بِمَنْ صَحِبْتَ»، هذا البيت تذكير له بأيام طلبه للعلم، وذكرنا أن الإمام أبا إسحاق الإلبيري رحمه الله قد لازم إمامًا عظيمًا من أئمة السنة في بلاد إلبيرة بقرطبة، وهو الإمام محمد بن عبد الله الإلبيري المعروف بابن أبي زمنين، صاحب كتاب أصول السنة، متوفى سنة تسع وتسعين وثلاثمائة للهجرة، بين وفاته ووفاة أبي إسحاق نحو ستين سنة، وهذا يدل على أنه لازمه في نحو العشرين من عمره أو أكثر قليلًا أو أقل، وهذا الإمام أحد أئمة السلفية في ذلك الزمن، له كتاب أصول السنة، كتاب نافع جليل. «لَقَدْ صَاحَبْتَ أَعْلَامًا كِبَارًا وَلَمْ أَرَكَ اقْتَدَيْتَ بِمَنْ صَحِبْتَ»، هذا أيضًا نوع محاسبة للنفس، هذا نوع محاسبة للنفس، أينظر... أينظر إلى فعلك وفعل شيوخك، قارن بين حالك وحال أولئك السادة الأخيار، فإنك سترى نفسك من المقصرين، وربما ترى أنك من المفرطين. «وَنَادَاكَ الْكِتَابُ فَلَمْ تُجِبْهُ، وَنَبَّهَكَ الْمَشِيبُ فَمَنْ تَبَهْتَ»، أي قرأت القرآن وقرأت زواجر وأوامر الآمرة الناهية، فهل عملت بأوامر الله؟ أين أنت من العمل بالقرآن في أوامر الله أو في اجتناب نواهيه؟ حاسب نفسك وانظر قولك وفعله، قارن بينهم. ناداك الكتاب بالتوبة النصوح وأن باب التوبة مفتوح وإن عظم الذنوب: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾، ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾، ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. «وَنَادَاكَ الْكِتَابُ فَلَمْ تُجِبْهُ»، بلى قد جاءتك آياتي، ونبهك، وناداك الكتاب فلم تجبه، بلى قد جاءتك آياتي وناداك الكتاب فلم تجبه، بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت، «وَنَبَّهَكَ الْمَشِيبُ فَمَنْ تَبَهْتَ»، المشيب يبدأ في الكهولة بعد الأربعين ثم يزداد حتى يصير الشيب هو العصل، «وَنَبَّهَكَ الْمَشِيبُ فَمَنْ تَبَهْتَ»، وهذا يدل على زوالك وعلى ضعفك وعلى أنك ميت قريبًا، رسالة الشيب رسالة لك أن تعيد النظر في أمرك، ولهذا يقول الله جل وعلا جاعلًا طول العمر حجة على الإنسان، طول العمر حجة على ابن آدم، قال الله بعد أن ذكر معاتبة... معاتبة الكفار: ﴿أَوَلَمْ نُمَتِّعْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾، قيل النذير هو الشيب، وقيل النذير هو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ﴿أَوَلَمْ نُمَتِّعْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾، احتج عليهم بالأعمار التي يتذكر فيها المتذكر وينتفع بها المنتفع ويعيد النظر فيها من أراد الله له الهداية وأراد له العافية وأراد له السلامة. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى امْرِئٍ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً»، أي زال العذر عن هذا الإنسان إذ وصل إلى ستين سنة، قامت حجة عليه، هي الحجة العمرية، «أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى امْرِئٍ» أي قطع عذره وأزال اعتذاره بما يعتذر... بما يعتذر، «أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى امْرِئٍ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً». «وَنَادَاكَ الْكِتَابُ فَلَمْ تُجِبْهُ وَنَبَّهَكَ الْمَشِيبُ فَمَنْ تَبَهْتَ»، الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفًا وشيبة، شيبة في بعض القراءات بضم الشين، ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾، نزول حتى لا يستطيع أن يقوم إلا أن يأتي من يعينه على القيام، كما كان طفلًا صغيرًا يعينه أبواه أو نحوهم على أن يقف وهو يضطرب يمنة ويسرة أو يحبو. «وَنَبَّهَكَ الْمَشِيبُ فَمَنْ تَبَهْتَ»، «وَيَقْبُحُ بِالْفَتَى فِعْلُ التَّصَابِي، وَأَقْبَحُ مِنْهُ شَيْخٌ قَدْ تَفَتَّى»، هذا البيت من الأبيات العظيمة التي فيها التقريع الشديد لنفسه رحمه الله، «وَيَقْبُحُ بِالْفَتَى فِعْلُ التَّصَابِي»، والتصابي والتصابي من الصبوة، التصابي من الصبوة وهي اللهو والغزل، اللهو والغزل، وهي أيضًا جهالة الفتوة، هكذا قال أهل اللغة، «وَيَقْبُحُ بِالْفَتَى فِعْلُ التَّصَابِي»، أي لو كان فتى يتظاهر بالعشق والغرام ويتغزل بالنساء ويفعل أفعال الفساق لكان ذلك مشينًا لذلك الفتى وهو شاب في أول شباب، يكرهه الناس ويذمونه ويكرهونه لأنه فعل أفعالًا قبيحة، يرى امرأة في طريق فيتبعها البصر، وربما أصدر أصواتًا من فمه كالصفير نحوه، أو ربما تبعها فآذاها أو نحو ذلك، الناس يكرهون مثل هذا وهو فتى شاب في أول شباب، «وَيَقْبُحُ بِالْفَتَى فِعْلُ التَّصَابِي»، ثم قال رحمه الله: «وَأَقْبَحُ مِنْهُ شَيْخٌ قَدْ تَفَتَّى»، أقبح من هذا في نظر الناس رجل كبير، رجل كبير في السن قد سرى الشيب في عارضيه ومفرقه، ويفعل أفعال الفتيان المذمومة، يفعل أفعال الفتيان المذمومة التي تدل على قلة العقل وعدم الحياء. هذا الوزن «تَفَتَّى»، هذا الوزن تفعل انفعال من الفتى، لما ذكر الفتى قال تَفَتَّى، لما ذكر الفتى قال تَفَتَّى، وهذا الوزن في علم الصرف كما هو معلوم وزن تَفَعَّل له خمسة معاني، منها التكلف في فعل الشيء، من معاني وزن تَفَعَّل التكلف في فعل الشيء مع شدة هذا الفعل على الفاعل وصعوبته عليه، من معاني وزن تَفَعَّل الدلالة على تكلف فعل الشيء مع شدته وصعوبته على الفاعل، تقول: تَصَبَّرَ، تَصَبَّرَ، هذا الوزن يدل على أنه ليس بصابر أصلًا لكنه تَصَبَّرَ، أي أخذ بزمام نفسه فأحجمها وصبرها، وتكاد أن تنفلت منه لكنه يأخذ بأزمتها فيربط نفسه بقوة حتى لا يصنع شيئًا لا يليق، تَصَبَّرَ، تَصَبَّرَ، تقول أيضًا: تَحَلَّمَ، أي فعل فعل الحليم لكن ليس من طبعه الحلم، لكنه تَحَلَّمَ، أي حصل له من الجهل أو من الاعتداء ما يوجب فعل عظيم من العظائم، لكن هذا الرجل في هذا الموضع تَحَلَّمَ، أي صار يتخلق بكلفة وتعب وصعوبة أن يتخلق بأخلاق الحلم. لازلنا في هذا البيت وبقي فيه تتمة نعيدها إن شاء الله في غد، هذا وأسأل الله أن يرحم المصنف وأن ينفعنا بنصائحه، وصل الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.