الدرس في من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتحدث عن فضل ترك الدنيا لله والتعويض الأعظم الذي يأتي بعد ذلك، ويذكر أمثلة على أشخاص تركوا الدنيا واتجهوا إلى الله والعلم. يبين أن الدنيا زائلة وأن ما يعطيه الله للإنسان هو نعمة يجب أن تسخر لله.
يبرز أهمية البحث عن الحق وترك الدنيا، مستشهدا بقصص لأشخاص تركوا الدنيا وبحثوا عن الدين والعلم حتى أصبحوا من العلماء والفقهاء. يظهر أن البحث عن الحق هو سبيل النجاة والفلاح.
يناقش حكم الإطعام بدلاً من القضاء للمرضى وكبار السن، ويفرق بين من يرجى شفاؤه ومن لا يرجى شفاؤه أو كبير السن، مبيناً أنه يجب القضاء عند الشفاء لمن يرجى شفاؤه، بينما يجوز الإطعام لمن لا يستطيع الصيام.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد ذكرنا في درس الماضي وحلقة الأسبوع الماضي في مسألة من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه، ذكرنا في آخرها قصة نبي الله سليمان عليه السلام وما أعطاه الله عز وجل من الملك بسبب أنه ترك محبة الخيل لأجل الله جل وعلا. وذكرنا أيضا شيء من القصص التي تبين أيضا هذا الأمر، وأن الإنسان قد يترك ما أحله الله عز وجل له لله، بأجل أن هذا الشيء شغله، فيعوضه الله عز وجل ما هو خير منه. وكم من القصص العظيمة التي في تاريخ الإسلام، بل وقبل حتى ذكروا كثيرا من الملوك تركوا ملكهم وتعبدوا لله جل وعلا، فرفعهم الله. وهذا ملك الحيرة النعمان بن المنذر، صار أو انتشر صيته في العرب حتى قالوا له ملك العرب، فإنه كما ذكر الإمام الطبري وغيره أنه ترك الملك وتعبد لله جل وعلا، وصار من أعبد الناس لله. ولهذا، عباد الله، تجد أن الإنسان في هذه الحياة قد يعطيه الله عز وجل أموالا كثيرة، يعطيه ملكا، فهذا الملك الله عز وجل جعله مستخلفا فيه، كما قال جل وعلا: ﴿وجعلكم مستخلفين فيه﴾. فهذا المال وهذا الملك ليس لك، وإنما أعطاك الله عز وجل إياه، فهو نعمة من الله، فلابد أن تسخر هذه النعمة لله. ولهذا، الله عز وجل بيّن أنه مهما بلغ الإنسان من الدنيا وعطاه الله عز وجل، فهي زائلة، إن لم تزل أو إن لم تزل وهو في الحياة، فهي ستزول بعد موته. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿إنما مثل الحياة الدنيا كمثل الماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وزينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس﴾. فهؤلاء تجد هناك ملوك، وكذلك أغنياء، في لحظة من اللحظات سلبوا هذا المال، سلبوا هذا الملك، وصاروا فقراء. وكم من حصل في التاريخ مثل هذا؟ ولا عجب، قصة الوزير ابن العباد أيضا في هذا الباب، بعدما كان وزيرا، وبعدما كان له الملك أو بعد الملك والغنى، صار فقيرا مسجونا، بناته يتكففن الناس في الشوارع يطلبون ويسألون الناس. فهكذا حال الدنيا، فلهذا لا ينبغي للإنسان أن يتكبر بما أعطاه الله عز وجل من الملك أو من الجاه أو من المال، فإن هذا زائد. فإذا تركه لله عز وجل، إذا كان يشغله فتركه لله، فربنا جل وعلا سيعوضه أعظم منه. ومما نذكره في هذا المقام قصة ذلك العبد الصالح والصحابي الجليل الذي رفعه الله عز وجل بالإسلام، بعدما كان من ملوك من ملوك الفرس، ألا وهو الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه. فسلمان رضي الله عنه كان من أبناء الملوك ملوك فارس، وكان له حضوة عند أبيه. ومن شدة حرص أبيه عليه، ما كان يجعله يخرج إلى مكان، كان يحبسه حتى يؤدبه، ولا يخرج إلى مكان. ثم إنه أدن له في خروجه من القصر إلى المعبد، فكان في طريقه يرى ناس