من ثمار الأعمال الصالحة

من ثمار الأعمال الصالحة

الخطبة بعنوان من ثمار الأعمال الصالحة، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 6 شوال 1446هـ الموافق 4 أبريل 2025 م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

شروط قبول الأعمال وثمارها الدنيوية

يبيّن الخطيب شروط قبول العمل وهي الإسلام والإيمان والتوحيد والإخلاص والمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم مستدلاً بالكتاب والسنة. ثم يذكر ثمرات الأعمال الصالحة في الدنيا من الحياة الطيبة وسعادة القلب وانشراح الصدر وطمأنينة المؤمن.

ثمار الأعمال الصالحة في الدنيا والآخرة

يستعرض المقطع ثمار الطاعة في الدنيا كحفظ الذرية والمال وكشف الكروب ونيل محبة الله ومحبة الخلق. ويختم بأعظم ثمرة في الآخرة وهي الخاتمة الحسنة للمثابر على الطاعة.

حسن الخاتمة وإنكار منكرات العيد

تتناول الخطبة ثمار الأعمال من بشارة الجنة وحسن الخاتمة والنجاة من عذاب القبر والفوز بالنعيم المقيم. ثم تنتقل لتحذير شديد من مظاهر الاختلاط والرقص والغناء في كورنيش الشحر داعية لإنكار هذا المنكر.

