كتاب الصيام 9

الدرس في كتاب الصيام 9، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

الأحكام الخاصة لأيام معينة

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام أيام معينة مثل يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق، كما نهى عن إفراد يوم الجمعة بالصيام إلا إذا صام يوما قبله أو يوما بعده. هذه الأعياد وأيام الأكل والشرب وذكر الله لها أحكام خاصة في الصيام.

أحكام صيام أيام محددة

يشرح المقطع أحكام صيام أيام معينة مثل الجمعة والسبت وبعد منتصف شعبان، مبينا أن صيام يوم الجمعة منفردا يكره إلا لعذر أو معتاد، ولا بأس بصيام يوم السبت، كما أن الحديث الذي ينهى عن الصيام بعد منتصف شعبان ضعيف.

أنواع الصيام المنهي عنها وتفاصيلها

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم أو يومين قبل رمضان لمن لا عادة له في الصيام، وعن صيام يوم الشك، وعن صيام الدهر. صيام الدهر محرم لما فيه من تضييع الحقوق وإضعاف النفس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الله مساعد رحمه الله في كتابه "منج السالكين"، في كتاب الصيام، بعد أن ذكر الصوم المستحب، قال: "ونهى أي النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يومين: يوم الفطر ويوم النحر، متفق عليه". النهي عن صيام يوم الفطر ويوم النحر جاء من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، ومن حديث عمر، ومن حديث عائشة، ومن حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يومي العيدين: يوم الفطر ويوم النحر. يوم الفطر هو اليوم الأول من شوال، ويوم النحر هو اليوم العاشر من ذي الحجة. فهذان اليومان نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيامهما؛ لأنهما يوم عيد لأهل الإسلام. يوم الفطر كما جاء في الحديث "يوم فطركم من صومكم"، واليوم الآخر تأكلون من نسككم. فلا يجوز للمسلم أن يصوم يوم الفطر، أي عيد الفطر، ولا عيد النحر، حتى لو نذر. قال: "الله علي نذر أن أصوم في اليوم الذي يأتي فيه فلان -مثلا- من السفر، صادف يوم الفطر أو يوم النحر"، لا يجوز له أن يصوم هذا اليوم؛ لأنه لا يجوز صيامه. وهل يقضي هذا اليوم الذي نذر أن يصوم وصادف يوم العيد؟ جمهور أهل العلم أنه ليس عليه قضاء؛ لأنه لا يجب قضاء ما كان معصية وليس بطاعة. قال: "وأيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل"، رواه مسلم. أيضا مما لا يصام، لا يجوز صيامه، أيام التشريق، وهي أيام الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة. سميت بأيام التشريق؛ لأنهم كانوا يشرقون فيها اللحم، يقطعون اللحم ثم يقددونه، فيعلقونه. في تلك الأزمان لم تكن هناك كهرباء وثلاجات يحفظ فيها اللحم، وإنما كان بطريق التشريق والتعليق. فسميت هذه الأيام بأيام التشريق. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله"، هذا حديث نبيشة الهذلي في صحيح الإمام مسلم. وجاء في حديث كعب بن مالك أيضا في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيام منى أيام أكل وشرب". وجاء في حديث عقبة بن عامر عند الإمام أحمد وأهل السنن قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب وذكر لله". فبيّن النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الأيام أيام أكل وشرب؛ يعني المسلم فيها في ضيافة الله جل وعلا، فيأكل ويشرب ويذكر الله جل وعلا. فلا يجوز أن يصوم هذه الأيام، إلا لمن لم يجد الهدي، كما جاء بحديث عائشة وابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام أيام التشريق، ولم يرخص في صومها إلا لمن لم يجد الهدي. فالحاج المتمتع إذا حج متمتعا بأن يأتي بالعمرة في أشهر الحج، ثم يتحلل منها، ثم يأتي بالحج، فيجب عليه هدي. إن لم يكن معه هدي أو قيمة الهدي، فيجب عليه الصيام: صيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. هذه الثلاثة الأيام يجوز أن يصوم أيام التشريق. يجوز للحاج أن يصوم أيام التشريق، أما غيره فلا يجوز له أن يصوم أيام التشريق؛ بل هذه الأيام مما ينهى عن صيامها. قال: "وقال: لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده"، متفق عليه أيضا. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إفراد يوم الجمعة بالصيام. "لا يصومن أحدكم يوم الجمعة"؛ يعني منفردا "إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده". والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وذلك أن يوم الجمعة يعتبر يوم عيد لأهل الإسلام، هو عيد أسبوعي. فلا يجوز إفراده بالصيام. أما إذا صامه المسلم تبعا لصيام قبله أو بعده، فلا بأس. أن يصوم الخميس ثم يصوم الجمعة، أو يصوم الجمعة ثم يصوم السبت. أما أن يفرده بالصيام ويقصده بالصيام فلا. وفي حديث جويرية في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل عليها وهي صائمة يوم الجمعة، قال: "هل صمت أمس؟" قالت: لا. قال: "تصومين غدا؟" قالت: لا. قال: "فأفطري". أمرها النبي عليه الصلاة والسلام أن تفطر. نعم، وإذا صادف صيام يوم الجمعة صوما من يعتاده، كصيام داود: صيام يوم وإفطار يوم. فإذا صام يوم الأربعاء، سيفطر الخميس، ثم سيصبح الجمعة صائما، ثم سيصبح السبت مفطرا. هنا الآن أفرد يوم الجمعة بالصيام. هل يجوز له أن يصومه على معتاده من صيام داود؟ الجواب: نعم يجوز؛ لأنه لم يقصد إفراده بالصيام، وإنما صامه على عادته في الصيام. فمثل هذا لا بأس به؛ لأنه لم يقصد أن يفرده بالصيام مثل هذا. وكذلك لو إنسان عليه صيام أو قضاء من رمضان، وعنده أعمال، يقول: "لما أستطيع أن أصوم إلا يوم الجمعة؛ أجد فراغا وراحة من العمل". فهل لي أن أصوم كل جمعة أقضي به ما علي من الصيام؟ جمهور أهل العلم على أنه يجوز؛ يجوز أن يصوم يوم الجمعة إذا كان لا يتيسر له الصيام إلا في يوم الجمعة؛ فلا بأس؛ لأنه ليس مقصوده إفراد الجمعة بالصيام، وإنما هو اليوم الذي يتيسر له أن يصوم فيه. وليس فيه انشغال بعمل من الأعمال. فحينئذ لا بأس أن يصوم، وإن كان الأولى أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده؛ كالخميس والجمعة، أو الجمعة والسبت. كذلك أيضا هل ينهى عن الصيام يوم السبت؟ جاء في حديث الصماء بنت بسر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم؛ فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبه أو عود شجرة فليمضغه". هذا الحديث رواه الإمام أحمد وأهل السنن. واستدل به بعض أهل العلم على كراهة إفراد يوم السبت بالصيام. وذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا يكره إفراد يوم السبت بالصيام، وأنه لا بأس بصيام يوم السبت، وأن هذا الحديث لا يصح. هذا الحديث "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم" لا يصح. وقد استنكره كثير من الحفاظ. الإمام الزهري رحمه الله يقول: "هذا الحديث ضعيف". والإمام مالك يقول: "هذا كذب". وهكذا يعله يحيى بن سعيد القطان وغير واحد من الحفاظ؛ استنكروا هذا الحديث. لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الذي عندنا هنا: "لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده". ما هو الذي بعده؟ يوم السبت. إذن سيصومه نافلة. وفي هذا الحديث "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم"؛ يعني لا يجوز صيامه نافلة، إلا ما كان فريضة؛ كصيام رمضان أو صيام نذر. ففي هذا الحديث ما يدل على أنه لا بأس بصيامه نافلة. ويتعارض مع هذا الحديث وهذا أصح؛ حديث أبي هريرة في الصحيحين، وهذا الحديث في السنن. فلهذا استنكره كثير من أهل العلم. إذن لا بأس بإفراد يوم السبت بالصيام. فلو صادف -مثلا- يوم عاشوراء، العاشر من محرم، يوم السبت. هل للإنسان أن يصوم؟ الجواب: نعم له أن يصوم؛ له أن يصوم هذا اليوم. كذلك أيضا جاء في حديث أبي هريرة في السنن: الترمذي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا". هذا الحديث فيه النهي عن الصيام بعد النصف من شعبان. وهذا الحديث كذلك لا يصح. استنكره الإمام أحمد، وابن معين. ووجه الاستنكار أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة في الصحيحين قال: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين؛ إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه". هذا الحديث فيه جواز أن يصوم الإنسان بعد النصف من شعبان. وإنما ينهى عن الصيام