يتعبدون الله، وكان في ذلك الوقت النصارى واليهود، فكانوا ناس من النصارى يتعبدون الله ويتدارسون فيما بينهم، فجلس معهم، فأعجبه هذا الدين. ثم سألهم: «أين هذا الدين؟» قالوا: «في الشام». فقال: «إذا وجدتم قافلة ستذهب، أرسلوا لي خبرا». فلما وجدوا قافلة ستذهب إلى الشام، أعلموه، فخرج معهم سرا، لم يخبر أباه. فكان كما قلنا ملك من أبناء الملوك، ترك هذا الملك لأجل دين الله جل وعلا، لأجل أن يعرف أين هذا الدين الصحيح. فخرج معهم إلى الشام، ثم باعوه وغدروا به، ومن ثم أيضا باع هذا الرجل الشامي اليهودي لرجل في المدينة، حتى جاء النبي عليه الصلاة والسلام. وكان سلمان عبدا، فبعد ذلك جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وعرفه، وهذا بعدما تنقل من قس إلى قس، وقصته طويلة ذكرها الإمام أحمد، وكذلك النسائي وغيره، عن ابن عباس، عن سلمان الفارسي، حكاها رضي الله عنه، قصة طويلة وتنقل فيها من قس إلى قس، يعني من قساوسة النصارى. حتى أن بعضهم أخبره أن الدين الذي تريده، كان يطلب دين الله، يطلب الحق الذي يوصل إلى الله. فكان آخر من كان معه من النصارى، قال له أو قس من النصارى، قال: «لا تجد أحدا على هذا الدين الذي نحن عليه الآن، بعدما حضرتنا الوفاة، لكن هذا الزمان سيخرج نبي من العرب، فاتبعه». وقال له: «من علاماتاته أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وذكر له أن فيه علامة خاتم النبوة في كتفه. فسلمان أخذ هذا الكلام، ثم ذهب إلى المدينة، وجلس، قال: «عبدا»، كما قلنا، باعوه على أنه عبد، وليس عبدا، بل هو من أبناء الملوك. فالمهم اشتغل في رقه حتى جاء النبي عليه الصلاة والسلام، وجاء سلمان وتأكد من هذه الصفات التي توجد، التي ذكرها له ذلك القس الراهب، فوجدها كلها صحيحة. جاء أولا بمال جمعه، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ووضع عنده، وقال: «هذه الصدقة». فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «كلوا»، ولم يأكل. ثم جاء له بشيء، فقال له: «هذه هدية». فأكل منها النبي صلى الله عليه وسلم، وأكل معه أصحابه. ثم إنه قام، استدار حتى رأى النبي صلى الله عليه وسلم، رأاه يستدير، ففتح له، لأن أعلم أنه أراد شيئا، ففتح له ذلك المكان الذي فيه خاتم النبوة. فبعد ذلك أسلم، وحسن إسلامه رضي الله عنه. ثم اشتغل بالرق، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن أخاكم سلمان أعينوه». يعني كاتب سيده، يعني اتفق مع سيده أنه إذا أعطاه كذا وكذا من المال أو من العمل، يجعله حرا، يعتقه. فكاتب النبي صلى الله عليه وسلم قال لسلمان: «كاتب يا سلمان». فكاتب على شيء من الزرع، وكذا. ثم النبي صلى الله عليه وسلم جاء مع الصحابة، وعانوه في ذلك الزرع، ووفى لصاحبه، فاعتقه، فصار حرا. فكان يجلس عند النبي عليه الصلاة والسلام يتفقه، فصار سلمان فقيها من فقهاء الصحابة الكبار، ويذكر فيمن يفتي، بل كان حتى في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا من أعظم العطاء من الله جل وعلا، معنا أخرجه من فارس حتى جاء به للنبي عليه الصلاة والسلام، وصار فقيها من فقهاء الصحابة، وممن كان يحبهم النبي عليه الصلاة والسلام، حتى إنه كان يقول عليه الصلاة والسلام كما جاء في البخاري: «لو كان الدين بالثرى، لناله رجال من هؤلاء». وأشار إلى سلمان الفارسي، يعني يقول: «هناك أناس حريصون جدا على البحث عن الدين وعن الحق، فلو كان حتى في الثرى، في فوق، في السماء، في أعلى، فإنهم سيصعدون إليه من شدة حرصهم على