الدعاء على أعداء الدين وختام الخطبة

يوجه الداعي دعاءً شديداً إلى الله بأن ينزل بأسه على أعداء الدين من اليهود والروافض وأعوانهم مستعيناً بأسماء الله القوية. ثم يختم بالتسبيح والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم والدعوة للصلاة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، قد كنا في شهر رمضان المبارك، وفي ذلك الموسم العظيم من مواسم الطاعات وفعل الخيرات، قد ألفنا على الأعمال الصالحات من صلاة وقيام، ومن صيام وصدقة وإطعام، ومن ذكر لله وقراءة للقرآن. فما أحوجنا عباد الله أن نستمر على هذا الخير، وأن نلازم فعل الصالحات لما لها من ثمار يانعات وفوائد نافعات في الحياة الدنيا وبعد الممات وفي الآخرة. وقبل أن نذكر شيئًا من ثمار الأعمال الصالحة في الدنيا والآخرة، نذكر شروط قبول الأعمال التي ينبغي للعبد أن يهتم بها وأن يحققها في سائر أعماله حتى يتقبلها الله سبحانه وتعالى منه. فأول هذه الشروط: هو الإسلام والإيمان والتوحيد، فإن الأعمال الصالحة لا تقبل من الكافر والمشرك. قال ربنا جل وعلا: ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾. وقال سبحانه: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴾. وقال عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾. وقال عز وجل: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾. هذا حال الكافر الذي وإن عمل الأعمال الصالحة في الدنيا حال كفره، فإنه ربما ينتفع بها في دنياه، وأما في الآخرة فليس له إلا النار والجحيم. وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين، فهل ذلك ينفعه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «لا ينفعه، إنه لم يقل يومًا من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين». هكذا تذهب أعمال الكافر هباء منثورًا. فهنيئًا لمن وفقه الله عز وجل للإسلام والإيمان والتوحيد وإخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى. فإذا توفر هذا الشرط، فلا بد من توفر الشرطين الآخرين، ألا وهما: الإخلاص والمتابعة. أن يكون عملك أيها المسلم خالصًا لله سبحانه وتعالى، ليس فيه شائبة من شوائب الشرك والرياء والسمعة والشهرة ومحبة الثناء وغير ذلك من أمور الدنيا. قال نبينا عليه الصلاة والسلام كما في صحيح الإمام مسلم: «قال الله عز وجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه». وكذلك أيضًا المتابعة: أن يكون هذا العمل موافقًا لهدي النبي عليه الصلاة والسلام ولدينه وشريعته وسنته، وإلا كان مردودًا على صاحبه، وكان من البدع والمحدثات التي لا يقبلها الله سبحانه وتعالى. والله عز وجل يقول: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾. وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» أي مردود على صاحبه. وفي الصحيحين عن أنس في قصة الثلاثة النفر الذين سألوا عن أعمال النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا بها فكأنهم تقالوها أي رأوها قليلة، قالوا: أين نحن من رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فقال أحدهم: أما أنا فأصلي ولا أنام. وقال الآخر: أما أنا فأصوم ولا أفطر. وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ أما إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكنني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». إذا علمنا ذلك عباد الله، فلنعلم لما للأعمال الصالحة من ثمار طيبة ومن فوائد نافعة في الحياة الدنيا وفي الآخرة. فمن ذلكم، من تلكم الثمار، من ثمار الأعمال الصالحة في الدنيا: ما يجده المؤمن من سعادة وحياة طيبة، من انشراح صدره وطمأنينة قلبه، وكذلك راحة فؤاده بطاعة ربه سبحانه وتعالى. قال ربنا عز وجل: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾. قال إمام المفسرين رحمه الله: هذا وعد من الله لمن عمل صالحًا من ذكر أو أنثى من بني آدم وهو مؤمن بالله ورسوله، أن يحييه حياة طيبة في الدنيا، وأن يجزيه على أعماله خير الجزاء في الدار الآخرة. فانظر أيها المسلم إلى هذه النعمة العظيمة، وإلى هذه الثمرة الكريمة التي ينالها المؤمن بطاعته لربه سبحانه وتعالى. فيا من ضاقت بك الدنيا، وكذلك تكالبت عليك الهموم، أقبل على طاعة ربك، فستجد انشراح الصدر وطمأنينة القلب. قال بعض السلف: إنه ليمر علينا ساعات نقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا النعيم، إنهم لفي نعيم عظيم، إنهم لفي نعيم عظيم. ويقول إبراهيم أدهم رحمه الله: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن عليه لجالدونا عليه بالسيوف، أي: ما هم عليه من الراحة والسعادة من آثار