قبل رمضان بيوم أو يومين لمن ليس له عادة في الصيام. أما من كان له عادة، كان يصوم الاثنين والخميس، وصادف ذلك قبل رمضان بيوم أو يومين. فلا بأس أن يصوم. وفي هذا الحديث "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا"؛ والنهي إنما هو عن الصيام قبل رمضان بيوم أو يومين. أما أكثر من ذلك فلا بأس أن يصوم قبل رمضان بأسبوع أو أسبوعين. ولهذا استنكر أهل العلم هذا الحديث "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا". وعلى هذا فلا بأس للمسلم أن يصوم ولو بعد النصف من شعبان. بعض أهل العلم حمله على أنه في حق من لم يصم في أول شعبان. أما إذا صام أول شعبان فلا بأس أن يصوم بعد النصف من شعبان. والصحيح أنه لا بأس أن يصوم؛ سواء صام في أول شعبان أم لم يصم؛ له الصيام بعد النصف من شعبان. وإنما النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين. إذا نأتي هنا إلى ذكر كذلك نوع من أنواع الصيام المنهي عنه، وهو الصيام قبل رمضان بيوم أو يومين لمن لا عادة له في الصيام. إنسان ما يصوم، ما عنده عادة للصيام؛ كالاثنين والخميس ونحو ذلك. فلما قارب رمضان قبل رمضان بيوم أو يومين، قال: "سأصوم احتياطا لرمضان". نقول: لا، ما يجوز لك أن تصوم؛ الصيام في هذه الأيام منهي عنه. "لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين؛ إلا من كان له عادة" كما سمعنا؛ كصوم الاثنين والخميس. فلا بأس أن يصوم. كذلك أيضا يدخل في هذا النهي صيام يوم الشك. صيام يوم الشك وهو يوم الثلاثين من شعبان الذي يشك: هل هو من رمضان أو هو من شعبان؟ فصيام يوم الشك كذلك منهي عن صيامه؛ لحديث عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال: "من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم". ذكره البخاري معلقا، ووصله الإمام النسائي وغيره من أهل السنن، وهو حديث صحيح. أخبر عمار أنه من صام اليوم الذي يشك فيه؛ فقد عصى أبا القاسم؛ أي عصى النبي عليه الصلاة والسلام. فلا يجوز صيام يوم الشك. كذلك أيضا من الصيام المنهي عنه صيام الدهر. صيام الدهر: أن يصوم الإنسان السنة كلها، لا يفطر؛ لا يفطر إلا في الأيام التي لا يجوز صومها؛ كأيام العيد. الصيام الدهر منهي عنه؛ لا يجوز؛ بل هو محرم على الصحيح. صيام الدهر محرم؛ لا يجوز للإنسان أن يصوم الدهر؛ لحديث عبد الله بن عمرو في الصحيحين؛ لما بلغ النبي عليه الصلاة والسلام أنه يقول: "والله لأصومن الدهر ولأقومن الليل". فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم نهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وأمره أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، ثم أمره أن يصوم يوما ويفطر يومين، ثم أمره أن يصوم يوما ويفطر يوما. فلما قال: "أجد القوة". قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا أفضل من ذلك"؛ أي لا أفضل من صيام داود: صيام يوم وإفطار يوم. وجاء في حديث جابر عند ابن أبي شيبة، والبيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صام الدهر ضيق عليه في جهنم". من صام الدهر ضيقت عليه جهنم. وهذا حديث يدل على حرمة صيام الدهر. قال أهل العلم: "ضيقت عليه جهنم؛ لأنه ضيق على نفسه". وخالف هدي نبيه عليه الصلاة والسلام. وكما ذكر كذلك أهل العلم أن صيام الدهر يذهب به لذة الصيام؛ يذهب به لذة الصيام. لماذا؟ لأن الصوم سيصير عادة له؛ سيصير عادة له؛ يعتاد كل يوم أن يصوم؛ فلا يكون للصيام لذة؛ فتذهب حلاوته وتذهب لذته. وكذلك أيضا يذهب المقصود من هذه العبادة. فلأجل هذا كله نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام الدهر. مع كذلك ما قد يحصل به من تضييع الحقوق؛ من تضييع الحقوق؛ رغم ما يضعف بسبب صيامه للدهر؛ يصيبه شيء من الضعف؛ فيضيع شيء من حقوق الله أو حقوق عباده؛ رغم ما يضعف عن الذهاب إلى المسجد لصلاة الجماعة، أو يضعف عن التكسب والعمل للإنفاق على أهله وأولاده بسبب هذا الصيام؛ فيؤدي هذا الصيام إلى الوقوع في مثل هذه التضييع لهذه الحقوق. فلأجل هذا ينهى عن مثل هذا الصيام. طيب نكتفي بهذا القدر إلى هنا، والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.