الدرس في شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية 11، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل عقيدة أهل السنة والجماعة في الجنة والنار، موضحا أنهما مخلوقتان وموجودتان الآن، وأن الله يدخل النار من يشاء بحكمة ويدخل الجنة الأتقياء. يستند هذا المعتقد إلى الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.
يتناول هذا الفصل تفاصيل حول الجنة والنار، بما في ذلك بعض المسائل المتعلقة بهما مثل الشقاوة وعظمهما، مع مناقشة آراء العلماء حول مكانهما. اتفق العلماء على أن الجنة في السماء بينما اختلفوا في مكان النار.
يتناول هذا الفصل الحديث عن يأجوج ومأجوج، وهما أمتان سيكون لهما دور كبير في نهاية العالم، حيث سيكثر عددهم بشكل كبير وسيكونون من أهل النار بكثرة. يبين المقطع عظم عددهم وتأثير خروجهم.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الناظم رحمه الله تعالى في لاميته: «والنار يصلاها الشقي بحكمة، وكذا التقي إلى الجنان سيدخل». والنار يصلاها الشقي بحكمة، وكذا التقي إلى الجنان سيدخل. في هذا البيت، والذي يتحدث فيه المؤلف رحمه الله تعالى عن الجنة والنار، وما يتعلق بهما، أبان فيه معتقد أهل السنة والجماعة، وما ينبغي أن يكون من عقائدنا. قال رحمه الله تعالى: «والنار»، وهنا العهدية، أي النار التي توعد الله بها المخالفين. قال: «يصلاها»، أي يدخلها. جاء في لسان العرب أن أصلاه النار أي أدخله النار، فالصلي بمعنى الإدخال. قال: «والنار يصلاها الشقي»، والشقي مأخوذ من الشقاء والشقاوة، وهو المتلبس بهذه الصفة. عرفها بعضهم بأن الشقاء هو نكد العيش. قال رحمه الله تعالى: «بحكمة»، أي بحكمة الرب سبحانه وتعالى. الله عز وجل هو الحكيم، فهو المتصف بالحكمة. ومن معاني الحكمة: الإتقان، ووضع الشيء في موضعه لغايات حميدة. فقول المؤلف: «بحكمة»، أي بحكمة الرب سبحانه وتعالى. في هذا الشطر الأول من البيت، بيان على أن الله سبحانه وتعالى يدخل من يدخله النار لحكمة. وفي هذا رد على من نفى الحكمة والتعليل في أفعال الرب سبحانه وتعالى، كحال الأشاعرة. فالمبتدع، وخاصة الأشاعرة، يرون أن الله سبحانه وتعالى له أن يدخل النار من يشاء، وأن هذا الأمر لا يرتبط بحكمة الرب. نقول: إن الله سبحانه وتعالى لا يفعل ذلك؛ لأن الله نفى عن نفسه الظلم، فقال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي فلا تظالموا». ومن ذلك ما استدل به العلماء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما﴾، هذا وعد من الله بأن من يعمل الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما. قال رحمه الله تعالى: «وكذا التقي إلى الجنان سيدخل»، والتقي مأخوذ من التقوى، وهو الذي يتقي عذاب الله وغضبه بوقاية، وهي الأعمال الصالحة. قال: «إلى الجنان سيدخل»، والجنة في اللغة هي البستان الكثير الأشجار. مادة الجنة، وهي الجيم والنون، تدل على الاختفاء. فالجنة سماها الله جنة لكثرة أشجارها، وأنها تجنن وتخفي ما أعده الله فيها. نسأل الله أن يجعلنا من أهلها. هنا مسألة متعلقة بالجنة والنار، كعقيدة يعتقدها أهل السنة والجماعة. أولا، الشقاوة التي ذكرها المؤلف تختلف، فهناك شقاوة مستحكمة في العبد، وهذه صلي في نار جهنم خالدا مخلدا فيها، كشقاوة الكافر. وأما من كانت شقاوته دون ذلك، فهذا لا يخلد في نار جهنم، كحال العصاة والمذنبين. ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار موجودتان الآن، مخلوقتان، دل على ذلك أدلة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة. من الكتاب قوله تعالى في وصف الجنة: ﴿أعدت للمتقين﴾، وفي النار: ﴿أعدت للكافرين﴾. ومعنى أعدت أي هيئت. وأدلة السنة كثيرة، منها ما جاء في رحلة الإسراء والمعراج، ورؤية النبي صلى الله عليه وسلم للجنة والنار. والإجماع، فقد اتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن. المبتدعة خالفوا في هذه المسألة، فقالوا إن الجنة والنار لم توجد الآن، وإنما توجد إذا قامت الساعة. ومن شبههم أن وجود الجنة والنار الآن يجعلهما عرضة للفناء عندما يفنى الخلائق. ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن الله أوجد الجنة والنار للبقاء لا للفناء. ومن المسائل المهمة في هذا الباب: مكان الجنة والنار. أما الجنة فلا إشكال أنها في السماء. وأما النار، فالعلماء اختلفوا فيها، فقيل إنها في السماء، وقيل في الأرض، وقيل بالحسم وعدم الجزم. قال صديق حسن خان: وهذا القول أرجح الأقوال وأحوطها. ومما يتعلق بالجنة والنار: سعة النار وعظمتها. فالنار عظيمة جدا، تخيل أن الكافر يكبر ويكبر حتى يصل ضرسه إلى جبل أحد. وما بين منكبيه مسيرة ثلاثة أيام. وتخيل عظم جثمان الكافر، فكيف تكون سعة النار؟ يؤتى بها ولها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرها. ولها قعر عظيم، إذا رمى الحجر من طرفها، فإنه يصل إلى القاع بعد سبعين سنة. فهذه النار عظيمة جدا، نسأل الله السلامة والعافية. وهذا الذي أراده المؤلف من بيان أن من عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بالجنة والنار، وأنهما موجودتان، وأن النار أعدها الله للأشقياء، والجنة أعدها الله للأتقياء. والنار يدخلها الشقي بحكمة، بذلك سبب ذنوبه ومعاصيه، ليس ذلك من باب أن الله أدخله هكذا من غير جرم. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم. النار عندما يدخل أهل الجنة الجنة تكون هناك سعة، فينشأ الله لها خلقًا لسعة الجنة. قال بعض العلماء، مثل الشيخ ابن عثيمين، إن النار في الأرض، ولكنه قول فيه خلاف بين العلماء. أما الجنة فهي في السماء، قولا واحدا. وقد مثل الله لنبينا صلى الله عليه وسلم الجنة في الأرض، فرآها أمامه في صلاة الكسوف. وأما النار، فالعلماء اختلفوا فيها، والشيخ ابن عثيمين يرى أنها في الأرض. من الأدلة على أنها في الأرض: حديث البراء بن عازب، وفيه أن الله قال في حق الكافر والفاجر: «لا تفتح لهم أبواب السماء»، فدل على أن النار ليست فوق. ثم قال: «أكتبوا كتاب عبدي في سجين في الأرض السفلى»، فتنزل روحه. فهذه الأدلة تسعف من ذهب إلى أنها تحت الأرض. ومن أهل العلم من يرى أن الخير في السكوت لعدم قوة الأدلة. فذهب السيوطي وصديق حسن خان والدهلوي إلى السكوت وعدم الجزم في هذه المسألة. أما الجنة فهي في السماء، ولهذا ما اختلف أهل العلم في هذا الباب. وقد جاء في صلاة الكسوف أن الله مثل له الجنة فرآها أمامه. يوم القيامة، عندما ينادى: «يا آدم أخرج بعث النار»، يقول: «كم؟»، فيقول: «من كل ألف واحد في الجنة». قال: «حين تشيب الولدان». قال ربنا سبحانه وتعالى في سورة الكهف: ﴿يموج بعضهم فوق بعض﴾، يصف خروج يأجوج ومأجوج. جاء في بيان كثرتهم أنهم يمرون على نهر طبرية، فيشربون منه حتى يفنيه. ولهذا قال نبينا: «لا يدان أحد بقتالهم»؛ لكثرتهم. فإذا أراد الناس أن يخرجوا من الجبال، ما استطاعوا؛ لأن الأرض تمتلئ من جثثهم. قال: «إن فيك أمتين هما يأجوج ومأجوج»، وهم الذين يكثرون هذا العدد الضخم من أهل النار. نعاذ الله من ذلك.