الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 93، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبين المقطع أن النسخ في تحريم القتال بالأشهر الحرم مختص بحالة الاعتداء أو استمرار المعركة من شهر حلال، ولا يجوز للمسلمين الابتداء بالقتال فيها. كما يستدل بغزوة الطائف وفتح مكة على وجوب المبادرة بهدم الأصنام ومواضع الشرك فور القدرة عليها لكونها شعائر كفر ومنكرات عظمى.
يؤكد المقطع وجوب هدم القبور والأوثان والمشاهد عند القدرة عليها، كما فعل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأهل التوحيد في نجد واليمن، مع التنبيه إلى أن العجز يسقط الوجوب. كما يبين أن شبهة المشركين القدامى والمعاصرين واحدة، وهي التوسل بالأولياء لتقريبهم إلى الله زلفى، وهو شرك مخرج عن الملة.
يتحدث المقطع عن دور المجدد في محاربة الشرك والبدع وإحياء التوحيد، مستشهداً بكلام ابن عقيل وحديث الطائفة المنصورة. ثم يوضح أحكام الأموال الموجودة في خزائن المشاهد والأوقاف الموقوفة على القبور، مبيناً أنها تصرف في بيت مال المسلمين أو تُرد لأصحابها إن عُرفوا، وتحول الأوقاف إلى مصالح عامة كالمساجد ودور العلم.
يوضح المقطع ضرورة تحويل الأوقاف المقامة على القبور أو المشتملة على مخالفات شرعية إلى أوقاف شرعية كالمساجد والمدارس، لتجنب الشرك ومخالفة الشرع. ويشير إلى أن ذلك يشمل الأشجار والدكاكين وغيرها، على أن تُصرف في وجوه البر الحلال، ويختتم الدرس على أن يُكمل الباقي لاحقاً.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد، انتهينا في الدرس الماضي من أحداث غزوة الطائف. ثم مما تميز به هذا الكتاب ربط أحداث السيرة بالواقع الذي يعيشه المؤلف رحمه الله تعالى، فقال: ما في غزوة الطائف من الفقه، يعني من العلم والفوائد ونحو ذلك. فقال رحمه الله: فيها من الفقه جواز القتال في الأشهر الحرم، ونسخ تحريم ذلك. ووجهه أن هذه الغزوة دخلت في شيء من شهر ذي القعدة، وشهر ذي القعدة من الأشهر الحرم. ولكن كلام المؤلف وقع فيه خلاف بين أهل العلم في ذلك، وهل صحيح أن القتال في الأشهر الحرم نسخ؟ فليس هذا الكلام صحيح على إطلاقه، بل فيه تفصيل. القتال في الأشهر الحرم فيه تفصيل، وبه تجتمع الأدلة. ما هو هذا التفصيل؟ هذا التفصيل أن النسخ ورد في العدوان والاستمرار فيه. ما معنى العدوان والاستمرار فيه؟ يعني هجم العدو على المسلمين واعتدى عليهم في شهر حرام، أو قاتل المسلمون في شهر شوال فاستمرت المعركة، استمرت حتى دخل شهر الله الحرام، فلا يستطيعون الكف لمواجهة العدو. فهنا لا بأس أن يستمروا في القتال. فإذا جواز القتال في الأشهر الحرم يجوز في مثل هذه الحالات، أو في مثل هاتين الحالتين: الحالة الأولى عندما يعتدي العدو على المسلمين، فلا يجلسون مكتوفي الأيدي ويقولون: الله، نحن ما سنقاتل لأنه شهر حرام، ويأتي العدو ويقتل فيهم ويفسد فيهم وهم لا يحركون ساكناً. لا، ليس هذا بصحيح. أو كذلك ما توقعوا طول المعركة، فقاتلوا في شهر حلال، فاستمر الحرب حتى دخلت أشهر الحرم أو الأشهر الحرم. وأما أن يبتدئ المسلمون بالقتال، فهذا الذي لم ينسخ، فلا يجوز. لا يجوز أن يبتدئ المسلمون بالقتال، بمعنى ينشئون قتالاً في الأشهر الحرم، بل يؤخرون القتال إلى أن تخرج الأشهر الحرم. هذا هو التفصيل الذي تلتئم به الأدلة، وما وقع في غزوة الطائف يدل عليه. فإن الغزوة بدأت في شوال، فحاصر النبي صلى الله عليه وسلم المشركين قرابة عشرين يوماً، فدخل شهر ذي القعدة. فهنا لم يبتدئ النبي صلى الله عليه وسلم القتال في ذي القعدة، لم يبتدئ في ذلك. قال: وفيها، أي في هذه الغزوة، من الفقه أنه لا يجوز إبقاء مواضع الطواغيت والشرك بعد القدرة عليها يوماً واحداً، فإنها شعائر الكفر وهي أعظم المنكرات. وهكذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثاناً تعبد من دون الله، وكذلك الأحجار والأشجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر لها، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى أو أعظم شركاً عندها وبها. وهذه فائدة عظيمة، وربط لأحداث السيرة بالواقع الذي يعيشه المسلمون في عهد المؤلف، وفي يومنا هذا أيضاً. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أول ما فتح مكة بدأ بماذا؟ بدأ بتكسير الأصنام التي كانت حول الكعبة، وطمس جميع مظاهر الشرك والوثنية، ثم بعد ذلك أرسل الرسل إلى مواضع يعبد فيها غير الله، كما مر معنا، فتهدمت، وكذلك طُمست معالمها. فهذا فيه هذه الفائدة، لأنه عليه الصلاة والسلام قدر على ذلك في هذا الوقت، إذ نصره الله وأذل أهل الكفر والشرك. وهكذا ما وقع في غزوة الطائف، فإنهم لما جاءوا إليه منقادين مستسلمين، أول ما شرط عليهم أن تهدم العزة أو اللات، أن تهدم اللات، فأرسل إليهم المغير بن شعبة وغيره من الصحابة ليبدأوا أولاً بهدمها. وهذا فيه أهمية التوحيد، وأن المسلمين إذا قدروا، وأهل التوحيد إذا قدروا على تكسير الأوثان فعلوا ذلك وجوباً، ولا يجوز لهم أن يتركوا هذه المعالم يوماً واحداً، كما ذكر المؤلف هاهنا. وكل ذلك راجع إلى القدرة، إلى القدرة. أما العجز فمفسدة ذلك أعظم من مصلحته، كيومنا هذا في بعض البلاد، والمشاهد والأوثان الموجودة والمنتشرة في بلاد المسلمين. فالمؤلف لما أيده الله، شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، أيده الله بالسلطان، وهو كذلك الإمام عبد العزيز آل سعود، قام رحمه الله مع أهل التوحيد بهدم كثير من القبور والأضرحة والمشاهد. فهذا الذي عناه رحمه الله تعالى. وقد تأتي فرص للمسلمين في بعض البلاد فيستطيعون هدم معالم الشرك، وقد وقعت فرص في اليمن في بعض الحروب التي وقعت، فقام أهل التوحيد وهدموا معالم الشرك في كثير من البلاد، كالحرب التي وقعت في عام أربع وتسعين وألف وتسعمائة، أو تسعمائة وألف، فلما هرب من بلاد الجنوب الحزب الاشتراكي، وفضت أو فرغت البلاد من حاكم، هرع أهل السنة في كثير من البلاد، وأهل التوحيد، بهدم بعض المعالم التي قدروا على هدمها، سواء كانت من قبور أو من أشجار أو من أحجار أو نحو ذلك، ولم يحدث في ذلك مفسدة. لماذا؟ لأنه لا أحد يستطيع أن يعارض، فالبلاد ليس فيها حاكم، فوجد أهل التوحيد فرصة، فهدموا ما قدروا على هدمه من تلك المعالم والمظاهر الشركية. فهذا يقع أحياناً. لكن إذا كان سيحصل مفسدة: أنت تهدم قبة مندثرة ومهدمة، وربما لا يرتادها أحد، ثم تأتي تكسرها، فتلزمك الجهات المسؤولة الجاهلة ببنائها مجدداً مرممة على أحسن وعلى أفضل بكثير مما كانت عليه. لا شك أن هذا لا يجوز، لا يجوز لأن لا توجد هناك مصلحة، بل المفسدة ظاهرة في ذلك من إعادته، ومن أذية من فعل ذلك. ولذلك قيد المؤلف هنا تهديم القباب والمشاهد بالقدرة عليها، قال: بعد القدرة عليها. أما عند عدم القدرة، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها. ومن رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه. والحمد لله، أهل السنة وإن عجزوا عن إنكار هذه المنكرات بأيديهم، إلا أنهم قدروا والحمد لله بإنكار هذه المنكرات بألسنتهم، وذلك من التحذير من الشرك، ومن بث التوحيد، وإخراج هذه المشاهد والقباب من القلوب، وهكذا تعليم الناس أمور دينهم، وتحذيرهم من الشرك وخطر الشرك ونحو ذلك. قال: ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلق وترزق وتميت وتحيي، وإنما كانوا يفعلون عندها ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم. بمعنى أن بعض هؤلاء الذين يتعلقون بالقبور، إذا قلت له: تعلقك بالقبر شرك، يجيبك: أنا ما أعتقد أن هذا القبر يخلق أو يرزق أو يحيي أو يميت، وإنما هو واسطة بيني وبين الله. أنا عندي ذنوب ومعاصي، أما هذا صاحب القبر فهو من أولياء الله، ومن أصفياء الله، ومن الأخلاء من الله، فأنا أتقرب إليه كي يقربني إلى الله. هذا هو نفس شبهة المشركين، هذا هو نفس ما كان عليه المشركون الأول، قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾، هكذا قالوا، ونفسه اليوم ما يرددوه هؤلاء. فأرباب هذه الطواغيت، المشركون