الأعمال الصالحة التي يتقربون بها إلى الله سبحانه وتعالى. وكذلك أيضًا من ثمار الأعمال: أنها سبب لحفظ الأهل والمال والذرية، فما حفظت هذه الأمور بمثل طاعة الله وبتقوى الله سبحانه وتعالى. قال ربنا عز وجل: ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴾. من خاف على ذريته وخاف على أمواله، فعليه بتقوى الله سبحانه وتعالى، يحفظ الله عز وجل له ذريته وأهله وماله. وانظروا في قصة الخضر مع موسى، لما قال: ﴿ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ﴾. قال عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله عز وجل: ﴿ وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ﴾: «حُفظا بصلاح أبيهما، حُفظا بصلاح أبيهما». حفظ الله عز وجل لهما هذا الكنز، وحفظ الله عز وجل لهذا الرجل الصالح ذريته وماله بسبب صلاحه، بسبب تقواه لله سبحانه وتعالى. وما أحسن ما ذكر في ترجمة الإمام عمر بن عبد العزيز رحمه الله، أنه لما حضره الموت قيل له: ما تركت لولدك؟ ما تركت لولدك؟ أي من الإرث والمال. قال: تركت لهم تقوى الله سبحانه وتعالى، فإن كانوا صالحين فالله يتولى الصالحين، وإن كانوا غير ذلك فلا أترك لهم ما يعينهم على معصية الله. وقد خلف أحد عشر ولدًا، فرؤي أحد أولاده وقد تصدق في يوم واحد بمئة فرس في سبيل الله، أي أنه كان من الأغنياء الأثرياء مع أنه لم يترك لهم شيئًا من الدنيا، وإنما ترك لهم تقوى الله سبحانه وتعالى. وذكر أنه شأن من عبد الملك، كذلك خلف أحد عشر ولدًا، وقد ترك لكل واحد منهم من التركة ألف ألف دينار، أي مليون دينار من الذهب، ومع ذلك رؤي أحد أولاده وهو يتسول في الأسواق. فانظروا يا عباد الله كيف يحفظ الأولاد والذرية بتقوى الله سبحانه وتعالى. وكذلك أيضًا من ثمار الأعمال الصالحة: أنها سبب لكشف الكروب، ولذهاب الغموم والهموم، وكذلك رفع المصائب التي قد يبتلى بها العبد في هذه الدنيا، فما رفعت بمثل طاعة الله سبحانه وتعالى. ذكر ربنا عز وجل في سورة الأنبياء عددًا من أنبيائه ورسله: إبراهيم، ونوح، ولوط، وذو النون، وأيوب، وزكريا، وكيف أن الله عز وجل كشف همومهم ورفع غمومهم، وكل ذلك بسبب طاعتهم لله. فقال في آخر تلك الآيات: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾. أي: هذا الذي حصل لهم هو بسبب أعمالهم، وبسبب مسارعتهم في طاعة ربهم سبحانه وتعالى. وفي حديث ابن عمر في الصحيحين في قصة الثلاثة الذين دخلوا الغار، فانسدت عليهم صخرة عظيمة لم يستطيعوا الخروج منها، فتوسل كل واحد منهم بعمل صالح إلى الله عز وجل: توسل الأول ببره لوالديه، وتوسل الثاني بعفته عن الحرام والزنا مع قدرته عليه، وتوسل الثالث بأمانته وحفظه لأموال الناس وحقوقهم، ففرج الله عز وجل عنهم تلك الكربة الشديدة، تلك الكربة الشديدة. فانظر يا عباد الله إلى أثر الأعمال الصالحة. وكذلك أيضًا منها: أنك تنال محبة الله عز وجل، إذا أردت أن يحبك الله فأقبل على طاعة الله وعلى عبادته. روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «قال الله عز وجل: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه» أي من الفرائض والواجبات، «وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» أي نوافل الطاعات من نوافل الصيام والصدقة وكذلك الصلاة وغيرها، «قال: حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته». انظر يا عباد الله كيف تنال محبة ربك كلما أكثرت من الطاعات وأكثرت من الأعمال الصالحات، من المحافظة على الفرائض والواجبات واتباعها بنوافل الطاعات، نلت محبة ربك. وإذا أحبك الله أحبك الخلق، وأبشرت وبشرت بالخير العظيم في الدنيا والآخرة. وكذلك يحبك الناس بسبب محبة الله لك. قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾، أي مودة ومحبة في قلوب الناس. يجد العبد محبة للناس له لا يدري من أين ذلك، إنها من ثمار الأعمال الصالحة. قال قتادة رحمه الله: من أقبل إلى الله أقبل الله عز وجل بقلوب الخلق إليه، وزاده من عنده. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله إنه الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، من ثمار الأعمال الصالحة في الآخرة: أن العبد المؤمن المطيع لربه، المثابر عليه بالأعمال الصالحة، يختم الله عز وجل له بالخاتمة الحسنة. جاء عند الترمذي وغيره من حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أراد الله بعبده خيرًا استعمله». قال: وكيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: «يوفقه لعمل صالح قبل الموت، ثم يقبضه عليه». يوفقه لعمل صالح يلازمه ويواظب على فعله، فيقبضه الله عز وجل، يقبض روحه ويتوفاه وهو على هذا العمل الصالح. قد يكون ذلك وهو متلبسًا به، كأن يموت وهو يصلي، أو وهو ساجد، أو وهو قارئ للقرآن، أو كذلك قد يموت على غير ذلك ولكنه ملازم للأعمال الصالحة، وإن مات على فراشه، فإن ذلك من الخاتمة الحسنة التي يتوفى الله عز وجل بها عباده المتقين. ومن ذلك عباد الله: أن يبشر المؤمن بالجنة عند احتضاره وموته. قال ربنا عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾. هكذا يبشر المؤمن بجنة الله سبحانه وتعالى عند احتضاره بسبب أعماله الصالحة. وكذلك أيضًا: أن المؤمن يأمن من عذاب القبر وينجو بسبب أعماله الصالحة. جاء عند الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن العبد إذا وضع في قبره، إنه ليسمع قرع نعال أصحابه حين يولون عنه مدبرين، فإن كان مؤمنًا كانت الصلاة عند رأسه، والصيام عن يمينه، والزكاة عن شماله، وفعل الخيرات، وفعل الخيرات من صلاة وصدقة ومعروف وإحسان عند رجليه، فإذا جيء له قبل رأسه قالت الصلاة: لا مدخل من قبلي، وإذا جيء له عن يمينه قال الصيام: لا مدخل لي من قبلي، وإذا جيء له عن شماله قالت الزكاة: لا مدخل من قبلي، فإذا جيء له من قبل رجليه قالت فعل الخيرات: لا مدخل من قبلي». الحديث. قال علّامة ابن القيم رحمه الله: وفي هذا الحديث دلالة على أن الأعمال الصالحة من صلاة وصدقة وصيام وفعل للخيرات سبب لنجاة العبد من عذاب القبر. فانظر أيها المسلم إلى هذه الثمرة العظيمة التي ينجو بها المؤمن من عذاب القبر، فيكون في قبره منعَمًا، وكذلك يكون قبره روضة من رياض الجنة. ومن ثمار الأعمال الصالحة: أن المؤمن يفوز بجنة الله وبنعيم الله سبحانه وتعالى، ويكرمه الله عز وجل إكرامًا عظيمًا. جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «قال الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولا خطر على قلب بشر». وقرؤوا: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾. والله عز وجل يقول: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾. هذا هو جزاء أعمالهم وجزاء أفعالهم وجزاء تقربهم إلى الله في هذه الدنيا بالأعمال الصالحة. وقال سبحانه: ﴿ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * يَنْعَمُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴾، وفي روضات الجنات يكرمون عند رب العالمين سبحانه وتعالى. فهكذا عباد الله، ينبغي عليك أيها المسلم أن تقبل على الأعمال الصالحة، وأن تحافظ عليها، وأن تلازم فعلها حتى تنال هذه الثمار العظيمة، وهذه الثمار المباركة النافعة في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وختامًا في هذه الخطبة، أنبه على أمر حصل في أيام العيد، وتناقله بعض الناس في وسائل التواصل الاجتماعي، من فعل بعض الفتيات هداهن الله، التي ظهرن في ذلك المقطع في كورنيش الشحر، وهن يرقصن ويغنين أمام النساء وأمام الرجال، بلا حياء ولا خوف من الله سبحانه وتعالى. ولا شك أن مثل هذه المظاهر السيئة، وهذه المظاهر المنكرة التي تخالف ديننا وتخالف شريعتنا، وكذلك تخالف عاداتنا وأعرافنا، وما نشأ عليه الناس في هذه البلاد من أدب وحياء، لا شك أن ذلك منكر عظيم، ينبغي لنا جميعًا أن ننكره، وأن كذلك نأخذ بيد من فعل مثل ذلك، أو أراد، أو سولت نفسه أن يظهر مثل هذه المظاهر السيئة في مجتمعاتنا، سواء كان ذلك من قبل أولياء الأمور من آباء وأمهات، أن ينتبهوا لأبنائهم ولبناتهم، وأن يأخذوا على أيديهم بما فيه صلاحهم وما فيه الخير لهم، وكذلك أن يحرصوا على تربيتهم وتأديبهم، وعدم إظهار أو فعل مثل تلك المظاهر السيئة. وكذلك أيضًا على أولي الأمر والمسؤولين أن يمنعوا مثل هذه المظاهر السيئة، وكذلك مثل ظهور هذه الأفعال الشنيعة في مجتمعاتنا الطيبة. نسأل الله عز وجل أن يصلح العباد والبلاد. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم ارفع أسعارنا، واغزر أمطارنا، وأصلح أمتنا وولاة أمورنا. اللهم اجعل ولايتك فينا في من خافك واتقاك واتبع رضاك، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم انصر إخواننا المسلمين المستضعفين في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين وغزة يا رب العالمين. اللهم ارحم ضعفهم، واجبر كسرهم، اللهم تقبل موتاهم، واشف مرضاهم، وداوي جرحاهم، وعاف مبتلاهم. اللهم وارفع عنهم ما أصابهم من البلاء، اللهم وارفع عنهم ما أصابهم من البلاء. اللهم عليك بأعداء هذا الدين من اليهود والروافض وأعوانهم يا رب العالمين، اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم الظالمين، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر، يا قوي يا متين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قوموا إلى صلاتكم.