التعليق على شرح الورقات للشيخ العثيمين 12

الدرس في التعليق على شرح الورقات للشيخ العثيمين 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز وتاريخه

يناقش تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، ويبين تاريخ ظهور هذا التقسيم وتأثيره. يهتم أهل الأصول بهذا التقسيم فيما يتعلق بالمجاز المفرد.

آراء العلماء حول المجاز في اللغة

يستعرض آراء العلماء حول مسألة المجاز في اللغة، حيث تطرح ثلاثة أقوال مختلفة حول طبيعة اللغة والمجاز فيها.

حقيقة المجاز في اللغة والقرآن ودلالة القرائن

يناقش مسألة المجاز في اللغة العربية والقرآن، ويخلص إلى عدم وجود مجاز في اللغة، ويبين دور القرائن في دلالة النقل اللفظي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. وحمد الله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه. ومن والاه، بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ثم الوجه الثالث تقسيم الكلام. قال المؤلف رحمه الله: وثالثا إلى مجاز وإلى حقيقة. وحدها مستعملة. قال: يقول المؤلف رحمه الله: ينقسم الكلام إلى مجاز وحقيقة. المجاز، اسمه من جاز، يعني الإنسان يتجوز في الحقيقة من الحقيقة إلى المجاز، أي ينقل الكلمة من حقيقتها إلى مجازها. وهذا التقسيم تقسيم بالمدلول. تقسيم هذا التقسيم الثالث، تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، تقسيم بالمدلول أو بالاستعمال. والعصل أن هذا التقسيم هو للمجاز المفرد. أن أهل الأصول يهتمون بالمجاز المفرد. وإلا المجاز، هناك مجاز مفرد، وهناك مجاز أيضا عقلي، ومجاز أيضا بياني. ولكن هنا أهل الأصول يهتمون بالمجاز المفرد. وأما بقية المجازات، فهي تتعلق بعلم البيان، تتعلق بعلمي البيان. فلهذا ما يذكرونه هنا. ولهذا حتى ينتقد بعضهم أنهم يقسمون الكلام إلى حقيقة ومجاز، وهم يقصدون المجاز المفرد. لكن هذا الذي مشى عليه العلماء الأصول، على أنهم يقسمون إلى حقيقة ومجاز، ويقصدون بالمجاز المجاز المفرد. لكن يعتبر مجازا عندهم؛ لأنهم لا يستعملون إلا المجاز المفرد. المجاز المفرد، معنى؛ مثل: كلمات مفردة، أسد، استعمل مثلا في الرجل الشجاع. أما المجاز العقلي، ما يستخدمونه. مجاز عقلي، معنى الذي يذكر كلاما ويريد شيئا آخر، فهذا يسمى المجاز العقلي، الذي يكون حقيقة الكلام في العقل. طيب. قالوا: هذا التقسيم قد نوزع فيه، ولم يكن معروفا في عهد الصحابة، ولا في عهد التابعين، وإنما برز في عهد تابع التابعين، ثم انتشر وتوسع، وصار كل شيء يكون مجازا. حتى ادعى بعض علماء النحو أن كل اللغة مجاز، ليس فيها حقيقة. فيقول: إذا قلت: قال زيد: آمنت بالله، قال: آمنت بالله مجاز؛ لأنها مقول القول، وهي لا يمكن أن يقع عليها القول، فليست آمنت بالله مثلا شيئا شاخصا يضرب. قال: إذا هو مجاز. وهلما جر. ولكن هذا في الحقيقة قول بعيد جدا. وبناء على هذا القول، فإننا نبني عقيدتنا كلها على المجاز، وأحكامنا كلها على المجاز. والظاهر من كلام الشيخ هنا، لما قال: إنه ظهر في عهد تابع التابعين، الظاهر يريد - الله أعلم - يريد معناه: ما كتاب أبي عبيدة معمر بن المثنى سماه مجاز القرآن. لكن الله أعلم. معمر بن المثنى ما أراد المجاز هذا المستعمل في مقابل الحقيقة، وإنما أراد مجاز القرآن، أي: ما يجوز به القرآن، أي: من التفسير. فهو فسر آيات القرآن على الآيات المفردة، معنى الكلمات، فسر الكلمات، فسماه مجاز القرآن. فإن كان الشيخ أراد هذا، فليس تفسير أبي عبيدة من هذا القبيل. لكن