الأول، لا يعتقدون أنها تخلق وترزق، لا، وإنما كانوا يعتقدون أنها تقربهم إلى الله. قال: فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وغلب الشرك على أكثر النفوس. هذا في عهده وفي زمنه رحمه الله، فهو المجدد، إذ أنه لما رأى كثرة انتشار الشرك والقباب والقبور، وتعلق الناس بها، والاستغاثة بها ونحو ذلك، تألم لهذا الواقع، فاستعان الله، ووفقه الله للمساعدة بولي أمر موحد، الحمد لله، أهلكم الله شرّ، فوفقه الله للدعوة بالسيف والسنان والحجة والبيان، فاندثرت كثير من معالم الشرك في عهده وعصره رحمه الله تعالى، وهو المجدد حقاً وصدقاً رحمه الله. قال: وغلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل وخفاء العلم، وغلب التقليد، وصار المعروف منكراً والمنكر معروفاً، والسنة بدعة والبدعة سنة، ونشا في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، يعني شاب عليه، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام. وهذا مقتبس من كلام معروف عند أهل العلم لابن عقيل رحمه الله تعالى. قال رحمه الله: ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين. وهذا مصداق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». فلا يخلو زمان من أهل الحق وأهل التوحيد وأهل السنة، كما ذكر المؤلف رحمه الله، وإن كان في بعض الأعصار يقلون، وفي بعضها يكثرون، لكنهم لا ينعدمون، فهم موجودون في كل زمان، ولله الحمد والمنة. مصداق لقول النبي: «لا تزال»، وهذه من الأفعال التي تفيد الاستمرار، تفيد الاستمرار. قال: وفيها، يعني في هذه الغزوة، من الفوائد: صرف الإمام الأموال التي تصير إلى هذه المشاهد من عابديها، فيجب على الإمام أن يصرفها في الجهاد ومصالح المسلمين، وكذلك أوقافها تصرف في مصالح المسلمين. وهذا مأخوذ مما ورد في هذه الغزوة من أنهم وجدوا في خزانتها شيئاً من المال، في خزانة اللات شيئاً من المال، فقسموه. نعم، قسموه لذلك. قال: فلما هدم أخذ مالها وحليها وأرسل به إلى أبي سفيان. لكن هذه المسألة أيضاً ليس على إطلاقها، ففيه تفصيل. مثلاً: ذهبت عند معلم من معالم الشرك يُنذر له، فيأتي الناس ويضعون عنده المال، سواء كان من النقود أو من الأعيان كالسلاح ونحوه، فجاء أهل التوحيد فهدموا هذا المعلم، وفتحوا خزانته، فوجدوا فيها مالاً. فمن يأخذ هذا المال؟ المؤلف هنا يقول: يصرف في الجهاد ومصالح المسلمين، يعني يرجع إلى بيت مال المسلمين. ولكن هذا فيه تفصيل، وليس على عمومه. فإن علمنا صاحب هذا المال، يعني الذي وضع هذا المال، إذا علمنا به وجب رد هذا المال إليه، لأنه مال لشخص معروف، فيرد إليه هذا المال، لأننا نعرفه وهو أولى به، ويقال له: لا يجوز ما فعلت، فتب إلى الله وخذ مالك، تب إلى الله وخذ هذا المال. وإن لم نعرف واضع هذا المال وصاحب هذا المال، فلا بأس أيضاً أن يوضع في الجهاد ومصالح المسلمين وبيت مال المسلمين. وأما الأوقاف، الأوقاف مثلاً: قال هذا دكان وقف على القبر الفلاني، هذا موجود إلى يومنا هذا، من هذا المحضار له أوقاف: دكان، أو مزرعة، أو أشجار، هذا موجود إلى يومنا هذا من بعض هؤلاء الجهلة. فإذا هدم هذا المعلم، أو علم أوقافه، فهنا تصرف كذلك في وقف ليس فيه مخالفة شرعية، فيحول هذا الوقف إلى وقف على مسجد مثلاً، أو على دور علم، أو نحو ذلك، وهو معنى قوله: تصرف في مصالح المسلمين، يعني في وقف عام ينتفع منه جميع المسلمين، ينتفع منه جميع المسلمين. وهذا يسأل عنه بعض الناس، كم من سؤال يوجه إلينا، يقول القائل: أبي لجهله أوقف أرضاً للعيد روس للقبر. فيقال له: حول هذا الوقف، حول هذا الوقف من قبر مثلاً إلى مسجد، تكون تبعاً لمسجد، أو تبعاً لمركز علم، أو لطلاب علم، أو نحو ذلك، ولا يبقى في هذا الأمر الذي يخالف الشرع، الذي يخالف الشرع. وهكذا إذا كانت أشجار، أو كذلك دكاكين، أو نحو ذلك، يحول إلى شيء حلال ليس فيه شرك، كمسجد ومدرسة ونحو ذلك. طيب، نكتفي بهذا إن شاء الله، ونكمل ما بقي في درس قادم. إلى هنا والله تعالى أعلم.