تيسير الخلاق في أحكام الطلاق 6

الدرس في تيسير الخلاق في أحكام الطلاق 6، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

مفهوم الحضانة وشروط الحاضن

يشرح المقطع مفهوم الحضانة لغةً وشرعاً، ويبيّن شروط الحاضن من سلامة العقل والأمانة والدين، مستعرضاً خلاف العلماء في حضانة الفاسق والكافر، ويقرر أن الأم أحق بولدها حتى سن التمييز إجماعاً مستدلاً بحديث المرأة التي اشتكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

أحقية الأم بالحضانة وترتيب المستحقين

تستحق الأم حضانة ولدها منذ الولادة حتى سن التمييز (غالباً سبع سنوات) ما لم تتزوج، ويسقط حقها بالزواج. وعند التنازع يُقدَّم في الحضانة بعد الأم: أم الأم، ثم الأب، ثم الخالة، ثم أم الأب، ثم الأقرب فالأقرب، مع مراعاة الأصلح للطفل.

تخيير المميز ونفقة الولد بعد الطلاق

عند بلوغ الطفل سن التمييز (السابعة) يُخير بين أبويه، فإن لم يختر تُجرى قرعة، وله الحق في التنقل بينهما مع تدخل القاضي لمراعاة مصلحته، وتظل نفقته واجبة على أبيه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فحديثنا في هذا المجلس فيما يتعلق بأحكام يحتاجها الزوجان بعد الطلاق، وهذا هو المجلس السادس من المجالس التي نتذاكر فيها مسائل وأحكام تتعلق بالطلاق. وحديثنا في هذا المجلس -كما سبق- حول ما يتعلق بما بعد الفراق والطلاق، فقد يوجد بين الزوجين أولاد، قد يكونوا ذكوراً وقد يكونوا إناثاً، قد يكون هؤلاء الأولاد كباراً وقد يكونوا صغاراً. فهنا نحتاج إلى أن نتعرف على ما يتعلق بالحضانة. الحضانة في اللغة مشتقة من الحضن، وهو الجنب، يعني: ما دون الإبط إلى الكشح والخصر. وسمي بذلك لأن الأمة غالباً تضم ولدها إلى جنبها، تضم ولدها إلى جنبها، فسميت حضانة. وأما في الشرع فهي: حفظ الطفل عما يضره، والقيام بمصالحه. حفظ الطفل عما يضره، والقيام بمصالحه. قال الإمام ابن القيم -أو قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في كتابه المغني-: «كفالة الطفل وحضانته واجبة؛ لأنه يهلك بتركه، فيجب حفظه عن الهلاك، كما يجب الإنفاق عليه، وإن جاءه من المهالك». وقال: «ويتعلق بها حق لقرابته؛ لأن فيها ولاية على الطفل واستصحاباً له، فتعلق بها الحق ككفالة اللقيط». وهذا فيه أن الطفل يحتاج إلى الحضانة ولا يستغني عنها، ولا يستغني عنها، فلذلك كانت واجبة في حقه؛ لأنه قد يهلك إذا ترك، وليس هناك من يقوم بمصالحه وحفظه، وحفظه. والحضانة لا تثبت لمن لا يستطيع القيام بها، ولهذا ذكر العلماء أن الحضانة لا تثبت لمجنون، أو معتوه، أو طفل؛ لأنهم يحتاجون إلى من يكفلهم، فكيف يكفلون غيرهم؟ فكيف يكفلون غيرهم؟ لو فرق بين زوج مجنون وزوجته، فليس الزوج المجنون أولى بأن يكفل أولاده، لماذا؟ لأنه لا يستطيع أن يقوم بهم، بل هو يحتاج إلى من يقوم به، إلى من يقوم به. وهل تصح حضانة الفاسق؟ مثلاً: يكون الأب شارب خمر، يكون الأب فاسقاً، عنده من المعاصي الشيء الكثير. فاختلف العلماء في حضانة الفاسق، وذهب كثير منهم إلى أن حضانة الفاسق لا تصح. لماذا لا تصح؟ لأنه لا يؤمن منه أن ينشئ الولد على طريقته، على طريقته، فقد يفسد الولد إذا كان الوالد فاسداً، إذا كان الوالد فاسداً. وهذا الذي اختاره كثير من أهل العلم. وبعض أهل العلم لم يرتضوا ذلك، كما ذكر الصنعاني، وهكذا أيضاً الشوكاني وغيرهما، لم يرتضوا رد حضانة الفاسق، وإنما أجازوها. وأكثر أهل العلم على منعها. هل تصح حضانة الكافر؟ يعني: هل يجوز أن يكفل الأب الكافر ابنه المسلم؟ فالجمهور من أهل العلم على عدم ثبوتها للكافر على المسلم، وممن ذهب إلى هذا الإمام مالك، وهكذا الإمام الشافعي، وهكذا الإمام أحمد، وغيرهم من أهل العلم، وغيرهم من أهل العلم. لماذا لا تصح حضانة الكافر؟ لأنه قد يجذب، وقد يأخذ هذا الطفل المسلم إلى دينه، وهكذا لا يؤمن أنه لا ينشئه على تعاليم الإسلام، فهذا يجعل الطفل ينشأ منحرفاً، إن لم يكن بعد ذلك على دين أبيه الكافر. طيب، إذا فارق الرجل زوجته وله منها ولد، وله منها ولد، سواء هذا الولد ذكراً أو كان أنثى، فمن أحق بهذا الولد؟ فارق زوج زوجته وله منها ولد أو أولاد، قد يكون ذكوراً وقد يكون إناثاً، فأي الزوجين أولى وأحق بهذا الولد؟ من يأخذه؟ الأب أو الأم؟ الأم. أحسنت. فالأم هي أحق بولدها إلى أن يصل إلى سن التمييز، إلى أن يصل إلى سن التمييز. وهذا هو قول الشافعي، ومالك، وأبي ثور، وإسحاق، وغيرهم كثير من أهل العلم. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: «ولا نعلم أحداً خالفهم، ولا نعلم أحداً خالفهم». أكذا ذكر رحمه الله تعالى. ودليل أن الأم هي التي... ودليل أن الأم هي الأولى والأحق: ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث ابن عمر، أن امرأة قالت: «يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثدي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني». الآن الأم تحكي ما حصل بينها وبين زوجها، طلقها، وقد كانت حملت هذا الابن تسعة أشهر في بطنها، وبعد ولادته كان ثديها له سقاء، وحجرها حضنها كان له وعاء وحواء. قالت: «وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني الآن»، يريد أن يأخذه مني. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنت أحق به ما لم تنكحي». أنت أحق به ما لم تنكحي، أي: ما لم تتزوجي. وهذا الحديث أخرجه أبو داود، وحسنه الإمام الألباني رحمه الله تعالى. إذن الأم هي أحق وأولى بالولد ما لم تتزوج، ما لم تتزوج. فإذا تزوجت الأم سقطت حضانتها، سقطت حضانتها. ولهذا ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: «الأم إذا تزوجت سقطت حضانتها». قال ابن المنذر، وابن المنذر هذا إمام محدث فقيه من فقه ومحدث الشافعية: «أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم، من أهل العلم. قضى به شريح، وهو قول مالك، والشافعي، وأهل الرأي، وأهل الرأي». انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وقلنا: هذا محدد بسن التمييز. وما هو سن التمييز؟ الغالب أن التمييز يقع عند سن السابعة، عند سن سبع سنوات يقع التمييز. لماذا اختار العلماء سن السابعة؟ قالوا: لأن سن السابعة هو الذي حدده الشرع للتعليم، كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين». ماذا اختار سن السابعة؟ قالوا: الغالب أن الطفل يبدأ يفهم، يبدأ يتعلم، يبدأ يميز، يبدأ يميز. فالتمييز غالباً يكون في سن السابعة. وقد يحصل التمييز قبل السابعة، مثلاً: طفل يكون في السابعة... في الخامسة يفهم ما ينفعه وما يضره، إلى غير ذلك، إلى غير ذلك. فإذا وجد التمييز قبل السابعة عمل به، وإلا فينتظر حتى يبلغ سبع سنوات، حتى يبلغ سبع سنوات. إذن: من الولادة إلى سنة السابعة، سنة التمييز، أولى بالطفل هي أمه، هي أمه، ما لم تتزوج. فإذا تزوجت انتقلت الحضانة منها إلى غيرها، إلى غيرها، كما سيأتي معنا، كما سيأتي معنا ترتيب... ماذا؟ من هو أحق بهذه الحضانة؟ طيب، الترتيب في الحضانة بعد الأم: قيل الأب، أن... ماذا؟ الأم إذا تزوجت فتنتقل الحضانة إلى الأب، وقيل إلى الخالة، والخالة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الخالة بمنزلة الأم». الخالة بمنزلة الأم. لكن العلماء رتبوا بعد الأم أمهات الأم، يعني: أم الأم، بعد الأم. واستدلوا على ذلك بأثر رواه البيهقي وغيره، وهذا الأثر عن أبي بكر في اختصام عمر في ابنه عاصم، فقضى... فقضى أبو بكر بالولد لأم الأم، مع وجود الأم، وأن النفقة على الأب. واستدل به من استدل على أن الصحابة قدموا أمهات الأم بعد الأم، بعد الأم. ولهذا... ولهذا ترتيب الحضانة بعد الأم: قيل الخالة، وقيل الأب، وهكذا أيضاً يدخل في هذا أم الأم، ثم بعد ذلك أمهات الأب، ثم أمهاته من الجهتين، ثم الأقرب فالأقرب، ثم الأقرب فالأقرب. إلا أنه بالنسبة لقرابة الأب بعد الخالة يقدمون على قرابة... على قرابة الأم، على قرابة الأم. هذا الترتيب المذكور في حال حصول تنازع. أما في حالة حصول تراضي، في حالة حصول تراضي: الأم تقول: لا، أنا ما أريد هذا الولد، يأخذه أبوه، فيأخذه الأب إذا كان سيقوم بمصالح هذا الابن. الأب قال: لا، أنا ما سأأخذه، عمه يأخذه. العم قال: عندي أخذه، عمه أو خاله أو خالته أو عمته، بالتراضي بين الجميع، فهذا جائز، هذا جائز. لكن إذا حصل التنازع، إذا حصل التنازع بين الأقارب في من يكفل هذا الطفل، فعندها يرجع إلى الترتيب السابق: وهو الأم، ثم بعدها أم الأم، ثم بعد ذلك الأب، ثم الخالة، ثم أم الأب، ثم بعد ذلك الأقرب فالأقرب، الأقرب فالأقرب. الحاكم، القاضي، ينبغي أن ينظر أيضاً: الأصلح، الأصلح من القرابة. فلو كان هناك قريب بعيد لكنه أصلح لهذا الطفل ولهذا الصبي، فيجوز أن يعينه الحاكم، يجوز أن يعينه الحاكم، بسبب ماذا؟ المنفعة التي ستعود للابن، وهكذا الصلاح الذي سيكون عليه هذا الابن، هذا الابن، إلى سن السابعة أو سن التمييز. طيب، بعدها بلغ سن السابعة، فعندها يخير، يخير الابن. يقال: هذا أبوك وهذه أمك، من تختار؟ فإذا اختار الأم أخذته الأم، وإذا اختار الأب أخذه الأب. وإذا لم يختر أحدهما، القاضي يقول: تريد أبوك وأمك؟ يسكت، أو يقول: أريد أبي وأمي. فما يقدم أحدهما على الآخر؟ ماذا يفعل هنا؟ تجرى القرعة بين الأب وبين الأم، فأيهما وقعت عليه القرعة أخذ هذا الطفل، أخذ هذا الطفل. وورد في هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عند النسائي وأبي داود، أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: «يا رسول الله، إن زوجي يريد أن يذهب بابني، أن يأخذه عليها». قالت: «وقد سقاني من بئر أبي عنبة». وبئر أبي عنبة هذا ذكروا أنها تبعد مسافة ميل من المدينة. قالت: «وقد نفعني»، الآن هذا السن الابن ينفعني فيه. قالت: «وقد نفعني». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي للطفل: هذا أبوك وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت». سيأخذ بيد من؟ هذا أبوك وهذه أمك، في سن سبع، ثمان، تسع، عشر سنوات، سيأخذ بيد من؟ الأب أو الأم؟ الأم. وهذا الذي فعله الطفل، أخذ بيد أمه، أخذ بيد أمه، فانطلقت به. وهذا الحديث صححه الإمام الألباني رحمه الله تعالى، صححه الإمام الألباني رحمه الله تعالى. ومما يتعلق أيضاً بمسألة الحضانة: أن الطفل إذا خير فاختار أحد الأبوين، قال: والله أريد أمي. طيب، مضى أسبوع، شهر، قال: لا، أريد عند أبي. له ذلك، له أن ينتقل من الأم إلى الأب. جلس عند الأب أسبوع، عشرة أيام، أسبوعين، شهر، قال: أريد عند أمي. ينتقل إلى عند أمه. فهذا مما يخير فيه الولد إذا كان مميزاً. وقد ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى أيضاً قال: «ومتى اختار أحدهما فسلم إليه، ثم اختار الآخر رد إليه. قال: فإن عاد فاختار الأول أعيد إليه. قال: وهكذا أبداً، كلما اختار أحدهما صار إليه؛ لأنه اختيار شهوة لحظ نفسه، فأتبع ما يشتهيه في المأكل والمشرب. قال: وقد يشتهي المقام عند أحدهما في وقت، وعند الآخر في وقت، وقد يشتهي التسوية بينهما». لكن ينتبه لأمر الطفل، إلى الآن لا يزال قاصراً، فقد يحتاج الجلوس عند أبيه، لماذا؟ لربما يأخذ حريته زيادة، يخرج يرجع في وقت متأخر من الليل، يخرج في الصباح ما يرجع إلا بعد الظهر، فيضيع الطفل ويفسد ويخرب. فينبغي أن يراعى هنا، يقول: لا، أنا أريد عند أمي، ليش؟ أمه تدلعه، ولا تؤدبه، ولا تربيه تربية صحيحة، فينشأ فاسداً. هنا... هنا يحق للحاكم أن يتدخل، وينظر ما هو الأصلح لهذا الصبي، ما هو الأصلح والأنفع لهذا الطفل. ومثل هذه الأحكام المتعلقة بالحضانة تدل على حرص الإسلام على صلاح الأولاد، وأن ينشأ تنشئة صحيحة. لأنه كما يعلم الجميع: إذا طلق الرجل زوجته، أصبحت الأم تعيش في جانب في بيت، والأب يعيش في جانب وبيت آخر. أول من يتضرر بهذا الطلاق ويتأثر به هم الأولاد، في تربيتهم وتنشئتهم. ولهذا الطلاق عند عدم الحاجة إليه، وعند عدم كذلك المصلحة فيه، مر معنا أنه قد يكون محرماً، وقد يكون مكروهاً. لماذا؟ لما يترتب عليه من آثار سيئة تعود على الأولاد وعلى غيرهم. لهذا شرعنا اهتم بمصلحة الأولاد، والمحافظة على الأولاد، وتربية الأولاد، وتعليم الأولاد تعليماً صحيحاً. وهكذا النفقة على الأولاد: لو ذهب الولد مع أمه، مع أمه مثلاً قبل السابعة أو بعدها، فالنفقة على هذا الولد تعتبر واجبة على والده، تعتبر واجبة على والده، أن ينفق عليه بالمعروف، أن ينفق عليه بالمعروف. فمثل هذه المواضيع كم يحتاج إليها كثيراً، فينبغي بيانها، وينبغي تعريف الناس عليها، وبيانها لهم. فأسأل المولى تبارك وتعالى أن ينفعني وإياكم بما نقول أو نسمع، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، وأن يهب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، وأن يجعلنا للمتقين إماماً. إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر