الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 12، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبدأ الدرس بالحديث عن الفروق اللغوية في ألفاظ الطلاق، ثم ينتقل إلى الفروق الفقهية في الطهارة مثل مسح الجبيرة ومسح الخفين وطهارة الأحداث وطهارة النجاسة.
يناقش الدرس تقسيم النجاسات إلى ثلاثة أقسام: مغلظة، مخففة، ومتوسطة، ويوضح كيفية إزالة كل قسم منها وفقًا للأدلة الشرعية.
يختتم الدرس بالدعاء للنبي محمد وآله وصحبه، ويُعلن عن استكمال الدروس في المستقبل بإذن الله.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه "القواعد والوصول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة النافعة" في ذكر الفروق والتقاسيم. فصل: ومن الفروق اللطيفة التي تتصيد من تتبع كلام الفقهاء أن الألفاظ الصريحة في الطلاق ونحوه لا تحتاج إلى نية، ولا يقبل صاحبها إذا حوكم عند الحاكم إذا ادعى أنه أراد خلاف صريح كلامه. وأما الألفاظ المحتملة احتمالا بينا لغير الظاهر منها، يقبل صاحبها حكما؛ لأن احتمال إرادته أقوى. وأما الألفاظ التي تحتمل خلاف المفهوم احتمالا مرجوحا، لا يقبل صاحبها حكما، ولكنه يدين. وهل الأولى للمرأة أن تدين زوجها في مثل هذه الأمور وترفعه إلى الحاكم؟ الأولى النظر إلى القرائن، فإن علمت صدقه أو غلب على ظنها صدقه، وكلته إلى دينه؛ لأن احتمال إرادته ما قال قوي. وإن غلب على ظنها كذبه، رفعته إلى الحاكم. يقول: الألفاظ الصريحة في الطلاق ونحوه لا تحتاج إلى نية، يعني إذا تلفظ الإنسان بها، فإنه يؤاخذ بها على ظاهر اللفظ. لو قال رجل لامرأة: "أنت طالق"، هذا لفظ صريح في الطلاق. فإذا حكم عند الحاكم وادعى أنه أراد خلاف الظاهر، قال: "لا، لا ما أردت أنها تطلق، ولكن أردت أنها طالق من وثاق أو طالق من رباط"، هل يقبل هذا منه؟ يقول: لا يقبل منه؛ لأن هذا لفظ صريح لا يحتمل إلا ظاهره، فيؤاخذ به إذا حكم عند الحاكم، فإنه يؤاخذ بظاهر هذا اللفظ. لكن إذا لم يوقف عند الحاكم، يعني لو قال لامرأة: "أنت طالق"، فإن قال: "والله ما أردت الطلاق، إنما أردت أن تطالق من حبل أو من رباط"، فهنا المرأة إن كانت تثق في دينه وتعلم أنه صادق فيما يقول، فتقبل ذلك منه. وأما إن لم تثق في دينه، فلا يقبل منه ذلك. قالوا: ومن الألفاظ المحتملة احتمالا بينا لغير الظاهر مثل قوله مثلا: "الحقي بأهلك"، هذا احتمال ليس صريح في الطلاق، لكن يحتمل الطلاق إذا نوى بذلك. بهذا اللفظ الطلاق، فهذا يقبل، يعني قوله إن ادعى عدم إرادة الطلاق؛ لأن هذا اللفظ ليس صريحا في الطلاق، وإرادة عدم الطلاق به هو الأقوى. وإذا ادعى ذلك أنه لم يرد الطلاق، فإنه يقبل قوله. قالوا: ومن الألفاظ التي تحتمل اختلاف المفهوم احتمالا مرجوحا، فهنا لا يقبل صاحبها حكما، ولكنه يدين، يعني مثلا لفظ "الحقي بأهلك" إذا كان هذا في العرف أنه من ألفاظ الطلاق، في العرف أن هذا اللفظ يعد طلاقا، فهل يعني يعتبر طلاقا؟ فيقول هنا: لا يقبل صاحبه حكما، ولكن يدين، يعني ينظر في دينه، إن كان عنده تدين ويعلم صدقه وعدم كذبه، فيأخذ بقوله في ادعاء عدم مراده الطلاق. وأما إن كان لا يقبل تدينه وعنده ضعف في دينه، فهذا يؤاخذ بظاهر اللفظ أنه يعد طلاقا. قالوا: هل الأولى للمرأة أن تدين زوجها في مثل هذه الأمور وترفعه إلى الحاكم أم لا؟ يعني إذا طلق أو إذا قال: "الحقي بأهلك"، وهذا اللفظ في العرف أنه طلاق، هذه مثل هذه الحال، يعني تدين زوجها وتقبل قوله إن علم صدقه أو لا، أو ترفعه إلى الحاكم وتحاكمه؟ فقال: ينظر إلى القرائن، فإن علم صدقه أو غلب على ظنها صدقه، وكلته إلى دينه؛ إذا علمت أنه صدق وأنه لم يرد الطلاق، فمثل هذه الحال لا ترفعه إلى الحاكم، بل تقبل قوله، وهو وكلته إلى دينه. وإن كان قال: "لأن احتمال إرادته ما قال قوي"، يعني احتمال غير الظاهر قوي؛ لأنه يقبل قوله لتدينه، فيكون في الغالب أنه صادق، فمثل هذه الحال ما يجوز لها أن ترفعه إلى الحاكم، وربما يؤخذه الحاكم بظاهر اللفظ فيحرمها منه وهو حلال لها. وإن غلب على ظنها كذبه، تعلم أنه متلاعب ما عنده أمان في دينه، فمثل هذا ترفعه إلى الحاكم حتى يؤاخذه بما تلفظ به وتكلم به. فالخلاصة أن اللفظ الصريح الذي يتلفظ به المرء بالطلاق مثلا، فإنه يؤخذ به إلا إذا ادعى خلاف ذلك وقبل تدينه، قبل منه. وأما اللفظ غير الصريح، فإن ادعى عدم إرادة الطلاق، قبل منه؛ لأنه هو الأظهر. وأما هل تحاكمه أو لا تحاكمه، فينظر في ذلك، إن غلب على ظنها أنه صادق ولم ترفعه إلى الحاكم، وإن غلب على ظنها التلاعب أنه متلاعب وأنه كذاب، فإنها ترافعه إلى الحاكم. وإن ترددت هل هو صادق أو كاذب، هنا يقال: لا ترفعه إلى الحاكم، بل تقبل قوله. قالوا: من الفروق الصحيحة بين مسح الجبيرة ومسح الخفين ونحوهما أن الجبيرة لا تكون إلا عند الضرورة إليها، وتمسح كلها في الحدث الأكبر والأصغر، ويمسح عليها إلى حلها أو برء ما تحتها، ولا يشترط لها تقدم الطهارة على الصحيح. وأما مسح الخفين والعمامة والخمار، فيجوز في الضرورة والسعة، ولا بد فيه من تقدم الطهارة، ويكون في الحدث الأصغر خاصة، ومدته للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها. هذا الفرق من الفروق الصحيحة بين مسح الجبيرة ومسح الخفين. الجبيرة ما يوضع على الكسر من خشبتين ولفها أو جبس أو نحو ذلك، وسميت الجبيرة من باب التفاؤل بجبر الكسر. فيقول: إن الجبيرة لا تكون إلا عند الضرورة، الإنسان ما يستعمل الجبيرة إلا إذا اضطر إليها إذا أصابه كسر في يده أو في قدمه أو في موضع آخر من بدنه، فيضطر إلى استعمال الجبيرة، بخلاف مسح الخفين، يلبس الخفين من غير ضرورة، لا يشترط في لبس الخفين أن يكون هناك برد مثلا أو يكون في قدمه جروح، ما يشترط، متى ما شاء أن يلبس الخفين لبسها. هذا فرق، إذا الجبيرة لا تلبس إلا عند الضرورة، وأما الخفين فإنها تلبس ولو من غير ضرورة، وهكذا العمامة والخمار كذلك أيضا. ومن الفروق أن الجبيرة تمسح كلها في الحدث الأكبر والأصغر، إذا أصابته جنابة مثلا وتيمم، فإنه يمسح عليها، أو إذا اغتسل، إذا اغتسل مثلا وفي موضع من يده جبيرة، فإنه يمسح عليها، وهكذا إذا أصابه حدث أصغر. وأما مسح الخفين، فإنما يكون بالحدث الأصغر فقط، وأما الحدث الأكبر، فلا بد من نزع الخفين وغسل القدمين. وهكذا أيضا أن الجبيرة يمسح عليها إلى حلها أو برء ما تحتها، يعني