الدرس في كتاب الطهارة 17، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اختلف الفقهاء في نجاسة المني، فذهب الشافعي وأحمد إلى طهارته واكتفاء الغسل تقديراً، بينما رأى أبو حنيفة ومالك نجاسته فاشترطا غسل الرطب بالماء وتطهير اليابس بالفرك أو الغسل. يعكس هذا الخلاف تنوع الاجتهادات في تحديد حكم المني وطريقة تطهيره.
ناقش العلماء نجاسة الماء الذي وقعت فيه نجاسة كالفأر المتفسخة، وفصلوا المذاهب الأربعة في مقدار الماء ونوعه ومدى وجوب إعادة الصلاة. وبرز قول لأحمد اختاره ابن القيم بأن القليل غير المتغير لا ينجس.
بين المقطع أن الميتة إذا وقعت في مائع أو جامد فغيّرته حرم استعماله، وإن لم تغيّره جاز بعد إخراجها وما حولها. كما أوضح أن زيادة «المائع والجامد» في حديث أبي هريرة شاذة وضعيفة، والصحيح الاقتصار على ذكر السمن.
ذكر النبي ﷺ أمراً بإلقاء الشيء وما حوله وأكل السمن، وبين أن زيادة «إن كان مائعاً» في الحديث غير ثابتة. يؤكد ذلك ضعف الزيادة وعدم الاعتماد عليها في الأحكام.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى، الشيخ الحلي -أو المحلي- قال رحمه الله: يطهر المني اليابس بالفركة عند أبي حنيفة، وقال مالك: يغسل رطباً كان أو يابساً. وهم يرون نجاسته. وأما أحمد والشافعي فيرون أن المني طاهر كما تقدم. المني عند الشافعي وأحمد طاهر، فلذلك كان غسله أو لم يغسل، لكن يغسل كما قال ابن عباس رضي الله عنه: «يغسل كما يغسل المخاط»، من باب التقدير، وليس هو بنجس. وما يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم يصبح وفي ثوبه مني، فقالت عائشة رضي الله عنها: «كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كان يابساً»، ولم يأتِ أمر من النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فهذا يدل على جواز هذا الأمر، أي أنه ليس بنجس وإنما هو طاهر، لكن يغسل من باب التقدير فقط. فأما أبو حنيفة ومالك فرأيا أنه نجس، فقال أبو حنيفة: يطهر المني إذا كان يابساً بالفرك، وإذا كان رطباً بالماء. وقال مالك: يغسل رطباً كان أو يابساً. ومن ناحية الدليل، هو موافق لأبي حنيفة إذا قلنا بنجاسته، لأنه قد جاء ذلك صريحاً عن عائشة في الصحيحين. وأما غسله فهذا أيضاً من باب غسل النجاسة، سواء كانت رطبة أم يابسة، فهذا قول مالك. ومن ناحية الدليل فهو أقرب إلى قول أبي حنيفة، لكن كما قلنا: الصحيح أنه ليس بنجس. قال: إذا وقعت فأرة في بئر وتفسخت، وقد توضأ بمائها، أعاد ثلاثة أيام عند أبي حنيفة، وإلا فصلاة يوم وليلة. وقال الشافعي وأحمد: إن كان الماء قليلاً أعاد ما ظنه أنه توضأ منه بعد الوقوع، وإن كان كثيراً ولم يتغير لم يعد. وقال مالك: إذا كان معيناً ولم يتغير فلا يعيد، وإن كان غير معين ففيه قولان. والمعين معناه: عين تمشي وتجري، وإما أن كان راكداً فقال فيه قولان. وأحمد أيضاً له قول آخر في مسألة الماء الذي لاقته نجاسة وهو قليل، قول لأحمد اختاره شيخ الإسلام ابن قيم، وكذلك بعض أئمة الحنابلة أيضاً قالوا: بأنه إذا كان قليلاً ولم يغيره أيضاً لا ينجس. قد تقدمت هذه المسألة في بداية الكلام على المياه ووقوع النجاسات فيها. فإذا وقعت فأرة في بئر، أو وقعت فأرة في سمن، أو وقعت فأرة في -أو شيء من هذه الحيوانات الميتة وقع في سائل- فإن كان غير هذا السائل فهو لا يجوز استعماله، كان ماء أو غير ماء. وإن لم يغيره فيجوز استعماله، وتخرج هذه الميتة وما حولها، كما جاء في حديث أبي هريرة. وأما زيادة «المائع والجامد» في حديث أبي هريرة، فزادها معمر في روايته عن الزهري، وزادها الليث. والظاهر أن الليث قد يكون أخذها من بعض أصحاب معمر، أو أخذها من معمر، فلذا فزيادته غير صحيحة. وقد قال الإمام البخاري بشذوذها، وكذلك أبو حاتم وأبو زرعة قالوا بشذوذ هذه الزيادة وأنها غير صحيحة، وإنما زادها معمر في روايته. وذكرت أيضاً في رواية سفيان بن عيينة، زادها بعض أصحابه. لكن أثق الثقات الذين رووا الحديث عن سفيان -أحمد وابن المديني وغيرهم- رووا ولم يذكروا هذه الزيادة. فالصحيح أن الميتة إذا وقعت في سائل، فإن غيرت هذا السائل فلا يجوز استعماله، وإن لم تتغير -وإن لم تغير شيئاً- فيجوز استعماله بعد إخراجها وما حولها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل في الفأرة تقع في السمن: «ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم». وقال عليه الصلاة والسلام: «ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم». وأما كما قلنا: زيادة «إن كان مائعاً» فهذه زيادة غير صحيحة. طيب، هذا ما يذكر في هذه المسألة، والله تعالى أعلم. شكراً.