الحق». وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن، ينبغي أن يتحرى الحق، ولا يكتفي بما هو عليه، وإن كان يرى أنه باطل أو يشكك نفسه فيه، بل يبحث عن الحق الذي يوصله إلى الله عز وجل وإلى رضا الله سبحانه وتعالى. فلهذا قد يكون مثلا عنده عبادات خاطئة، عنده بعض الأشياء، مثلا بعضهم يعتقد في القبور، يعتقد في الأموات، يعتقد في مثل هذه الأشياء، عنده بدع. فالواجب عليه أن يبحث عن الحق، ويطرق طريق الحق، ويسلك طريق الحق، فإن الله عز وجل سيوفقه. فهذا الرجل جاء من فارس رضي الله عنه، من فارس من بعيد، يبحث عن الحق حتى وفقه الله عز وجل إلى الحق، فصار فقيها من فقهاء الصحابة، وقائدا من قواد جيوش الصحابة رضي الله عنه. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو كان الدين في الثرى لناله رجال من أهل فارس». ولهذا أيضا مما يذكر من فقه سلمان رضي الله عنه، ما جاء في الصحيحين، لما آخى النبي عليه الصلاة والسلام بين سلمان وأبي الدرداء. فجاء سلمان يزور أبا الدرداء، فوجد امرأته متبذلة، وهذا كان قبل الحجاب، يعني ليست لابسة لباسا إلا لباس الخدمة. فقال: «ما لك؟» قالت: «أخاك لا يريد الدنيا». يعني تريد أن أبي الدرداء لا يريد شيئا من الدنيا، حتى إنه ترك زوجته ولم يقربها، ويصوم، قالت: «يظل نهاره صائما وليله قائما»، يعني ما يلتفت إلى المرأة، النهار الصيام، صائما، وفي الليل يقوم يصلي. فلما جاء أبي الدرداء، وجد سلمان أخاه، واحتضنه، وجلس معه. فجاء له بأكل، بفطور، فقال له: «هذا أكل». فقال: «لا آكل حتى تأكل». قال: «أنا صائم». قال: «لا تأكل، لا آكل حتى تأكل». فأكل، ثم جاء الليل، فنام، فأراد أن يقوم، فقال: «اجلس». فأراد أن يقوم، فقال له: «نم»، يعني لا زال حتى جاء ثلث الليل الآخر، قال له: «قم». فقام وصليا. ثم إن أبا الدرداء تضايق من فعل سلمان رضي الله عنهما. فلما أصبح، ذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال له: «إن أخي سلمان فعل كذا وكذا». وقال سلمان قبل ذلك لأبي الدرداء: «لما أصبح يا أبي الدرداء، إن لربك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن لزورك أي لزائرك وضيفك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه». فذهب أبو الدرداء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أخبره بذلك، وبما قال سلمان. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «صدق سلمان». وهذا الكلام الذي قاله سلمان رضي الله عنه لأبي الدرداء، نفس الكلام الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمرو بن العاص، لما زوجه أبوه، فترك امرأته. فلما جاء، يعني لم يأتها. فلما جاء عمرو بن العاص إلى امرأة ابنه، فقال لها: «كيف عبد الله معك؟» قالت: «نعم الرجل، لكنه لم يكشف لنا عن كنفه». يعني يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يأتي زوجته. فأخبر عمرو بن العاص النبي عليه الصلاة والسلام، ولأنهم كانوا رضي الله عنهم ملجأهم النبي عليه الصلاة والسلام، يسألونه في هذه المسائل. فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال له: «إن عبد الله بن عمرو يفعل كذا وكذا». فأرسل إليه النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «يا عبد الله بن عمرو، قد سمعت عنك أنك تفعل كذا وكذا»، أي تصوم النهار وتقوم الليل ولا تأتي زوجتك. فقال عبد الله بن عمرو: «نعم يا رسول الله». فقال: «يا عبد الله، إن لربك عليك حقا، وهي طاعته، للطاعته وعبادته، وإن لزوجك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، على النوم، كيف تترك أنك لا تنام؟ لابد أن تنام، ولابد أيضا أن تأتي أهلك، فهذا حق عليك». فقال النبي عليه الصلاة والسلام نفس الكلام الذي قاله سلمان لأبي الدرداء. وهذا يدل على فقه سلمان رضي الله عنه. وكان عمر رضي الله عنه يحب سلمان كثيرا لفقهه رضي الله عنه، ولعلمه بالله جل وعلا. فهذا من الرفع العظيم التي رفعه الله عز وجل، جعله فقيها من فقهاء الصحابة، وعالما، وقائدا من القواد العظام الذين جالوا هذه الدنيا لله عز وجل، وفي الله. فهذه قصة من القصص التي تبين لنا عظم هذه القاعدة التي جعلها الله عز وجل سنة في خلقه، أن من ترك شيئا له، عوضه الله عز وجل خيرا منه. فهذا سلمان ترك الملك وترك الدنيا، وجاء يبحث عن دين الله جل وعلا، فجعله الله عز وجل من قادة الأمة، ومن علماء الأمة، ومن فقهائها. وكذلك أيضا مما يذكر أو نذكر في هذا الباب أيضا، حصلت لبعض العلماء مثل هذا، أو بعض الناس الذين كانوا على الملك. فهذا الإمام ابن حزم رحمه الله، الإمام ابن حزم من أبناء الوزراء الذين كانوا في الأندلس، في دولة الأمويين. فكان من علماء، كان من الوزراء الذين كانوا عند الملك، لكنه ترك هذه الدنيا وترك الوزارة، وهرع للعلم. يقال أن أول ما طلب العلم ابن حزم رحمه الله، أنه جاء مرة ودخل المسجد، فجلس، فقال له رجل: «يا فلان، لما تجلس؟ هذا مسجد، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين». فقام وصل ودخل مرة أخرى، فقام قبل أن يجلس، صلى. فجاء إنسان وأنكر عليه، فقال له: «كيف تصلي في وقت نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الصلاة؟» فتعجب من هذا، ثم جاءته همة أنه يطلب العلم، فطلب العلم، فصار إماما من أئمة المسلمين، كان موسوعة في العلم، وعنده اطلاع عجيب في العلم. وإن كان في مذهبه شيء من الأخطاء، لكن نحن نقصد العلم الذي أعطاه الله عز وجل لهذا الرجل، وترك الوزارة وترك ما فيها من الأموال، وذهب إلى العلم. حتى إنه لما حرقوا عليه كتبه، هناك ناس وشوهوا إلى الحاكم، فحرقوا كتبه التي ألفها. فقال: «إن تحرق ما في القرطاس، فهو في صدري». يعني أنتم حرقتم هذه الكتب التي كتبتها، هذه الكتب كلها في صدري، فكتبها مرة أخرى. رحمه الله عليه. وذكر مما يذكر في هذا المقام، ذكر الإمام الخطيب البغدادي في التائبين، وكذلك ذكرها الإمام الجوزي في صفة الصفوة، أن رجلا يقال له ابن مرزوق، في عهد المهدي، المهدي أخو هارون الرشيد، في دولة العباسيين. وكان هذا الرجل يجالس المهدي، يعني من جلساء المهدي، إلا أنه كان يشرب الخمر، وكان أيضا كذلك يفرط في الصلاة، وغيرها من المعاصي التي كان. وإيضا كان عنده عود وغناء، وعنده جوار وغنين. فذات مرة سكر، شرب الخمر كثيرا حتى لم يستطع أن يقم من مقامه. فجاءته إحدى جواريه، فلما أدن الظهر، قالت له: «قم يا سيدي، قد أدن الظهر». فلم يقم. ثم تركته حتى جاء وقت العصر، فقالت له: «قم يا سيدي، قد جاء وقت العصر». فلم يقم. ثم جاء المغرب، وهكذا العشاء، وهي وهو في هذا، يعني الرقص، وكذلك السكر. فجاءت هذه المرأة الصالحة، وكانت جارية من جواريه، مملوكة له، جاءت بشعلة نار، وأخذت هذه النار من التنور، وجاءت به إلى هذا الرجل سيدها، ووضعته في رجله. فحس بحرارة النار، فقال: «ما هذا؟» قالت: «يا سيدي، هذه نار، هذه نار الدنيا، فكيف ستصبر على نار الآخرة؟» فهذه الكلمة أثرت عليه، أثرت عليه وفي نفسه، فتاب إلى الله عز وجل، وترك ما كان معه من آلات، كسرها. وأيضا ترك شرب الخمر، بل إنه قسم ما كان معه من المال، يعني ظن أن هذا المال مال حرام، فقسم المال