ليس للمسح على الجبيرة زمن محدود، بخلاف مسح الخفين، فإنه لا يمسح عليها إلا للمقيم يوم وليلة وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها. هذه فروق بين مسح الجبيرة ومسح الخفين. وأما قوله: "وأما مسح الخفين والعمامة والخمار فيجوز في الضرورة والسعة ولا بد فيه من تقدم الطهارة" إلى آخر ما ذكر، هذه الشروط اشترطت في مسح الخفين. وأما في مسح العمامة، في الصحيح أنه لا يشترط، لا يشترط أن يلبس العمامة على طهارة، ولا يشترط كذلك أن يمسح عليها هذه المدة التي هي في مسح الخفين، هذا لا دليل عليه، فيفرق بين مسح العمامة ومسح الخفين بأن العمامة لا يشترط لبسها على طهارة، ولا كذلك أن تمسح في المدة المعينة، بخلاف المسح على الخفين. قالوا: من الفروق الصحيحة أن طهارة الأحداث لا بد فيها من نية؛ لأنها معنى من المعاني، وطهارة النجاسة لا يشترط لها النية، سواء كانت في البدن أو على الثوب أو البقعة؛ لأنها من أقسام الإزالة التي القصد منها إزالتها. هذا من الفروق الصحيحة أن طهارة الأحداث لا بد فيها من نية، إذا أصاب الإنسان حدث سواء كان حدثا أكبر هو الجنابة مما يوجب الغسل، أو كان حدثا أصغر وهو ما تنتقض به الطهارة من نواقض الوضوء، فلا بد من نية لرفع الحدث، لا بد من نية لرفع الحدث، وقول: "لأنها معنى من المعاني"، أي لأنها مما أمر الشرع بإزالتها ورفعها، وبهذا تكون عبادة، وإذا كانت عبادة، فلا بد فيها من نية، لا بد فيها من نية، "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى". وأما طهارة النجاسة وإزالة النجاسة، فهذه من باب الإزالة، يعني المقصود هو ترك النجاسة وإبعاد النجاسة، فلا يشترط لإزالتها نية، لا يشترط لإزالتها النية. ولهذا لو أن إنسانا علق ثوبه فيه نجاسة فأمطرت السماء وغسل بالماء وزالت النجاسة، هل يطهر بذلك؟ الجواب: نعم يطهر بذلك. إذا كانت الأرض فيها نجاسة وصب عليها الماء أو وصلها ماء وطهرت بهذا الماء، هل تطهر بذلك؟ الجواب: نعم، الجواب: نعم، بل إن النجاسة تزال بأي شيء كما سيأتي فيما سيذكره المؤلف رحمه الله في الفرق الذي بعد هذا. إن خلاصة هذا الفرق أن الأحداث لا بد في إزالتها من نية من رفعها، وأما النجاسات فلا يشترط في رفعها نية؛ لأنها من قسم الإزالة المقصود منها إزالتها ورفعها. قالوا: من الفروق الصحيحة تقسيمهم النجاسة إلى ثلاثة أقسام: أحدها مغلظة كنجاسة الكلب والخنزير التي لا بد فيها من سبع غسلات إحداها بتراب ونحوه. والثاني مخففة كنجاسة بول الغلام الذي لم يأكل الطعام لشهوة وقيئه، فيكفي فيها النضح. وكذلك يعفى عن الدم والقيح والصديد اليسير ونحو ذلك. والثالث متوسطة وهي باقي النجاسات، يكفي فيها على الصحيح أن تزول بأي شيء وبأي عدد، وقيل: لا بد فيها من سبع غسلات. قالوا: من الفروق الصحيحة تقسيم النجاسة إلى ثلاثة أقسام: أحدها نجاسة مغلظة كنجاسة الكلب والخنزير، هذه لا بد فيها من سبع غسلات إحداها بالتراب، للحديث الوارد في ذلك، حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيح: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا إحداهن بالتراب". فهذه نجاسة مغلظة على القول بنجاسة لعاب الكلب، فأمر الشرع بغسلها سبع غسلات، لا بد من سبع غسلات إحداها بالتراب. وهل يلحق الخنزير بالكلب؟ المؤلف رحمه الله كان يرى إلحاق الخنزير بالكلب، والصحيح أن الخنزير لا يلحق بالكلب، وأن هذا الحكم خاص بالكلب فقط. وأما الخنزير وإن كان محرما وإن كان حيوانا مستخبثا، إلا أنه لا دليل على أن نجاسته مغلظة، بل هو كغيره من النجاسات، لا يشترط في إزالتها سبع غسلات على الصحيح. والثاني نجاسة مخففة كنجاسة بول الغلام الذي لم يأكل الطعام لشهوة، كبول الغلام الرضيع الذي لم يأكل الطعام لشهوة، يكتفى في إزالة نجاسته بالرش، يرش بوله وينضح، ولا يجب غسلها، جل الأحاديث الواردة في ذلك حديث أبي السمح عند أبي داود وغيره: "يرش من بول الغلام ويغسل من بول الجارية". وحديث عائشة وأم قيس في الصحيحين، اكتفى عليه الصلاة والسلام بالنضح على بول الغلام، فدل هذا على أن نجاسة بول الغلام الرضيع مخففة، فيكتفى فيها بالنضح والرش، ولا يجب غسلها، بخلاف الكبير أو الذي يأكل الطعام، فإنه يجب غسلها. وقوله: "ولقيئه" يعني أن قيئه طاهر، وأما الكبير فقيئه ليس بطاهر، هذا مفهوم كلام المؤلف رحمه الله، والصحيح أن القيء طاهر سواء كان من الصغير أو الكبير، ولا دلالة على نجاسة القيء. وقوله: "وكذلك يعفى عن الدم والقيح والصديد اليسير" يعني ما أصاب الإنسان من قيح أو صديد وهي الأوساخ التي تخرج من بعض الجروح أو البثور، فإنها يعفى عنها. والصحيح أن القيح والصديد طاهر، ولا دليل على النجاسة، ولا دليل على النجاسة، وهذا ما رجع إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن القيح والصديد طاهر، والنجاسة الحكم على الشيء بأنه نجس لا بد من دليل يدل على ذلك. وأما الدم فسيأتي الكلام عليه فيما سيذكره المؤلف رحمه الله في الفروق في الدماء. قال: "والثالث متوسطة" يعني نجاسة متوسطة، قال: "وهي باقي النجاسات يكفي فيها على الصحيح أن تزول بأي شيء وبأي عدد"، وقيل: "لا بد فيها من سبع غسلات". بقية النجاسات كبول الكبير مثلا وغير ذلك، هذه تزول بأي شيء، سواء أزيلت بالماء أو أزيلت بالشمس أو أزيلت بالريح أو أزيلت بالتبخر أو بأي شيء، إذا زالت على الصحيح فإنها تطهر، هذا هو الصحيح الذي ذهب إليه المؤلف رحمه الله وهو كذلك. وكذلك لا يشرط في إزالتها عدد، إذا غسل البول مثلا مرة واحدة فزال، حصل التطهير، إذا لم يزل لم يطهر، مرة واحدة غسل مرة ثانية، وإذا لم يذهب الثانية غسل مرة ثالثة، فليس له عدد محدود. وأما اشتراط سبع غسلات في إزالة أي نجاسة، هذا لا دليل عليه، هذا لا دليل عليه، بل ترده الأحاديث الصحيحة كقصة الغيث الذي أصاب ببول الأعرابي في طائفة المسجد، لما بال أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء وأهرق عليه، ما قال: "هات ذنوبا آخر وثالث"، بل أمر مرة واحدة واكتفى بذلك. وهكذا أيضا في حديث أسماء لما سألته عن الحيض وصبغ الثوب، قال: "أقرصيه ثم انضحيه ثم صبغيه بالماء"، ولم يأمرها بتعدد الغسلات، هذا يدلنا على أنه يكفي بغسل النجاسة مرة واحدة. طيب، نقف هنا إن شاء الله، ونكمل في الدرس القادم بإذن الله صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.