الدرس في كتاب الصيام 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
المريض والمسافر لهما الرخصة في الفطر، مع جواز الصيام إن لم يكن به مشقة. يُشجع على الأخذ بالرخصة عند وجود المشقة.
يتناول هذا الفصل الأحكام الفقهية المتعلقة بصيام المريض والحائض والنفساء والحامل والمرضع والعاجز، مع توضيح الرخص والواجبات لكل حالة.
من عجز عن الصيام بسبب الكبر أو المرض المزمن، يفطر ويطعم مسكينا عن كل يوم، ولا يجب عليه القضاء، ويكون الإطعام بنصف صاع من الطعام.
يختتم الفصل بالتأكيد على أنه سيتم التطرق فيما بعد إلى المفطرات التي يفطر بها الصائم، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعدي رحمه الله في كتابه «منج السالكين»: في كتاب الصيام، والمريض الذي يتضرر بالصوم، والمسافر لهما الفطر والصيام. المريض الذي يتضرر بالصوم يعني إن صام تضرر بذلك بزيادة المرض أو تأخر الشفاء، أو خشي على نفسه الهلاك، يعني يلحق بالمريض من خشي على نفسه الهلاك من الجوع أو العطش، فإنه له الفطر. هذا إذا كان الصوم لا يضره ولا يشق عليه مشقة شديدة، بحيث أنه إن استمر في الصيام قد يهلك، فهنا ما يجوز له أن يصوم في مثل هذه الحال. إذا كان المرض مرضا شديدا يشق معه الصيام مشقة عظيمة، فقد يهلك أو يتضرر ضررا عظيما إن صام، ففي هذه الحال يجب عليه الفطر، يجب عليه أن يفطر ولا يجوز له أن يصوم، لقول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. وإن كان المرض مرض يعني يشق معه الصيام ليست مشقة عظيمة، يستطيع أن يتحمل ويصوم، فهذا يستحب له الفطر، يستحب له الفطر، وهو الذي يتوجه إليه قول المؤلف: «له الفطر والصيام». الذي لا يشق عليه الصيام مشقة عظيمة، فيتحمل الصيام مع شيء من المشقة، فهذا يجوز له أن يصوم، والمستحب له أن يفطر. ونوع ثالث من أنواع المرضى، الذي عنده مرض لكن مرض يسير، لا يتضرر بالصيام، كالصداع اليسير وألم الظرس مثلا أو ألم الأصبع أو نحو ذلك، فمثل هذا يجب عليه الصيام، يجب عليه الصيام ولا يفطر. إذن عندنا المرض على ثلاث أقسام: مرض شديد لا يتحمل معه الصيام، فيجب عليه الفطر ولا يصوم. والقسم الثاني: مرض شديد لكن يتحمل معه الصيام، فيستحب له الفطر. والنوع الثالث: المرض اليسير الذي لا يشق معه الصيام ولا يتضرر بالصيام، فيجب عليه أن يصوم. وهذا النوع الذي يستحب له الفطر هو مخير، إن شاء صام وإن شاء أفطر، لكن يستحب له أن يفطر أخذا بالرخصة، لأن الله عز وجل قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. وإن صام وتحمل المشقة حال الصيام صح صومه. قال: «والمسافر كذلك». المسافر له الفطر وله الصيام، بقول الله جل وعلا في الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، أي إذا أفطر فيقضي ما أفطر من أيام. وهذا السفر، هل يشترط في السفر أن يكون سفر فيه مشقة؟ الجواب: لا، ما يشترط، ولو سافر وهو في غاية من الراحة، ليس في سفره شيء من التعب، سافر بأريح المركوبات، فإن له أن يفطر؛ لأن السفر هو علة الترخص، السفر نفسه هو علة للترخص، والمشقة هي مظنة، يعني السفر مظنة المشقة، فقد توجد وقد لا توجد، لكن إذا وجد السفر فحينئذ يوجد الترخص برخص السفر، من قصر الصلاة والفطر في نهار رمضان. ومتى يفطر المسافر؟ يفطر إذا فارق بنيان بلده، إذا فارق بنيان بلده وضرب في الأرض، فهنا يفطر، لقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. أما وهو ما زال في بلده وقد عزم على السفر، فإنه ليس بمسافر، لا يسمى مسافرا لا شرعا ولا واقعا، فهذا لا ليس له أن يفطر، يعني لو أن إنسان قد حجز التذكرة ويقول: أنا مسافر في الغد، وهذه التذكرة معي، هل أفطر؟ نقول: لا، ما تفطر حتى تسافر، حتى تذهب تركب هذا المركوب وتغادر البلد، فهنا لك أن تفطر. وأما وأنت ما زلت في البلد، فأنت في حكم المقيم، أنت في حكم المقيم، لا يجوز لك أن تفطر. وهذا السفر، سواء كان سفر طاعة أو سفر مباح، فيجوز له الفطر، إذا سافر الإنسان مثلاً للعمرة في رمضان، هذا سفر طاعة، له الفطر. إذا سافر سفر مباح، سافر مثلاً لعلاج أو لأجل زيارة بعض الأقارب مثلاً أو نحو ذلك، فكذلك له الفطر، لعموم الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. ثم المسافر مخير، إن شاء صام، إن شاء أفطر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صام في بعض أسفاره، وفي حديث أنس قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فمنا الصائم ومنا المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم». والحديث في الصحيحين. وسئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الصوم في السفر، فقال: «إن شئت فصم وإن شئت فأفطر». إذن المسافر مخير، إن شاء صام وإن شاء أفطر، هذا إذا لم يشق عليه الصيام في السفر. أما إذا شق عليه مشقة عظيمة حتى يكاد أن يهلك، فإن عليه أن يفطر، يجب عليه الفطر ولا يشرع في حقه الصيام، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: في الرجل الذي ظلل عليه وهو صائم، يعني تعب في الصيام وهو في سفر حتى ظلل عليه من شدة الصيام، فقال عليه الصلاة والسلام: «ليس من البر الصيام في السفر»، ليس من البر الصيام في السفر، أي في حق من كان الصوم في السفر يتعبه ويشق عليه مشقة عظيمة. وأما إن كان لا يشق عليه، إن كان لا يشق عليه، فهو مخير كما سمعنا. وأيهما أفضل؟ أن يصوم في السفر في رمضان أو يفطر؟ نقول: إذا كان الصوم لا يشق عليه، إذا كان الصوم لا يشق عليه، فالأفضل أن يصوم؛ لماذا؟ حتى يدرك فضيلة الصيام في رمضان، فإن الصوم في رمضان ليس كالصوم في غيره، هذا أولا. ثانيا: أنه سيصوم مع عامة المسلمين، والصوم مع عامة المسلمين أسهل وأيسر من صوم الإنسان وحده. وثالثا: أنه يتعجل بإبراء ذمته من هذا الواجب، بإبراء ذمته من هذا الواجب، وهو واجب الصيام، مع أنه له الفطر، لكن هذا من باب الأفضلية، إذا كان لا يشق عليه الصيام، فالأفضل أن يصوم. وأما إن كان يشق عليه، فالأفضل له الفطر أخذا بالرخصة، ثم يقضي ما أفطره من أيام حال سفره. وإذا كان هذا المسافر عمله دائما في سفر، إنسان يعمل في نهار رمضان يسافر مثلا من الشحر إلى المهرة وهكذا، يأتي من المهرة إلى الشحر دائما وفي سفر، هل له أن يفطر؟ الجواب: نعم له أن يفطر، ما دام أنه مسافر، فله رخصة بالفطر، ولا يجب عليه الصيام، ثم يقضي إن أفطر في هذه الأيام ما أفطره في أيام أخر. وهنا مسألة تتعلق بالمريض، المريض إذا أفطر... طيب أو نؤخر هذه المسألة في موضع آخر. قال: «والحائض والنفساء يحرم عليهم الصيام وعليهم القضاء». مر معنى أن الصوم لا يجب على الحائض والنفساء، المرأة إذا حاضت ونزل منها دم الحيض، ونزل منها دم الحيض، فإنها تفطر ولا يجوز لها أن تصوم. وفي حكمها النفساء، المرأة التي ولدت ونزل منها دم النفاس ودم الولادة، فإنه يجب عليها الفطر، لحديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين، في قوله عليه الصلاة والسلام: «أليس إذا حاضت لم تصلي ولم تصم؟» لما سئل عن سبب نقصان دينها، فقال: «ليس إذا حاضت لم تصلي ولم تصم». وفي حديث عائشة في الصحيحين، لما سئلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: «كان يصيبنا ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنؤمر بقضاء الصيام ولا نؤمر بقضاء الصلاة». فإذا أفطرت الحائض بسبب الحيض، تقضي هذه الأيام التي أفطرتها، ولا يجوز لها أن تصوم، لو أنها صامت خجلا، ربما بعض الفتيات إذا بلغت مبكرا ونزل منها الحيض قبل سن الخامس عشر، وهي تعتبر بهذا قد بلغت كما مر معنا، لو حاضت في السن الثاني عشر أو الثالث عشر أو الحادي عشر، تعتبر بهذا بالغة، تعتبر بهذا قد بلغت، لو أنها صامت وهي في حال حيضها خجلا، أمسكت، فإن صومها باطل، صومها باطل، لا يصح منها الصوم حال الحيض، ولا يجوز لها