كله، وأعتق العبيد الذي عنده كله، إلا هذه الجارية، فتركها معه. ثم إنه أقذ في العبادة والطاعة، وترك مجالس الملوك، وغيره. فاشتهر أمره، وعرف أمره، من كثرة العبادة والطاعة. فجاءه أئمة ذلك الوقت، جاءه سفيان بن عيينة، والفضيل بن عياض، وزاروه، وجلسوا معه. فقال له ذلك الفقيه أبو محمد، سفيان بن عيينة، قال له: «يا ابن مرزوق، الله عز وجل قد جرت سنته أن من ترك شيئا له، فإنه يعوضه». فقال له سفيان: «الله عز وجل إذا ترك الرجل شيئا له، عوضه الله عز وجل خيرا منه». ورأوا أن بيته كان بيتا من طين، وليس فيه شيء مما يلتفت إليه. فقالوا: «ما الذي عوضه؟» وهذا ليس شكا في معنى سفيان، لم يذكر ذلك شكا، وإنما أراد الجواب من عند هذا الرجل الصالح. فقال: «من الذي عوضك الله عز وجل من ذلك المال الذي تركته؟» فقال: «عوضني الله عز وجل بما جعله في قلبي من القناعة والطمأنينة». وهذا من أعظم الأمور التي ينبغي المسلم أن يعلمها، ليس التعويض أن يضع الإنسان في ذهنه أنه يعوض بمال آخر، أو مثلا برئاسة، أو بشرف، أو بشيء من أمور الدنيا. ليس المراد هذا، المراد أنه يعوض بشيء يكون له صلاح له في دنياه، يكون له صلاح في طريقه إلى الله جل وعلا. فيعوضه الله عز وجل مثلا بمال، لكن هذا المال يكون له بركة، يكون له بركة. قد يترك مالا من حرام، يتركه، ثم يعطيه الله عز وجل مالا يكون فيه بركة له. وقد يكون مثلا يعطيه الله عز وجل شيئا أعظم من هذا، أعظم من المال. ولهذا كما ذكرنا في أول الدروس، أن الإمام ابن القيم رحمه الله نبه على هذا الأمر، وأن أعظم ما يعطى العبد ويعوض به، طمأنينة قلبه، وأنسه بالله جل وعلا. يعني يحس بالأنس والقرب من الله في صلاته، في دعائه، يحس أنه أقرب إلى الله جل وعلا. هذه أعظم نعمة، هذه أعظم نعمة في الدنيا. لماذا؟ لأن السعادة التي يبحث عنها كل من كان معه مال أو غيره، عنها بعض الملوك، وبعض مثلا أصحاب الأموال يبحثون عن ماذا؟ يبحث عن السعادة، أنه يكون سعيدا في الدنيا. لكن تجد العكس، من كثرة ماله، ويستطيع أن يعمل كل شيء، لكن يجد الضيق في صدره. ولهذا كان يقول إبراهيم بن أدهم رحمه الله عليه: «إننا في نعمة، أو يقول في السعادة، لو يعلمها الملوك وأبناء الملوك، لجالدون عليها بالسيوف». أي نعمة؟ إبراهيم بن أدهم عاش فقيرا، ما عنده حتى حق الحج، لما أراد أن يذهب للحج، ما استطاع أن يجمع ما يعطيه أهله. أي نعمة هذه؟ نعمة هي نعمة الاطمئنان والقناعة، يعني سواء كان معه أو لم يكن معه، يرى الدنيا، يعني لا يراها شيئا، استوت عنده الدنيا وعدمها، كما قال ذلك الصحابي للنبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا فتجد أن أعظم الأشياء التي يعوض بها العبد، هو أن يعطيه الله عز وجل القناعة، وطمأنينة القلب، والأنس بالله سبحانه وتعالى. فقال له سفيان: «يا ابن مرزوق، وما أعطاك الله، وما عوضك الله؟» قال: «أعطاني القناعة، وطمأنينة القلب»، يعني والأنس بالله جل وعلا. فهذا أعظم نعمة، فلا تساويها شيء من النعم، لأن الإنسان يعيش مطمئنا في هذه الحياة. ولهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله: «إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها، لم يدخل جنة الآخرة». وأراد رحمه الله هذه الأطمئنان التي تكون في القلب، وأيضا الأنس بالله جل وعلا. ولهذا من هذا الباب، من هذا الباب أيضا، ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين، في الصحاح والسنن، لما واصل النبي عليه الصلاة والسلام في الصيام، وواصل الصحابة، فنهاهم النبي عليه الصلاة