الدرس في التعليق على شرح الورقات للشيخ العثيمين 14، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش تقسيم الحقيقة إلى شرعية ولغوية وعرفية، ويشرح كيفية حمل الاصطلاحات الشرعية على هذه التقسيمات. كما يتناول آراء العلماء حول وجود المجاز في القرآن واللغة.
يتناول أمثلة على أنواع المجاز في اللغة العربية، مثل المجاز بالنقص والزيادة والنقل والاستعارة، ويشرح كيفية فهم هذه المجازات في سياقاتها المختلفة.
يناقش مفهوم المجاز في اللغة العربية ويفنده من خلال أمثلة من القرآن الكريم، مؤكدًا أن المعنى الحقيقي للكلمات يُفهم من سياقها. كما يؤكد على أهمية فهم الكلمات في سياقها الصحيح.
يؤكد على أهمية الكاف في الكلام وأنه لا زيادة فيها، وأنها في موضعها الأصلي وتفيد معنى أبلغ مما لو حُذفت. يشير إلى أن حذفها قد يغير المعنى المقصود.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله: والعمريطي قال: أقسامها ثلاثة: شرعي، ولغوي، ووضعي وعرفي. قال هذا على من يرى تقسيم الحقيقة، وأنها ما يجري خطابًا في الاصطلاح. أنا من تقاسيم الحقيقة اللغوية. أنا في استخدامها، أحيانًا تنقسم إلى ثلاثة أقسام: حقيقة شرعية، حقيقة لغوية، وحقيقة عرفية. وأتقدم الكلام على هذا على أنه إذا جاءنا اصطلاح في الشرع، فأولًا نحمله، إن كان هناك له اصطلاح في الشرع، فنحمله على الحقيقة الشرعية. فإن لم يكن، فيحمل على العرف. ومنهم من قدم اللغة على العرف، ومن ثم يحمل على اللغة، مثل ما هو معروف في اختلاف اللغة والشرع. الصلاة لها معنى لغوي، لكن في الشرع، فهي مقصود بها الصلاة من الأقوال والأفعال التي تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتسليم. قال المؤلف رحمه الله: ثم المجاز ما به تجوز في اللفظ عن موضوعه. تجوز المجاز طالما تجوز به عن موضوعه الأصلي إلى معنى آخر. وأتقدم أن الناس في المجاز على ثلاثة أقوال. منهم من نفى المجاز في القرآن واللغة، وهو الذي نصره شيخ الإسلام رحمه الله، على أنه لا يوجد مجاز لا في القرآن ولا في اللغة؛ لأن المجاز يعرفونه بأنه اللفظ المستعمل في غير موضوعه. والقول في هذا: ألا إن هناك ألفاظًا في القرآن استعملت في غير موضوعه، هذا خطأ. كيف استعمل في غير موضوعه؟ بل القرآن من أفصح الكلام، وكذلك أيضًا كل ما في ألفاظه تكون في مواضعها. ولأنه أيضًا، وهذه النقطة المهمة التي ذكرها شيخ الإسلام وغيره، أن المجاز يقولون: يجوز أن معنى يقلبه، ويجوز أن ينفيه. يجوز أن ينفيه، فالجواز نفي هذا المجاز، هذا الذي يجعله ليس مما يوجد في القرآن، ولا كذلك في اللغة. ذهب جماعة إلى أنه غير موجود في القرآن، وموجود في اللغة، وهو قول الشنقيطي رحمه الله، وألف الرسالة في ذلك. لكن كثير من العلماء يقولون: إن هذا من أضعف الأقوال. وإن كان قد دلل له رحمه الله، وأتى بكلام قوي، لكن التفريق بين القرآن واللغة غير صحيح. جاء ضعف هذا القول من هذه الناحية، من التفريق بين القرآن واللغة. وهناك قول ثالث، وهو القول بالمجاز في القرآن واللغة، وهذا