الدرس في كتاب الجنايات 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
ذكر القاضي أبو شجاع الأصفاني المنافع التي تكمل بها دية النفس، وهي الكلام والبصر والسمع والشم والعقل والذكر والأنثيين. إذا جني على الإنسان وذهب شيء من هذه المنافع فله الدية كاملة أو نصف الدية حسب الحالة.
دية الأعضاء والمنافع تُحدد بناءً على نوع الضرر، وتختلف باختلاف العضو أو المنفعة المتضررة. الدية الكاملة أو النصفية تُفرض حسب الحالة، وأصابع اليدين والقدمين والأسنان لها ديات محددة.
شرح تفصيلي لأنواع الجنايات ودياتها، مثل الجائفة والمأمومة والمنقلة والهاشمة، وتوضيح مفهوم الحكومة في الجنايات التي لا تجب فيها الدية. ثم ختم الدرس بالدعاء للنبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، والآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال القاضي أبو شجاع الأصفاني رحمه الله في كتابه «الغاية والتقريب» المشهور مثل أبي شجاع: قال في ذكره لما تكمل به دية النفس: قال «وذهاب الكلام، وذهاب البصر، وذهاب السمع، وذهاب الشم، وذهاب العقل، والذكر، والأنثيين». بعد أن ذكر الأعضاء التي تكمل بها دية النفس من اليدين والرجلين والأنف والأذنين والعينين والجفون الأربعة واللسان والشفتين، ذكر أن الدية كذلك تكمل في ذهاب المنافع. قال «وذهاب الكلام»، الكلام منفعة، فإذا جني على الإنسان، اعتدي عليه فضرب حتى ذهبت عنه منفعة الكلام، أصبح لا يتكلم، ففيه الدية. جاء عند البيهقي في الحديث: «وفي اللسان الدية إذا منع الكلام»، لكن هذه الرواية بهذا اللفظ لا تصح، ففيها راويان متروكان. لكن أدلة القياس الصحيح على أن المنفعة إذا ذهبت ففيها الدية كاملة، كما سيأتي معنا في البصر والسمع وغيرها. وكذا يقال أيضا في منفعة الكلام، إذا جني على الإنسان حتى ذهب عنه الكلام وأصبح لا يتكلم، فإن له الدية كاملة. قال «وذهاب البصر»، يعني إذا جني عليه في عينيه حتى ذهب بصره، فصار أعمى، فله الدية كاملة. قال «وذهاب السمع» كذلك، إذا جني عليه في أذنيه فضرب مثلا حتى أصبح لا يسمع، فله الدية كاملة. وقد جاء في حديث عمرو بن حزم قال: «وفي السمع إذا ذهب الدية تامة». وجاء عند البيهقي في حديث معاذ: «وفي البصر الدية، وفي السمع الدية». ونقل الإمام المنذر الإجماع على ذلك، نقل الإجماع على وجوب الدية في ذهاب السمع والبصر. قال «وذهاب الشم»، ذهاب الشم يعني إذا ضرب في أنفه، اعتدي عليه في أنفه، الأنف موجودة، لكن حاسة الشم ذهبت، أصبح لا يشم، فكذلك له الدية؛ لأن هذه منفعة، فإذا زالت كانت له الدية كاملة. وإذا أصبح لا يشم بواحدة، يعني بواحدة وتعطلت، فله نصف الدية. قال «وذهاب العقل»، ذهاب العقل ضرب إنسان في رأسه حتى زال عقله، أصبح مجنونا بسبب هذه الجناية، فله الدية كاملة. وهذا كذلك، فيه الإجماع، نقله المنذر رحمه الله. وقد جاء في حديث عمرو بن حزم: «وفي العقل الدية». قال «والذكر» كذلك، إذا جني عليه في ذكره فقطع، فله الدية؛ لأنه عضو له منفعة، فله الدية كاملة. قال «والأنثيين»، الأنثيين يعني البيضتين أو الخصيتين، إذا جني على الإنسان فيهما، فله الدية. وإذا جني على واحدة، فله نصف الدية. والبيضتين لهما منفعة من حيث حصول التلقيح وحصول التناسل، فإذا تعطلتا، فله الدية كاملة. وفي حديث عمرو بن حزم قال: «وفي الأنثيين الدية». أيضا ذكر الذكر، وفي الحديث «وفي الذكر الدية إذا قطعت». نعم، إذا قطع، ففيه الدية، ولو ضرب مثلا فأصبح الذكر لا ينتشر، تعطلت منفعته، فيه الدية كذلك. كل منفعة إذا تعطلت، ففيها الدية. نعم، حتى الشعر، كل شعر فيه الدية: شعر الرأس، وشعر اللحية، وشعر الحاجبين، وشعر الأهداب التي في العينين، الأربعة فيها الدية. ثبت هذا عن علي وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهما: «أن في الشعر الدية». طيب، إذا جني على الإنسان في أكثر من منفعة، جني على إنسان فذهب سمعه وبصره وتعطل نكاحه وذهب عقله، تجب على كل واحدة من منافع الدية له أربع ديات: دية للسمع، ودية للبصر، ودية للعقل، ودية للنكاح. تجب له أربع ديات، وصح هذا عن عمر رضي الله عنه: أنه قضى في رجل ضرب رجلا فذهب سمعه وبصره ونكاحه وعقله بأربع ديات. اليد عرفنا أن اليد فيها نصف الدية. طيب الأصابع، أصابع اليدين والقدمين فيها الدية. أصابع اليدين العشرة فيها