الظاهر أن الشيخ أراد أن أول ما حصلت هذه التأويلات، وهي التي قيل: إنها مجاز، أول ما حصلت في زمن تابع التابعين. فانتشر مذهب الجهمية، وهم أيضا دخلوا من هذا الباب، لكن لم يسموه مجازا، وإنما سموه تأويلا. وهذا التأويل الذي سموه لا يعرف في لغة العرب. لا يعرف التأويل أنه صرف اللفظ عن ظاهره، الذي سميته اللغة المجاز. وإنما أعرف في اصطلاح هؤلاء. أول من بدأ به الجهمية، وأخذه الكلابية، ثم أخذه المعتزلة والأشاعرة. وإلا ما كان يعرف شيء من هذا. على أن التأويل معنى التحريف. فالتأويل يأتي في لغة العرب إما بمعنى التفسير، وإما بمعنى ما آل إليه الأمر، أو مقصود الأمر. أما أنه بمعنى صرف اللفظ عن ظاهره، فهذا لم يعرف بمعنى التأويل عند العرب. ومن ثم أيضا قالوا: مجاز. قالوا: بناء على هذا القول، فإننا نبني عقيدتنا كلها على المجاز، وأحكامنا كلها على المجاز، وكل أفعالنا على المجاز. فلبست الثوب مجاز، وأكلت الخبز مجاز، وقرأت الكتاب مجاز، ودخلت المسجد مجاز. وهذا يذكرك أيضا بقول الصفصطائية. الصفصطائيين أو الصفصطائيون، أولا فرقة من فرق اليونان. أولا عندهم كل شيء خيال، ليس له حقيقة. وإنما حقيقته كانت في الماضي، أو كانت أو تأتي في المستقبل. ولهذا يستدلون بالمنامات، وكذا. حتى من أقوالهم: مثلا إذا رميت شاخصا، رميت شاخصا، مثلا متى يقع في الأرض؟ قالوا: يقع في الأرض في زمن بعيد، أو بعضهم يقول: في زمن مضى. لكن هذا الذي رأيته أنت خيال. أنا عندما ترى شيئا أمامك، إنسان، سيارة، كذا، هذا الذي ترى الآن الشاخص ليس أصل الحقيقة. كراه. إنما رأيت مثله في الخيال. ثم معنى كل شيء عندهم خيال. وهذا هو أصلا قول الباطنية. قول الباطنية أخذوه من قول السفسطائيين. ثم دخل عند أهل التصوف، وهؤلاء وحدة الوجود. فعند وحدة الوجود أنه لا شيء موجود أصلا حقيقة. كل هذا الشيء موجود أصلا هو وجود الله. ووجود الإنسان خيال. والعصل أنه وجود الله. فهذا كلام باطل. وهذا أيضا مثله أن كل شيء مجاز. قال: والقول الثاني: أن جميع اللغة حقيقة، ليس فيها مجاز إطلاقا. كل الكلام حقيقة في مدلوله. وهذا هو اختيار شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم، رحمهم الله. وتبعهما جماعة، وهم متبعون. جماعة سابقون، وشيخ الإسلام، وابن القيم، وغيرهم. هم ما ينكرون المجاز استعماله. وإنما ينكرون حقيقة أنه ليس هناك مجاز في لغة العرب. بل كله حقيقة. لكن مثل استعمال المجاز، هذا ما في شيء. استعمال المجاز أصلا قد استعمل في اللغة. صعب أن الإنسان ينكر شيء مستعمل. فالآن فالخلاف ليس على الاستعمال. الخلاف على حقيقة الشيء: هل هو حقيقة أن هناك مجازا، أو أن هذا الأصل هو حقيقة، وإنما هذا لعجل لعجل أن لا يتجرأ؛ لأن هذا الباب دخل فيه الجهمية والمعتزلة، والتجرأ على صفات الله عز وجل، وقالوا: إنها مجاز وليست حقيقة. ولهذا الإمام ابن القيم أبطل المجاز من أوجه كثيرة في كتابه في أشهر كتاب أبطل المجاز في أهل الموقعين. لا في أعلام الموقعين. ذكروا. صح في أعلام الموقعين. وفي الصواعق. لا. هذا شيخ الإسلام أعلام الموقعين. وأيضا في الصواعق المرسلة. وفي أعلام الموقعين ذكروا أنه من الأشياء التي صرفت النصوص عن ظاهرها. طيب. قالوا: القول الثالث: التفريق. فكلام الله ليس فيه مجاز؛ لأنه كل حق. وكذلك كلام الرسول صلى الله عليه وسلم إذا صح عنه باللفظ، فليس فيه مجاز؛ لأنه ككلام الله. وما سوى ذلك فيه مجاز. وهذا الذي انتصر له الإمام الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان. وله