الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 8، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول المقطع الفروق بين التصرفات الشرعية المختلفة مثل الطلاق، العتق، الظهار، البيع، الإجارة، الشركة، الوقف، الهبة، العطية، والوصية. يشرح كيفية التعامل مع الأعضاء المشاعة والمعينة في هذه التصرفات.
الوصية تكون بالثلث لغير وارث وتلزم بعد الموت، بينما العطية في مرض الموت تلزم من حينها وتراعى فيها الأولوية. الهبة تختلف عنهما في جواز إعطاء المال كله لواحد دون التقيد بالثلث.
يناقش المقطع بعض الفروق الفقهية مثل التفريق بين الوقف على بعض الورثة والوصية لهم، والتفريق بين القتل العمد والخطأ وشبه العمد. يتناول أيضا التفريق بين الأعضاء المغسولة والممسوحة في الوضوء.
المسح في التيمم يكون على الوجه والكفين مرة واحدة، وهذا يدل على التخفيف في الطهارة الترابية. جاء ذلك في حديث عمار وتفسير آية التيمم.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعدي رحمه الله في كتابه «القواعد والأصول الجامعة وفروق التقاسيم البديعة النافعة» في ذكره الفروق والتقاسيم: قالوا: من الفروق الصحيحة أن من أوقع طلاقا أو عتقا أو ظهارا أو نحوه على شعر أو سن أو ظفر لم يقع على المذكورين شيء. وإذا أضيف إلى عضو مشاع أو معين غير المذكورات وقع ولم يتبعض. أما التصرفات الأخرى الواقعة على الأعيان كالبيع والإجارة والشركة والوقف والهبة ونحوها، فيصح وقوعها على الكل أو على البعض المعلوم. يقول: من أوقع طلاقا أو عتقا أو ظهارا أو نحوه على شعر أو سن أو ظفر لم يقع، يعني لو قال الرجل لمرأته: سنك طالق، أو شعرك طالق، أو ظفرك طالق، لم يقع الطلاق؛ لأن هذه الأشياء في حكم المنفصل. وهكذا أيضا لو أوقع عتقا، قال: ظفرك معتوق، أو شعرك معتوق، أو نحو ذلك، لم يقع العتق. وهكذا الظهار. أما لو أضيف إلى عضو مشاع، يعني كالنصف أو الربع أو الثلث، فإذا قال: نصفك طالق، أو ربعك طالق، أو ثلثك طالق، هنا يقع الطلاق على الكل ولا يتبعض. أو معين كان، يقول: يدك طالق، أو قدمك طالق، أو وجهك طالق، فهنا لا يقع وأقصد يعني لا يتبعض، ويقع الطلاق على الجميع، تطلق كاملا. وأما التصرفات الأخرى الواقعة على الأعيان كالبيع والإجارة إلى آخره، فهذه يجوز تجزئتها، كان يقول: نصف هذا البيع، نصف بيتي، أو نصف أرضي، أو نصف السيارة، أو نصف العبد إلى آخر ذلك، سواء كان في باب البيع أو في باب الإجارة، كان يؤجر نصف البيت. وهكذا في باب الشركة، كان يعني يشارك بجزء من ماله، نصف المال، أو ربع المال، أو ثلث المال. وهكذا في باب الوقف، إذا أوقف ثلث ماله مثلا أو نحو ذلك، فهذا جائز، فيحصل ما تصرف فيه من هذا التصرف الجزئي. قالوا: من الفروق الصحيحة بين الهبة والعطية والوصية أن الهبة ثابتة كلها إذا لم تتضمن ظلما ولو استوعبت المال كله. وأما الوصية فإنها لا تثبت إلا بعد الموت بالثلث فأقل لغير وارث. والعطية في مرض موته المخوف كذلك، إلا أنها تلزم من حينها، ويقدم فيها الأول فالأول. والوصية يدلي الموصى لهم بعد موته جميعا. هذه من الفروق الصحيحة بين الهبة والعطية والوصية أن الهبة ثابتة كلها إذا لم تتضمن ظلما ولو استوعبت المال كله، يعني الإنسان أن يهب ما له كله في حال حياته وصحته، هذا إذا لم يتضمن