ذلك، يجب عليها أن تفطر، والصوم في حقها محرم. قال: «والحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكينا». كذلك الحامل والمرضع، مر معنا أنهما لا يجب عليهما الصيام، لحديث أنس بن مالك الكعبي رضي الله عنه الذي رواه الترمذي وغيره من أهل السنن، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصوم»، يعني وضع عنهما وجوب الصيام. فإذا خافت الحامل والمرضع على ولديهما، يقول المؤلف: «إذا خافت الحامل والمرضع على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكينا». الحامل والمرضع لهما حالتان: الحالة الأولى: أنها تخاف على نفسها، أن تخاف الحامل على نفسها أو تخاف المرضع على نفسها، ففي هذه الحال لها أن تفطر، لها أن تفطر وعليها القضاء فقط، إذا خافت الحامل والمرضع على نفسهما فقط، فعليهما القضاء إذا أفطرتا، عليهما القضاء فقط، في قول جمهور أهل العلم، بل نقل عن عامة أهل العلم، وإن كان هناك خلاف يسير، لكن هذا قول أكثر أهل العلم: أن عليهما القضاء فقط. الحالة الثانية: أن تخاف الحامل على جنينها، أو تخاف المرضع على ولدها ورضيعها، ففي هذه الحال في المسألة خلاف. القول الأول: وما ذهب إليه المؤلف رحمه الله: إلى أن عليها القضاء والإطعام، أن عليها القضاء والإطعام، تفطر ثم تقضي هذه الأيام وتطعم عن كل يوم مسكينا. ما هو الدليل على هذا؟ ستلقى بعض الآثار عن الصحابة، فقط صح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال بذلك: أن الحامل والمرضع إذا خافتا على ولدهما أفطرتا وأطعمتا، وبهذا قال الإمام الشافعي، وهكذا أيضا الإمام أحمد. القول الثاني في هذه المسألة: أن الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما، فعليهما القضاء فقط، عليهما القضاء فقط ولا يلزمها الإطعام، وهذا القول هو قول أبي حنيفة رحمه الله، وروي عن ابن عباس، روي عن ابن عباس في مصنف عبد الرزاق أنه قال: عليهما القضاء. وهذا هو الأظهر: أن عليهما القضاء، لحديث أنس بن مالك الكعبي، في قوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصوم». ومعلوم أن المسافر ليس عليه إلا القضاء إذا أفطر في رمضان من أجل السفر، فلا يلزمه إلا القضاء. والنبي صلى الله عليه وسلم قرن الحامل والمرضع بالمسافر، فلا يجب عليهما إلا القضاء. وكذلك أيضا أن الحامل والمرضع إذا أفطرتا ألحقتا بالمريض، والمريض ليس عليه إلا القضاء فقط، فعلى هذا لا يلزمها إلا القضاء. قال: «والعاجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه، فإنه يطعم عن كل يوم مسكينا». العاجز عن الصوم لكبر، إنسان كبر في السن فأصبح لا يستطيع الصيام، امر، إمرأة أصبحت عجوزا لا تستطيع أن تصوم، فنقول: ليس عليكما صيام، وإنما عليكما الإطعام فقط. وهكذا أيضا المريض مرض لا يرجى برؤه، إنسان مرض مرضا مزمنا، مرضا مستمرا، يقول الأطباء: هذا المرض ليس له شفاء فيما نعلم، ليس لنا عندنا علم بأن له شفاء، ففي مثل هذه الحال، هذا المريض يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا، يطعم عن كل يوم مسكينا. وهذا على ذلك قول الله جل وعلا: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، هذه الآية كانت في أول فرض الصيام، كان الصيام على جهة التخيير، من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم بدل الصيام، ثم نسخ هذا التخيير بالأمر بلزوم الصيام، فمن شهد منكم الشهر فليصمه. طيب إذا كان الإنسان عاجزا، إنسان عاجز عن الصيام ولا يستطيع أن يصوم، فما هو البدل عن الصيام؟ فالجواب: البدل هو الإطعام، كما أنه كان في أول الأمر إذا لم يصم أطعم بدل الصيام، فنقول: من عجز عن الصيام، فإننا نوجب عليه البدل، وهو الإطعام، وهو الإطعام. وبهذا استدل ابن عباس رضي الله عنهما، كما عند الدارقطني، قال في هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، هي في الشيخ الكبير والمرأة العجوز، لا يستطيعان الصيام، يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكينا. وهذا قول جمهور أهل العلم، هذا قول جمهور أهل العلم: أن الكبير في السن والمريض مرض مزمنا، أنهم يفطرون ويطعمون عن كل يوم مسكينا. ما هو قدر هذا الإطعام؟ لم يأت فيه تحديد، إلا أن أهل العلم قالوا: بأنه يخرج نصف صاع من الطعام، نصف صاع من غالب قوت البلد، من بر أو رز أو نحو ذلك من الطعام. وإن أطعم طعاما جاهزا كما فعل أنس رضي الله عنه لما كبر وما استطاع الصيام، دعا ثلاثين مسكينا وأطعمهم ثريدا، والأثر صحيح. طيب إذا أطعم إنسان مريض مرض مزمن، فأطعم ثم شفي من هذا المرض، ثم شفي من هذا المرض، هل يلزمه أن يقضي؟ واضح، إنسان مريض مرض مزمن، الواجب عليه الإطعام، أطعم ثم بعد ذلك شفي وعافاه الله، فهل يلزمه أن يقضي هذه الأيام؟ الجواب: لا، ما دام أنه قد أطعم، فلا يلزمه أن يقضي، فقد أدى الذي يجب عليه. لكن إذا لم يطعم بعد وقد شفي، فنقول هنا: عليك القضاء؛ لأنك أصبحت ممن يستطيع الصيام، فعليك القضاء. قال: «ومن أفطر فعليه القضاء فقط، إذا كان فطره بأكل أو شرب أو قيء عمدا، أو حجام أو إمناء بمباشرة، إلا من أفطر بجماع، فإنه يقضي ويعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا». قال: «ومن أفطر فعليه القضاء فقط». من هذا الذي عليه القضاء؟ هل كل من أفطر؟ نقول: إذا كان هذا الفطر من أفطر متعمدا من غير عذر، فإنه لا ينفعه القضاء، إذا أفطر الإنسان متعمدا، إنسان ما عنده أي عذر، لا مرض ولا سفر ولا شيء، وإنما من باب التفريط والتضييع، أفطر متعمدا، عالم ذاكر، نقول: هل نقول: هذا يقضي، أفطر هذه الأيام ويقضيها؟ لا، الصحيح من أقوال أهل العلم: أن من أفطر متعمدا في رمضان لا ينفعه القضاء، وإنما عليه التوبة، عليه التوبة النصوح. والقضاء لا ينفعه؛ لماذا؟ لأنه أفسد العبادة المؤقتة بغير عذر شرعي، أفسد العبادة المؤقتة بغير عذر شرعي. وما دام أنه قد أفسدها بغير عذر، فلا ينفعه قضاؤها، وإنما عليه أن يتوب مما فعل ويندم عما حصل منه، هذا القول الصحيح في هذه المسألة: أن من أفطر متعمدا من غير عذر، فليس عليه قضاء، وإنما عليه التوبة. لكن من أفطر بعذر، هذا الذي يقضي، من أفطر بعذر، فإنه كالمريض مثلا، المريض كما مر معنا له الفطر، فإذا أفطر بعذر المرض، فإنه يقضي ما أفطره من أيام، متى يقضيها؟ إذا شفي، إذا شفي من مرضه. لكن إذا استمر به المرض، إنسان مرض في رمضان فأفطر، ثم استمر به المرض إلى أن مات ولم يشف من هذا المرض، هل هذا يقضى عنه؟ يصام عنه أو يطعم عنه؟ الجواب: لا، إذا استمر به المرض واستمر به العذر إلى أن مات، فهذا ليس عليه على أوليائه قضاء لصيامه، ولا إطعام، في قول جمهور أهل العلم؛ لأنه لم يجب عليه الصيام بسبب هذا العذر، وهو المرض، وقد استمر به المرض إلى أن مات، فلا يجب عليه لا صيام ولا إطعام. وإنما إذا مرض ثم شفي من هذا المرض وتمكن من القضاء ولم يقض، فهنا هذا الذي يصام عنه كما سيأتي. إذا مات قبل أن يقضي، أما إذا كان حيا فإنه يقضي ما عليه من الصيام. والقضاء ليس على جهة الفور، لا يكون فورا، بل هو على التراخي. والقضاء الصيام من رمضان هو على جهة التراخي، لحديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين، قالت: «كان يكون علي الصيام من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان»، فلا أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان. لكن المستحب أن يتعجل بالقضاء، إبراء لذمته من هذا الواجب. وهل يجب أن يقضي ما عليه من الصيام متتابعا؟ الجواب: لا، لا يجب عليه التتابع في قضاء ما عليه من رمضان، لعدم دليل يدل على وجوب التتابع، بل له أن يقضيها مفرقة على ما يتيسر له. وسيأتي الكلام إن شاء الله على ما ذكره المؤلف رحمه الله من ذكر المفطرات التي يفطر بها الصائم. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.