رسالة ألفها في هذا. فذهب إلى منع المجاز في القرآن الكريم. قالوا: حجة هؤلاء يقولون: إن المجاز من أكبر علاماته البارزة صحة نفيه. وليس في كلام الله وكلام رسوله الثابت عنه بلفظه احتمال للنفي. لا يمكن أن تنفي كلام الله، كلام رسوله الثابت عنه. فقوله تعالى: ﴿يريد أن ينقب في الجدار﴾ لا يمكن أن تقول: لا، لا يريد أن ينقب. لكن هذا كناية عن ميله. فصاحب هذا القول يمنع المجاز في القرآن، وفي السنة الصحيحة. لا يمكن أن تقول: لا، لم ينقب. وإنما ما أراد أن الله عز وجل قال: يريد أن ينقب. والنقض يعتبر من الإيماء. كذلك قالوا: إلى هذا ذهب كثير من العلماء المحققين رحمهم الله. ومنهم الشيخ، ومنهم الشنقيطي رحمه الله، صاحب كتاب أضواء البيان. له رسالة صغيرة اسمها منع المجاز في القرآن الكريم. لكن حقيقة العمر: أننا إذا قلنا بمنعه في القرآن، وجب أن نقول بمنعه في اللغة العربية. وهذا الذي قرره دائما الشيخ رحمه الله: أنه إذا قلنا بمنعه في القرآن، فأيضا في اللغة نفسها لا فرق. والقرآن جاء بلغة العرب. فالتفريق بين القرآن وبين اللغة يحتاج إلى أمر خارج، أو أمر واضح يدل على التفريق. وإلا في العصل أن القرآن على لغة العرب. فإذا كان المجاز لا يكون في القرآن، فهو أيضا لا يكون في لغة العرب. قال: لأن القرآن نزل باللغة العربية. وإذا امتنع المجاز فيما ادعوا أنه مجاز فيه، فليكن ممنوعا في غيره أيضا. وتجويز الكذب على غير الله ورسوله لا يعني أنه لا يوجد المجاز في كلامهما. إن ثبت المجاز. والصحيح من هذه الأقوال الثلاثة هو مختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: من أنه لا مجاز في اللغة العربية. وأن جميع التركيبات والكلمات في محلها حقيقة؛ لأنه لا يصح نفي مدلولها في محلها أبدا. يعني العصل أنه لا مجاز. وإنما هذا الذي حصل في اللغة إنما هو استعمال. استعمال استعمله العرب. استعمله العرب هكذا. فلهذا مثلا لا يقال: الوطء. أو يقال مثلا: الغائط. معنى بعض اللغة الآن يقولون: الغائط هو أصلا المكان المنخفض. الغائط هو المكان المنخفض. ولما كان العرب يذهبون إلى تلك الأماكن المنخفضة حتى يقضوا حاجتهم، فسمي قضاء الحاجة غائطا. ثم قضاء الحاجة غائط أيضا. كذلك الخلاء. قالوا: الخلاء أصلا هو المكان الخالي. ولما كان الإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته في المكان الخالي، فسمي قضاء الحاجة خلاء. إذا ذهب أحدكم إلى الخلاء فليستطب بثلاثة أحجار. هذه تعاجل إذا حضرت الصلاة، وأراد أحدكم الخلاء، فليبدأ بالخلاء. فالآن ثم الخلاء. قالوا: هذا. قالوا: مجاز. لكن ممكن أن يقال: إنه حقيقة؛ لأن هذا استعمال العرب على هذا. استعملوا هذه الكلمة، وهذه الكلمة. هنا قد يقال: صحيح أن المعنى أنها أخذت من هذا، لكن استعمالها العرب فصارت حقيقة. استعمالها العرب فصارت حقيقة. فهي ليست مجازا كما يقولون. لكن المهم أنه كما قلنا: أن العلماء لا يمنعون الاستعمال، وأنه مستعمل عند العرب. هذا لا ينكره أحد؛ لأن هذا لو أنكر فأنكر شيء حقيقة. فالاستعمال موجود. استعملوا المجاز العرب. لكن هل معنى ذلك أنه يستعمل أشياء في لغة العرب أو في القرآن، فيقال: إنها مجاز. يستعمل هكذا وليست حقيقة. فهذا أو ليست لها مدلول إلا المجاز، ومدلولها ليس على الحقيقة. فهذا الذي يمتنع. فهذا الذي يمتنع. وإنما يستعمل اللفظ على حقيقته. فإن كان مثلا نقل إلى لفظ آخر، فهناك قرائن تدل على أنه ينقل إلى لفظ آخر، ويراد به لفظ آخر على ما استعمله العرب.