ظلما كان يؤدي ذلك إلى تضييع نفقة من يعول، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول». إذا كان سيعني يتصرف في ماله كله ويؤدي ذلك إلى تضييع من تحت يده من أهل وأولاد نحو ذلك، هذا لا يجوز. أما إذا لم يكن في ذلك ظلم فلا بأس أن يهب ماله كله. قالوا: أما الوصية فلا تثبت إلا بعد الموت بالثلث فأقل لغير وارث، الوصية يتصرف بالمال بعد الموت، فلا يصح تصرف بشيء من المال إلا قدر الثلث، كما في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، حين قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «الثلث والثلث كثير»، ثم كون الإنسان يذر ورثته أغنياء هذا خير من أن يذرهم عالة يتكففون الناس ويحتاجون إلى الناس. فالوصية لا تكون إلا بالثلث فأقل وتكون لغير وارث، لا وصية لوارث. قال: والعطية في مرض موته المخوف، إذا مرض الإنسان مرض مخوف يخاف منه الموت، فهنا إذا أراد أن يتصرف بشيء من ماله لا يتصرف إلا بقدر الثلث، إلا بقدر الثلث. قال: إلا أنها تلزم من حينها، يعني من حين نوى العطاء أو أراد أن يعطي، فمن ذلك الوقت تلزم العطية، بخلاف الوصية فلا تلزم إلا بعد الموت. قال: ويقدم فيها الأول فالأول، يعني العطية يراعى فيها الترتيب، يراعى فيها الترتيب، فلو قال: أعطوا فلانا وفلانا وفلانا، ثم رأينا وإذا المال لا يسع للثلاثة، ويبدأ بالأول ثم الذي بعده والثالث إن لم يبق له شيء فليس له شيء؛ لأن العطية يراعى فيها الترتيب. فلو كان حيا وأعطى سعيدا ثم أراد أن يعطي عمرا فأعطاه، ثم أراد أن يعطي محمدا فلم يجد شيئا لم يكن له شيء، فكذلك أيضا يكون تقسيم هذه العطية بعد موته أو في حال مرض موته المخوف. بخلاف الوصية، فالوصية يشترك فيها الموصى لهم، يشترك فيها الموصى لهم، فلو أوصى بثلث ماله أو قال مثلا: أعطوا محمدا بيتا، وسعيدا بيتا، وعليا بيتا، ثم نظرنا فإذا الثلث من الوصية هو قدر بيت واحد، فهل يعطى هذا البيت لسعيد فقط أو يشترك الجميع؟ الجواب: يشترك الجميع، جميع الثلاثة يشتركون في هذا البيت. واضح هذا فرق بين الوصية وبين العطية. وأما بالنسبة للهبة فكما سمعنا يجوز أن تعطى لواحد، يجوز أن يعطي ماله كله لواحد، له ذلك، لكن إذا لم يكن في ذلك شيء من الظلم. هذا فرق صحيح. قالوا: فرق الضعيفة بل الخارقة للإجماع تجويز بعض الفقهاء وقف المريض مرض الموت المخوف ثلثه على بعض ورثته بلا إذن الباقين، فإن هذا عين الوصية للوارث التي لا تجوز بالاتفاق. نعم، هذا من الفروق الضعيفة، بل كما ذكر رحمه الله أن هذا الفرق خالف للإجماع، تجويز بعض الفقهاء، وحنابلة أجاز وقف المريض مرض الموت المخوف ثلثه على بعض ورثته بلا إذن الباقين، يعني يخص بعض الورثة بوقف دون الباقين، فيقولون: هذا جائز، يجوز للإنسان أن يوقف بعض ماله على بعض الورثة دون بعض. ولا يجوز أن يوصي لبعض الورثة دون بعض، فيقال لهم: لماذا هذا التفريق؟ فيقولون: لأن الوصية إذا أوصى لبعض الورثة فقد ملكهم ما أوصى لهم، وصاروا متملكين له، ويتصرفون فيه تصرف الملاك، فلهم أن يبيعوا ويشتروا ويتصرفوا في هذه العين التي أعطيت لهم ووصي لهم بها، بخلاف الوقف، فيقولون: إن الموقوف له لا يملك العين، وإنما ينتفع فقط، وإنما ينتفع فقط، فلهذا جاز أن يوقف على بعض الورثة بخلاف الوصية. وأجاب أهل العلم بأن هذا لا يجوز؛ لأنه لا فرق بين أن يوصي لهم وبين أن يوقف عليهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا وصية لوارث»، فكل ما كان فيه معنى الوصية، سواء كان تمليكا أو كان انتفاعا، فإنه لا يجوز؛ لأن المقصود لا يخص بعض الورثة بشيء دون بعض. وإذا أوقفت على بعض الورثة قد خصصتهم بشيء دون بقية الورثة، وهذا لا يجوز، فلهذا كان هذا التفريق تفريقا ضعيفا. قال: فإن هذا عين الوصية للوارث التي لا تجوز بالاتفاق. قال: من الفروق الصحيحة الثابتة بالنص والإجماع التفريق بين قتل العمد العدوان الذي يوجب القصاص أو الدية، وبين قتل الخطأ وشبه العمد الموجب الدية فقط. وكذلك في الأطراف. نعم، هذا من الفروق الصحيحة الثابتة بالنص والإجماع التفريق بين القتل العمد العدوان، فهذا يوجب القصاص أو الدية إذا تنازل أولياء المقتول عن القصاص ورضوا بالدية، وتكون دية مغلظة. وبين قتل الخطأ وشبه العمد، يعني يفرق بين قتل العمد العدوان وبين قتل الخطأ وشبه العمد، فقطل الخطأ وشبه العمد لا يوجب إلا الدية فقط. قتل الخطأ: أن لا يقصد الجناية فيحصل منه القتل خطأ. وشبه العمد: أن يقصد الجناية لكن لا يقصد القتل، ولهذا يضربه بشيء لا يقتل غالبا كحصة صغيرة أو عصا أو لكمة فيموت ويقتل بسبب ذلك، فهذا شبه العمد، لكن هذا في حق من لا يحسن القتال. أما من يحسن القتال باللكمة كأصحاب الخبرة بالقتال، فهذا يعتبر عمدا إذا ضربه ضربة قاتلة ويعلم أن هذه ضربة قاتلة، فيكون بذلك متعمدا. نعم، أما إذا كان لا يعلم ولم يقصد قتله، وإنما أراد فقط ضربه، فهذا شبه عمد. وقد جاء في سنن أبي داود من حديث عبد الله بن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مئة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها». ففرق النبي عليه الصلاة والسلام بين شبه العمد وبين العمد، فلم يجب القصاص، وإنما أوجب الدية المغلظة. قالوا: من الفروق الصحيحة التفريق بين الأعضاء المغسولة في الوضوء فيشرع فيها التكرار، وبين الممسوحة كالرأس والخفين والخمار والعمامة، فلا يشرع فيها التكرار؛ لأن الممسوحات مبنية على السهولة، ولذلك جعل المسح في التيمم في عضوين وهما الوجه والكفان مرة واحدة. هذا من الفروق الصحيحة التفريق بين الأعضاء المغسولة في الوضوء فيشرع فيها التكرار، يعني الأعضاء التي تغسل يشرع فيها تكرار الغسل، كالوجه واليدين والقدمين. والأعضاء التي تمسح كالرأس والخفين إذا كانت في القدمين، والعمامة والخمار إذا كان في الرأس، فإنها تمسح مرة واحدة ولا يشرع فيها التكرار، وهذا الذي صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه مسح مرة واحدة في الخفين وفي العمامة، وفي كذلك مسح الرأس. والتعليل في ذلك أن المسح مبني على السهولة والتخفيف، فلما سهل في الكيفية في كيفية المسح، كان من المناسب أن يسهل في العدد، أن يسهل كذلك في العدد، فيكتفى بمسحة واحدة. قالوا: لذلك جعل المسح في التيمم في عضوين وهما الوجه والكفان كذلك في التيمم يمسح الوجه والكفان مرة واحدة، كما في حديث عمار في الصحيحين. وكذلك إطلاق الآية: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ ولم يذكر تكرارا، فهذا لأنه مبني على التخفيف. نعم، نفعنا الله وإياكم. صلى الله عليه وسلم، ربي محمد، آله وصحبه أجمعين.