الدرس في كتاب الصيام 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
المباشرة للصائم جائزة لمن يملك نفسه، بينما تحرم لمن لا يملك نفسه. إذا باشر الصائم وأمنى، اختلف العلماء في فساد صومه أو صحته.
يتناول المقطع حالات الإمناء المختلفة مثل الاستمناء والتفكير والنظر والاحتلام، ويشرح آراء أهل العلم في كل حالة. الإمناء بغير الجماع له أحكام متعددة بحسب سببه.
الجماع في نهار رمضان يفسد الصوم ويوجب الكفارة على الرجل، وهي عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا. الكفارة لا تجب على المرأة المطاوعة لزوجها.
إذا أُكرهت المرأة على الجماع، فلا إثم عليها وصومها صحيح. هذا لأن الفعل تم تحت الإكراه وليس بالاختيار، وتناول المقطع مسائل متعلقة بالفطر بسبب الجماع.
الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه «منهج السالكين» في كتاب الصيام: ومن أفطر عليه القضاء فقط إذا كان فطره بأكل أو بشرب أو قيء عمدا، أو حجامة، أو إمناء بمباشرة، إلا من أفطر بجماع، فإنه يقضي ويعتق رقبة، فإن لم يجد، فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع، فيطعم ستين مسكينا. علمنا أن الفطر بالأكل والشرب والجماع هذه الأشياء الثلاثة متفق عليها بين أهل العلم، وأما القيء والحجامة -القيء عمدا والحجامة- ففيها خلاف، وعلمنا أن الأرجح عدم الفطر بهما. قوله: «أو إمناء بمباشرة» هذا أيضا من المفطرات المختلف فيها. إذا أمنى بسبب المباشرة، أولا ما هي المباشرة؟ المباشرة هي مباشرة البشرة للبشرة، مباشرة أن يباشر الرجل أهله في نهار رمضان بشيء من مقدمات الجماع، كالتقبيل والضم ونحو ذلك. المباشرة حكمها ما حكم مباشرة الرجل أهله في نهار رمضان؟ الجواب أن فيه تفصيلا، فإن كان هذا المباشر الصائم الذي يريد أن يباشر أهله في نهار رمضان، إن كان يعلم من نفسه أنه يملك نفسه، يملك نفسه ويملك شهوته، وأنه إن باشر لن ينزل، فإنه يجوز له المباشرة. ودليل حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيح، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يباشرني وهو صائم، وكان أملككم لإربه. وكان أملككم لإربه يعني لحاجته. جاء في رواية: «لإربه» بفتح الراء، وقيل: المراد العضو، يعني أملك لشهوته فلا ينزل. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يباشر وهو صائم، وكان يملك إربه، وهو عليه الصلاة والسلام أتقى الناس لله وأخشاهم لله. وفي صحيح مسلم أن رجلا سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن القبلة للصائم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سل هذه لأم سلمة» -أي سلها- فقالت أم سلمة رضي الله عنها: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك». فدل هذان الحديثان على مشروعية المباشرة لمن كان يملك نفسه. وأما إن كان لا يملك نفسه، يعلم من نفسه أنه إذا باشر لا يتمالك نفسه حتى ينزل، فهذا لا يجوز له المباشرة في نهار رمضان، لا يجوز له أن يباشر أهله ما دام أنه لا يملك نفسه، فإنه سيتسبب في فساد صومه. نأتي الآن ما حكم لو باشر فأنزل؟ أنزل المني إذا باشر فأنزل من غير قصد، من غير قصد، لكن تسبب بسبب المباشرة إلى الإنزال، فجمهور أهل العلم على فساد صومه، جمهور أهل العلم على فساد صومه، وأن عليه قضاء هذا اليوم. وذهب جماعة إلى أن صومه صحيح، كابن حزم والصنعاني، وكذلك الألباني وشيخنا مقبل، رحمهم الله. والصحيح قول الجمهور أن صومه يفسد، للحديث القدسي الذي يقول فيه ربنا جل وعلا: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». والحديث في الصحيحين. فالله عز وجل أخبر أن الصائم يدع الطعام والشراب والشهوة يدعها في حال صيامه لله جل وعلا، وإذا أنزل فإنه لم يدع شهوتها، لأن الشهوة تمكن في الإنزال، تمكن في الإنزال. فدل هذا على أن الصائم إن لم يمسك شهوته، فإنه لم يمسك ماذا؟ الصوم الصحيح الذي يجب عليه فيه الإمساك، فإنه يفسد بذلك صومه، كما أنه يفسده بالأكل والشرب، فكذلك أيضا يفسده بإنزال الشهوة. هذا هو القول الصحيح أن من باشر فأنزل، فإن صومه يفسد ويفطر بسبب ذلك. طيب إذا باشر ولم ينزل منيا، لكن نزل منه المذي؟ نزل منه المذي، المذي مادة لزجة رقيقة تخرج عند المداعبة أو التفكير في الجماع، وقد لا يحس بها الإنسان عند نزولها. إذا باشر فأنزل المذي، فما حكم صيامه؟ في خلاف بين أهل العلم، فذهب الإمام أحمد ومالك إلى فساد صومه. ذهب أحمد ومالك إلى فساد صوم من باشر فأنزل المذي. وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى صحة صومه، وهو الصحيح، وهو الصحيح. وقوى الجمهور أهل العلم على أن صومه صحيح، لأن المذي لا دليل على فساد الصوم بنزوله، ولأن المذي ليس كالمني، وهو كما سمعنا يخرج -يعني من غير- ربما يشعر به الإنسان، لا يخرج بتدفق ولذة ويعقبه فتور كحال نزول المني. قال: «أو إمنى بمباشرة». طيب لو أمنى بالاستمناء؟ الاستمناء وهي العادة السرية، بمعنى أن يخرج الماء بيده. طبعا العادة السرية أو الاستمناء محرم، محرم سواء كان في رمضان أو غير رمضان، بل يزداد حرمة في رمضان لحرمة الشهر. والله عز وجل يقول: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾. من ابتغى وراء ذلك -أي وراء إتيان الزوجات وملك اليمين- فالاستمناء يكون من مما هو وراء ذلك، فيكون فاعله من المعتدين. فإذا فعل ذلك الصائم في نهار رمضان وهو صائم فأنزل بالاستمناء، فسد صومه، فسد صومه، ووجب عليه التوبة من هذا الفعل وارتكاب هذا الذنب. كذلك أيضا تأتي مسألة متعلقة بالإمناء، لو أمنى بسبب التفكير؟ يفكر فنزل منه المني، نزل منه المني. في هذا خلاف أيضا بين أهل العلم، الصحيح أن صومه صحيح، أن صومه صحيح إذا أنزل بسبب التفكير، لم يقع منه أي حركة أو عمل في هذا الإنزال، فإن صومه صحيح، لأن التفكير مما لا يؤاخذ به الإنسان، هو حديث نفس. والله عز وجل قد تجاوز عن هذه الأمة ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل، كما في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وإن كان المسألة فيها خلاف، لكن هذا هو الأرجح أنه لا يفسد صومه. تأتي مسألة مقاربة له، وهو إذا أنزل بسبب النظر؟ إذا أنزل بسبب النظر، قال أهل العلم: إذا أنزل من نظرة واحدة، كان يكون رجل شديد الشهوة، نظر إلى امرأته نظرة -يعني خفيفة- أو نظرة عابرة فمات مالك نفسه فأنزل، قال أهل العلم هنا لا يفسد صومه، لا يفسد صومه، وهذا باتفاق أهل العلم. أما إذا كرر النظر، جعل ينظر وينظر وينظر ويتفكر ويتلذذ حتى أنزل، ففي هذا خلاف بين أهل العلم، والأصح أنه يفسد صومه، أنه يفسد صومه، لماذا؟ لأن النظر عمل، هو الآن تسبب بتكرار النظر حتى أنزل، فإنه بذلك يفسد صومه. تأتي مسألة كذلك متعلقة بالإمناء والإنزال، ما لو أنزل بالاحتلام؟ صائم صائم بعد الفجر نام فما درى إلا وقد احتلم ونزل منه الماء، فما حكم صومه؟ صوم المحتلم إذا احتلم في نهار رمضان، صومه صحيح باتفاق أهل العلم، باتفاق أهل العلم، لا يفسد صوم من احتلم في نهار رمضان، وذلك لأن الاحتلام ليس من إرادة الإنسان، لأنه لم يفعل ذلك باختياره وإرادته، فإنما حصل منه بغير اختيار ولا إرادة ولا فعل، فلا يفسد صومه بذلك. قال رحمه الله: «إلا من أفطر بجماع، فإنه يقضي ويعتق رقبة». الجماع كما ذكرنا من المفطرات المجمع عليها، المجمع عليها، دل عليها الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب، فقول الله عز وجل: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. الرفث معنى الجماع، فقوله عز وجل: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِيَامِ﴾ منطوق الآية حل إتيان النساء في ليالي رمضان، مفهوم المخالفة أنه في نهار رمضان لا يحل إتيان النساء، أن إتيان النساء في نهار رمضان لا يحل. وفي السنة حديث أبي هريرة في قصة المجامع الذي جامع أهله في نهار رمضان، وفي الصحيحين، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «هلكت يا رسول الله، هلكت». قال: «وما أهلك؟» قال: «وقعت على امرأتي وأنا صائم». فأمره النبي عليه الصلاة والسلام بالكفارة. دل هذا على أن أنه كانوا يعلمون أن إتيان النساء في نهار رمضان محرم. وأجمع أهل العلم على حرمة الجماع في نهار رمضان. فمن حصل منه ذلك، حصل منه الجماع في نهار رمضان، والمراد بالجماع ليس مجرد مباشرة، ليس مجرد المباشرة، اجتماع الرجل مع مراته، المراد بالجماع حصول الإيلاج، حصول الإيلاج. وأقل ما يقع به الجماع تغييب حشفة الذكر -أي رأس