الدية، وأصابع القدمين فيها الدية. وفي كل أصبع عشر دية، عشر من الإبل في كل أصبع. نعم، في حديث عمرو بن حزم قال: «وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل»، ولا فرق بين الأصابع بين كبيرة وصغيرة، كلها سواء. قال ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هذه وهذه سواء»، يعني الخنصر والإبهام. طيب، إذا كان في الإنسان أصبع زائدة، بعض الناس يكون عنده أصبع زائدة في الطرف، في الكف، يقولون هذه الأصبع الزائدة فيها حكومة. طيب، أنامل الأنامل، الأصبع فيه ثلاث أنامل، إلا الإبهام، فيقول الواجب في كل أنملة ثلث عشر دية، يعني ثلاث من الإبل وثلث. إلا الإبهام، ففي كل أنملة نصف عشر دية، خمس من الإبل في كل أنملة. طيب، الضفر إذا أزيل، قال ابن العباس رضي الله تعالى عنهما: «فيه خمس دية الأصبع»، ولم يرفع له مخالف من الصحابة. قال «وفي الموضحة والسن خمس من الإبل»، الموضحة هنا هي الجارحة التي توضح العظم، تصل إلى العظم فتوضحه، تقطع الجلد وتصل إلى العظم. الموضحة هذه فيها خمس من الإبل، لحديث عمرو بن حزم. قالوا: «وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل». وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: «وفي السن خمس من الإبل، وفي المواضح خمس من الإبل». قال «والسن خمس من الإبل»، كذلك السن، في كل سن خمس من الإبل، لهذا الحديث حديث عمرو بن حزم «وفي السن خمس من الإبل»، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «وفي السن خمس من الإبل». ولا فرق بين الأسنان، سواء الناب أو الثنايا أو غيرها، كلها سواء. قال ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الأسنان سواء، الثنية والرباعية سواء». قال «وفي كل عضو لا منفعة فيه حكومة»، كل عضو لا منفعة فيه حكومة. كيف لا منفعة فيه؟ يعني عضو معطل كاليد المشلولة أو القدم المشلولة ونحو ذلك. الأصبع الزائدة هذه فيها حكومة، العين المعطلة التي لا يرى بها ولا يصر بها فيها حكومة. وكل جارحة كما سيأتي، ليس فيها شيء من الدية، ففيها حكومة. الحكومة أن يقدر هذا المجني عليه عبدا لا جناية فيه، يقدر عبدا، ثم يقوم وبه هذه الجناية، يقوم بهذه الجناية وقد برئت، فما نقص، فله مثله من الدية. قال الإمام القدامي رحمه الله في المغني: «لا نعلم خلافا أن هذا هو تفسير الحكومة»، يقدر المجني عليه أنه عبد لا جناية فيه، ثم يقدر وبه جناية وقد برئت، ينظر الفارق بين قيمته وهو سليم وبين قيمته وهو فيه جناية، هذا الفارق هو الواجب الذي يعطاه المجني عليه. هناك الجنايات أو جراح تجب فيها الدية، لم تذكر هنا، مثل الجائفة. الجائفة هي الجناية التي تصل إلى الجوف، إلى باطن الإنسان، تصل إلى باطن وجوف الإنسان، سواء كان في البطن أو كان في العنق أو في الصدر. طيب، هذه تسمى الجائفة، وفيها ثلث الدية، لحديث عمرو بن حزم «وفي الجائفة ثلث الدية». وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «وفي الجائفة ثلث الدية». رواه أبو داود. المأمومة، المأمومة التي تصل إلى أم الدماغ، الجناية تصل إلى أم الدماغ، وهي الجلد التي تكون تحت العظم في الدماغ، هذه فيها ثلث الدية كذلك، لحديث عمرو بن حزم «وفي المأمومة ثلث الدية». وهكذا المنقلة، المنقلة هي الجارحة التي تنقل العظم من موضعه بعد كسر العظم، وينتقل من المحل، تسمى المنقلة، وفيها خمسة عشر من الإبل، لحديث عمرو بن حزم «وفي المنقلة خمسة عشر من الإبل». ونقل الإمام ابن قدامة رحمه الله الإجماع على ذلك. الهاشمة التي تهشم العظم وتكسره، وفيها عشر الدية، وبهذا قضى زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه كما عند البيهقي. طيب، هذه جوارح فيها الدية، هناك جوارح أخرى ليس فيها شيء من الديات، لكن فيها حكومة، لأنه الشيء فيها غير مقدر، فتجد فيها الحكومة، مثل الحارصة. الحارصة التي تشق الجلد قليلا، تشق الجلد قليلا، هذه تسمى الحارصة، فيها حكومة. والبازلة، البازلة وهي التي تدمي الجلد ويخرج منها دم يسير، تسمى البازلة، كذلك فيها حكومة. وهكذا الباضعة التي تشق اللحم بعد الجلد، هذه أيضا فيها حكومة. والسرحاق وهي التي تصل إلى قشرة رقيقة فوق العظم، طيب، هذه الجنايات فيها حكومة؛ لأنه لم يرد فيها شيء من الديات. نقف هنا إن شاء الله. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.