والسلام، يعني واصلوا معهم، فنهاهم النبي عليه الصلاة والسلام. فقالوا: «يا رسول الله، إنك تواصل». فقال: «أنا لست مثلكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقين». وقال العلماء: «ليس المراد أن الله عز وجل يعطيه طعاما وشرابا، لا». المراد أنه من محبته لله، وأنسه بالله سبحانه وتعالى، ينسيه الطعام والشراب. ينسى من شدة راحته مع الله، وأنسه بالله، فإنه ينسى الطعام والشراب. وهذا شيء حقيقة تجده الإنسان في كل ما يحبه، يعني حتى أمور الدنيا، أن بعض الأشياء من أمور الدنيا، الإنسان ينسى طعام وشرابه لأجلها. وكم أيضا من العلماء ممن أنس بالعلم، وحب العلم، نسى حتى طعامه وشرابه، نسى طعامه وشرابه. وقد كان بعض العلماء يمر عليه اليوم، وهو لا يدر من أنسه بالله، بين أنسه بالعلم ومحبة العلم. ولهذا قالوا: «أن السفنجة، وهو غلام علي بن المديني، كما يسمونه، كتب يومين، يكتب العلم». لكن كانت بيوتهم طين، ومعهم سرج، يعني في الليل والنهار، فما حس، كتب يومين وهو يكتب، حتى ترك، يعني مرت عليه صلوات، وهو لا يدري. فلما أصبح، أراد أن يبتاع على نفسه، فكان يظن أنها جمعة، قال: «سأشتري ما أتغذى به في الجمعة». فذهب إلى الدكان، وأخذ بعض الأشياء التي من الأرز، وكذا، فرأى صاحب الدكان يكتب في كراسه، يعني دفتر الديون: «السبت». فقال: «يا فلان، لماذا كتبت السبت؟ اليوم جمعة». قال: «أما صليت معنا الجمعة؟» قال: «فاستحيت»، يعني أنه ظن أنه اليوم جمعة، وإنما هو كان يكتب، يكتب مع انهماكه، يعني مر عليه يوما كاملا، وهو لا يدري. فالمهم أن هذه المسألة، مسألة الرغبة والطمأنينة في شيء، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما أنا لست مثلكم، إنما يبيت ربي يطعمني ويسقين». وفعلا إن كثيرا من الصحابة ترك أشياء معتادة، منهم من ترك الطعام، ومنهم من ترك النوم، ترك النوم، شهرة لهول المطلع. يعني من الذي يستطيع أن يترك النوم؟ شهرة. فتركه بعض السلف، وهو سليمان بن يسار رحمه الله. وهذا شيء من العجيب، لأن الإنسان كما قلنا إذا أحب شيئا، مستأنس به، ترك ما كان معتادا عليه. قال هنا السائل: «عمي عمره سبعين سنة، وقبل رمضان وقع في حادث مروري، الآن هو في بيتي، حاول أن يصوم، لكن لا يستطيع، إذا كان استمرت حاله حتى رمضان القادم، هل وجب عليه الإطعام أيام أفطر هذه السنة، أو هل ينتظر حتى يشفى ويقوى ويقضي؟» الجواب: أن الإنسان إذا مرض، الواجب عليه القضاء، فإن كان هذا المرض مما يرجى شفاؤه، فهذا لا شك أنه يقضي، ولا ينبغي له أن يطعم، ولا يجزئه الإطعام عن القضاء، بل لا بد أن يقضي. فإذا شفاه الله عز وجل، ولو بعد سنوات، ولو بعد سنوات، شفاه الله، فإنه يقضي. وأما إن كان هذا المرض مرضا مزمنا، على مثل السرطان، وغيره من هذه الأمراض التي لا تنفك غالبا، فمثل هذا يمكن أنه يطعم، وخاصة إذا كان رجلا كبيرا في السن. فإذا كان أيضا كذلك، ولو لم يكن مرضا، يعني لم يكن عنده مرض، لكنه لكبر سنه لا يستطيع أن يصوم، فهنا يخرج عنه أن يطعم، أن يطعم، أن يكون يوم مسكينا، يعني يخرج عنه كيلو من أرز، أو من دقيق، أو غيره، أو يعطيه جاهزا، طعام جاهز، مثل ما كان يفعل أنس بن مالك رضي الله عنه. ولو مر كما قلنا عليه سنة أخرى، فإنه كان يستطيع القضاء، فإنه يبقى حتى يشفى الله عز وجل. فإن استطاع بعد ذلك أن يقضي، قضى، وإن لم يستطع القضاء أيضا، لكبر سنه، وأيضا تأثير المرض عليه، فإنه بعد ذلك يطعم، بعد ذلك يطعم، ما قد تركه من الصيام. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر، والله تعالى أعلم.