قول أكثر المتكلمين. قال: وتعريفه: ما استعمل في غير معناه الأصلي. هذا عن المجاز. ما استعمل في غير معناه الأصلي. منهم من يقول: ما استعمل في غير موضعه. قال: ثم قال: بنقص أو زيادة أو نقل أو استعارة. كنقص أهلي. قال: بين رحمه الله: النقصان في المجاز أربعة: نقص، وزيادة، ونقل، واستعارة. معناه: إما أن يكون فيه نقص، وإما زيادة، وإما نقل، وإما استعارة. قال: النوع الأول وهو المجاز بالنقص، فمثاله: ﴿واسأل القرية﴾. ولا شك أن القرية هي بيوت ومساكن، فكيف تسأل البيوت؟ فالمراد: أي اسأل أهل القرية. وهنا مجاز بالنقص كما يقولون. قال: فهذا فيه تجوز بالنقص؛ لأن المعنى: اسأل أهل القرية، فحذفت "أهل" للقرينة العقلية. فإذا قيل: ما الدليل على حذف "أهل"؟ قلنا: الدليل للقرينة العقلية؛ فإنه لا يمكن أن يراد بقوله: "وسأل القرية" اذهب إلى الجدران واسألها. إنما المراد: اسأل أهل القرية. إذن ففيها حذف، وهذا هو مثال النقص. وأما مثال الزيادة، فقد قال رحمه الله: كالزيادة الكاف في قوله: ﴿ليس كمثله شيء﴾. فالكاف في قوله: "كمثله" زائدة، والأصل: ليس مثله شيء. وجيدة الكاف لتأكيد النفي؛ لأن تقدير الكلام بالكاف: ليس مثله شيء، ونفي مثل المثل نفي للمثل من باب أولى، فيكون هذا من باب التوكيد. وهذا الكاف متنازع فيها بين العلماء: هل هي زائدة زيادة مجردة كما يقوله أهل الكلام؟ أم أنها زيادة لها صلة ولها معنى؟ فهي زائدة، لكنها توكيد. ليس كمثل "مثله" شيء، تأكيد أنه لا يماثله شيء أبدًا. فالكاف، وإن قلنا أنها زائدة، فهي للتوكيد، فهي جاءت للتوكيد، وليست زيادة مجردة لا معنى لها يمكن حذفها ويستغنى عنها. قال: والثالث: قوله: "والغائط المنقول عن محله". الغائط: مفاعل من غاط يغوط إذا نزل وهبط، وهو في الأصل: الغائط المكان المنقض من الأرض. عن الغائط، والمكان المنقض من الأرض سمي غائطًا، فسمي ما يخرج من الإنسان غائطًا؛ لأن الناس إذا كانوا إذا أراد الإنسان أن يقضي حاجته ذهب إلى مكان الخلاء أو مكان منخفض حتى لا يراه أحد. فالغائط إذن هو المكان المنقض من الأرض، لكن أهل اللغة نقلوه من هذا المعنى إلى الخارج من الدبر. فهذا مجاز بالنقل، والعلاقة أن الغائط مكان للخارج من الدبر، فصار بينهما نوع ارتباط ونقل معنى هذا إلى هذا، احتشامًا لذكر الغائط بلفظه. قال: ثم ذكر رحمه الله النوع الرابع، وهو الاستعارة، فقال: رابعها كقوله تعالى: ﴿يريد أن ينقض﴾. يعني مال. وهذا الاستعارة يدخل فيها أنواع كثيرة. قالوا: لا يمكن أن يريد الجدار؛ فالإرادة لا تكون إلا من ذي الشعور، والجدار لا شعور له. فمعنى "يريد أن ينقض" يعني مال أن ينقض، أي أن يميل. يريد أن ينقض، أي أن يميل ويضمحل. فيكون معنى "وجد فيها جدار يريد أن ينقض" يعني وجد فيها جدار مائلة. وهذه يسمونها استعارة. وهل هي استعارة تصريحية أم مكنية؟ التفصيل في هذا له باب آخر ودرس آخر، لكن هي في هذه الآية مكنية، مكنية وليست صريحة؛ يعني كُني عنها. كُني عن الجدار بالإمالة "يريد أن ينقض". الإرادة غالبًا تكون الذي فيه حياة مثل الإنسان والحيوان، وأما الجامد فليس فيه إرادة، ليس عنده إرادة. لكن هنا جعل الله عز وجل إرادة "يريد أن ينقض"، فقالوا: هنا استعارة استعارة مكنية؛ يعني كُني عنها، وليست استعارة صريحة. قال: فقوله "يريد" معناه أننا شبّهنا الجدار بإنسان له إرادة. وأين الإنسان؟ فالذي معنا الآن المشبه الذي هو الجدار. قال: المشبه به هو الإنسان، وقد حُذف ورُمز إليه بشيء من لوازمه، وهو الإرادة "يريد". فصار تقدير الكلام على قول: فوجد فيه جدارًا يشبه الإنسان يريد أن ينقض. ولا شك أنه لو عُبر بهذا التعبير لكان الكلام من أرذل ما يكون من الكلام. ومع ذلك يقولون: هذا هو أصل الكلام. قال: نحن نجيب عن كل هذه الأمثلة، فنقول: الصواب أنه لا مجاز في اللغة العربية، لا في القرآن ولا في السنة ولا في غيرهما؛ وذلك لأن المجاز أصدق ما يكون فيه هو الذي يصح نفيه، ونفيه المعنى المراد من مقتضى سياق ولفظ لا يمكن. عبد أن يصح نفيه وممكن أن ينفع، فهذا لا يكون في القرآن ولا في السنة. فالمثال الأول وهو قوله: ﴿وسأل القرية﴾. من الذي يقول أن أبناء يعقوب أرادوا أن يقولوا لأبيهم: اذهب إلى كل جدار وقف عنده وسأله؟ هل هذا هو المعنى المتبادر من اللفظ "وسأل القرية"؟ وهل يمكن لعاقل أن يقول أن هذا هو مراد؟ الجواب: لا يمكن أبدًا. قال: فكل يعرف أن المراد "وسأل القرية" يعني أهلها. فالقرية إذن الآن مستعملة في المعنى الحقيقي؛ لأن المعتبر المعنى هو السياق كله، وليس الكلمة بحالها. قال: والسياق في قول "وسأل القرية" لا يمكن أن يراد به سؤال الجدران أبدًا. وحينئذ لا مجاز؛ لأن مقتضى السياق يمنع أن يكون مراد به سوى أهل القرية. فيكون كلامه حقيقة من مقتضى السياق، فبطل أن يكون المراد التجوز. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فكأي من قرية أهلكناها وهي ظالمة﴾. أي: هل الجدران تظلم؟ الجواب: لا. فالذي يظلم أهلها. هل أحد يقول أن الله سبحانه وتعالى أراد من "قرية" الجدران؟ لا يمكن. قال: ودلالة السياق على المعنى أقوى من دلالة اللفظ على المعنى. والكلمة المفردة لا تفيد معنى إطلاقًا حتى نقول: التجوز في القرية. فتبين بهذا أن هذا المثال لا يصح، وأنه يكون حقيقة في سياقه. قال: وأما المثال الثاني، فيقول: كزيادة الكاف في قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾. هل الكاف زائدة بمعنى أن وجودها كالعدم؟ الجواب: لا. فإنك لو حذفتها نقص توكيد الكلام. فليس فيها زيادة، وهي في مكانها لازمة؛ ولأن المراد بها التوكيد نفي المثل. فإذا جاءت الكاف الدالة على التشبيه مع "مثل" صار كأن المثل نفي مرتين. فنحن نقول: الزائد هو الذي وجوده كالعدم. والكاف في قوله: ﴿ليس كمثله شيء﴾ ليس وجودها كالعدم أبدًا. ولو كان وجودها كالعدم لكان في كلام الله ما هو لغو لا فائدة منه. فسبحان الله لو تصور الإنسان هذا القول لكان قولًا شديدًا أن يكون في كلام الله شيء زائد ليس له معنى. فنقول: الكاف ليس فيها زيادة، وهي في موضعها أصلية حقيقة تفيد معنى أبلغ مما لو حُذفت.