الذكر- في الفرج، هذا أقل ما يحصل به الجماع. فإن حصل ذلك في نهار رمضان، بأن جامع الرجل أهله وهو صائم ومراته صائمة، فإنه يفسد صومهما، يفسد صومهما. وكذلك أيضا يترتب عليه الإثم، إن فعل ذلك ذاكرا عامدا عالما بالتحريم، فإنه يأثم، وعليه التوبة عليه التوبة إلى الله جل وعلا من هذا الفعل. والأمر الثالث تجب بسببه الكفارة، تجب على المجامع أن يكفر، الكفارة المغلظة. وهذه الكفارة هي: يعتق رقبة، أن يعتق رقبة، رقبة يعني مملوكة فيحررها من الرق، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أعتق رقبة». قال للمجامع لأهله في نهار رمضان: «أعتق رقبة». فإن لم يجد -ليس عنده ما يملك به ثمن الرقبة- أو لم تكن هناك رقبة موجودة كحال هذا الزمن، لا تجد هناك رقاب وملك يمين حتى يعتقهم، فينتقل إلى صيام شهرين متتابعين، يصوم شهرين متتابعين، لا يفطر بينهما إلا بعذر. فإن أفطر من غير عذر استأنف الصيام من جديد، استأنف الصيام من جديد. ولو أنه صام مثلا شهر ونصف، ثم قال: «أرتاح يوما ثم أستأنف»، فأفطر يوما من غير عذر، وجب عليه أن يستأنف الصيام من جديد. نعم، لأنه مأمور أن يصوم شهرين متتابعين. فإن أفطر لعذر لا بأس، فهو في أثناء الصيام، مرض مرضا يبيح له الفطر، يجوز له أن يفطر ثم يكمل. أو طرأ عليه السفر، طار لا بد أن يسافر، لا بأس أن يسافر وله أن يفطر إن سافر، ثم يستأنف الصيام. أما من غير عذر فلا يجوز له أن يفطر من غير عذر. فإن كان لا يستطيع أن يصوم شهرين متتابعين، كونه لا يستطيع أن يصبر مثلا عن امرأته هذه الفترة، أو لا يطيق الصيام لمرض أو عجز أو نحو ذلك، فينتقل إلى الإطعام، فيطعم ستين مسكينا، يطعم بدل الصيام ستين مسكينا. نعم، هذا الإطعام يعني قدر نصف صاع عن كل يوم من بر أو أرز، وهو قدر ألف ومائتين جرام بالكيلو. أو طعام جاهزا، يطعم طعاما جاهزا، هذا أفضل، يطعم طعاما جاهزا عن كل يوم وجبة أهل مسكين، وهكذا عن ستين يوما. ولا بد من ستين مسكينا، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فأطعم ستين مسكينا»، يعني لا بد أن يكون هؤلاء المساكين متفرقين ومختلفين. فإن لم يستطع، لم يجد ما عنده ما يطعم به ستين مسكينا، فهل تسقط عنه الكفارة أو تبقى في ذمته؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، منه من قال تسقط عنه، ومنه من قال: بل تبقى في ذمته. وهذا الأظهر، هو يعتبر واجب عليه، فإن عجز عنه في هذا الحال أو في هذا الوقت، يبقى في ذمته دينا، متى ما استطاع فإنه يوفيه، فإنه يوفيه. طيب هل يجب قضاء هذا اليوم؟ هنا يقول المؤلف رحمه الله: «ومن أفطر بجماع، فإنه يقضي». قضاء هذا اليوم الذي أفسده المجامع بسبب الجماع، قال به جماعة من أهل العلم، بل هو قول الجمهور، واستدلوا برواية عند أبي داود بحديث المجامع، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «وقضي يوما مكانه». لكن هذه اللفظة حكم عليها العلماء بالشذوذ، وعلى هذا فالصحيح أنه لا يلزمه القضاء، وإنما يكتفي بالكفارة، يكتفي بالكفارة. كذلك أيضا هل تجب على المرأة كفارة؟ المرأة إذا كانت مطاوعة، إذا كانت مطاوعة لزوجها في الجماع -يعني راضية بذلك- هل تجب عليها كذلك الكفارة كما تجب على الزوج؟ أم أن الكفارة خاصة بالزوج فقط؟ في هذا خلاف، والأرجح أنها لا تجب على المرأة كفارة، لا تجب. وماذا بالإمام أحمد رحمه الله وغيره؟ قال الإمام أحمد: «ما علمنا أو ما سمعنا أن على المرأة كفارة». والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر المرأة بالكفارة، يعني ما قال للرجل وأمر امرأتك بذلك. ولو كانت الكفارة واجب عليها لأمرها النبي عليه الصلاة والسلام وبين لها ذلك، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وعلى هذا فالكفارة لا تجب على المرأة، لكن يجب عليها التوبة إذا فعلت ذلك وهي مطاوعة مختارة، عليها أن تتوب إلى الله جل وعلا. فإن كانت مكرهة، إن كانت مكرهة -يعني أكرها زوجها وأجبرها- وأجبرها وما استطاعت أن تمتنع، فليس عليها شيء، بل حتى صومها على الصحيح يكون صحيحا، لأنها حصل منها ذلك على سبيل الإكراه لا على سبيل الاختيار. طيب هذه بعض المسائل المتعلقة بالفطر بالجماع. لعلنا نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.