آداب خصال الفطرة 7

آداب خصال الفطرة 7

الدرس في آداب خصال الفطرة 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

خصال الفطرة وأحكامها الشرعية

درس يتناول حكم خصال الفطرة ووجوب إزالتها بعد المدة المحددة شرعًا، مع بيان أحكام متعلقة بإزالتها مثل التيامن وجواز إزالتها بواسطة الغير. يبين المقطع أيضًا آراء العلماء حول هذه الأحكام.

حكم الشعر والأظافر المأخوذة

يتناول حكم الشعر والأظافر المأخوذة من الإنسان، حيث يُستحب دفنها في الأرض استنادًا إلى الأدلة الشرعية، مثل الآية الكريمة ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾، ويرى الإمام أحمد وجوب دفنها مستندًا إلى فعل ابن عمر.

دفن الشعر والأظافر ونواقض الوضوء

المقطع يتناول آراء العلماء حول دفن الشعر والأظافر، واستحباب دفنها لمنع السحرة من استخدامها، ويذكر أن إزالتها لا تنقض الوضوء بالإجماع المنقول عن ابن المنذر، مؤكدًا عدم تأثير الأخذ من أعضاء الخصال على صحة الوضوء.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس إخواني في الله كان الختام بذكر خصال الفطرة التي دعت إليها الشريعة، كما جاء مصرحًا في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وإن مما يناسب ذكره بعد ختام هذا المبحث أن نتطرق إلى بعض المسائل العامة المتعلقة بهذا المبحث. وأولى هذه المباحث أن نتعرف على حكم خصال الفطرة، أي من حيث الإزالة. من تمعنا في كتب العلماء ونظر في أقوال الفقهاء يرى أنهم درجوا على ذكر حكم الاستحباب، وأن ذلك مما يستحب، حتى تجد أن بعضهم لربما حكى الإجماع في هذه المسألة. لكن مع التحقيق والنظر تجد أن المسألة ليس فيها إجماع، بل والصحيح أن حكم الخصال الفطرة لا يقتصر على الاستحباب، بل حكمه الوجوب، وخاصة بعد مرور المدة التي وقتها لنا نبينا عليه الصلاة والسلام، ألا وهي أربعين يومًا في قص الشارب، وفي قص الأظافر، وفي نتف الإبط، هذه التي جاءت بها الأوامر فإنها لا تترك بعد أربعين يومًا. والصحيح أن من تعمد تركها إلى بعد هذه المدة فإنه يأثم. وأما من أطلق لفظ الاستحباب فليس بالصحيح. وممن ذهب إلى وجوب إزالة هذه الخصال الإمام ابن العربي المالكي، حيث قال رحمه الله تعالى: «وعندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة، وهذا هو الصحيح الذي يقتضيه النظر في الأدلة، بل كذلك الواقع». لو ترك الأمر على عواهنه وحكم على هذه الخصال بالاستحباب، فتخيل أن رجلًا ترك شاربه ما شاء، وكلما أمر بإزالته يقول: هذا مستحب. أو ذاك الذي يترك أظافره تطول ثم تطول، فإن أنكر عليه قال: يا أخي هذه مستحب، فلا ألزم بها. فتخيل يا عبد الله دخل في ذلك التشبه بالكائنات والحيوانات، والتشبه بالكفار، هل هذا يعد استحبابًا؟ لا، الأمر الوجوب. وعلى هذا المذهب ذهب ابن حزم رحمه الله تعالى، وهكذا ابن مفلح وابن القيم والشوكاني، كل هؤلاء صرحوا بالوجوب. فليس عندي إجماع، بل مسألة فيها خلاف، وأن الصحيح فيها أن حكمها الإيجاب. المسألة الثانية مما يتعلق بذلك من مسائل خصال الفطرة، أن عند إزالة يا عبد الله احرص على التيامن، احرص على التيامن أن تبدأ بالأيمن فالأيمن إذا أمكن ذلك. وقد مر ذلك معنا مثلًا في قص أظافر اليدين والرجلين، ابدأ بالأيمن ثم الأيسر، وهكذا في أخذ شعر الإبط، ابدأ بالأيمن ثم الأيسر. ويدل على هذا الحكم ما جاء من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها حين قالت: «إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله». فيدخل في ذلك خصال الفطرة، فيستحب أن تبدأ بالميامن. المسألة الثالثة كذلك مما تتعلق بخصال الفطرة من المسائل العامة إزالة الغير لها، أي أنك تنيب غيرك لكي يزيل عنك هذه الخصال، هل هذا يمكن أو لا؟ المسألة فيها تفصيل كما قال أهل العلم. إن كانت هذه الخصلة من خصال الفطرة تحتاج إلى كشف العورة فلا يجوز أن تبديها إلا لمن يجوز ويحله النظر. أما أن تذهب إلى مكان مثل ما يكون من الاستحداد، قد مر معنا معناه، فالاستحداد لا يتأتى أنك تجعله لكل أحد، ولو بمبلغ بحجة أنك لا تعرف أو لا تفقه أو لا تفهم، هذا لا يجوز. أما باقي خصال الفطرة مثل قص الشارب، توكل أحدًا بقصه ليس فيه شيء. مثل قص الأظافر، هذا يمكن أن توكل أحدًا، مثل من يكون من أهلك أو من أولادك، أو كمن يذهب إلى الصالون فيقصر من شاربه، تجعل هذا الحلاق، هذا ليس فيه شيء. وخاصة الذي لا يحسن يعرف من نفسه أنه لا يحسن ولا يقدر على ذلك لضعفه ولعجزه ولعدم خبرته أو لقلة عقله، مثل رجل لا عنده خفة عقل، فتعطيه المقراض أو المقص وتأمره أن يخفف من شاربه أو من أظفاره، لربما أخذ من اللحم ولربما جرح نفسه، تعطيه هذه المادة الحادة الآلة الحادة، لا يجوز. أو يكون الرجل مريضًا لا يستطيع بنفسه أن يزيل هذه الخصال، فحين يستعين بغيره، فهنا على التفصيل. فما كان من تكشف للعورة لا يجوز أن تبديه لأي أحد. وأما إن لم يكن فيها كشف العورات فلا بأس أن تستعين بغيرك، وخاصة إذا وجدت الحاجة لذلك. وهنا أنبه على مسألة من باب الشيء بالشيء يذكر، أحيانًا تجد أن بعض المرضى قد يطلب أو عند إجراء العملية لهم يطلب منهم أن يأخذوا من الشعر من شعر العانة مثلًا أو من مكان الأسفل، خاصة إذا كانت العملية تحتاج إلى قطع من باب التعقيم ونحو ذلك، يطلب من المريض أن يزيل الشعر، فيقوم بعضهم يترك هذا والناس سيجعلونهم هم الذين يحلقون كما يريدون، هل هذا يجوز؟ لا، لا يجوز أن تترك هذا الشعر بحجة أنهم الذين سيقومون بأخذه، هذا سيكون فيه اضطرار لكشف العورة لغير حاجة، يكون فيه كشف العورة لغير حاجة وأنت قادر على هذا، فلا يجوز أن تفعل ذلك. المسألة الرابعة بمسألة خصال الفطرة، مسألة ما حكم الشعر المأخوذ وما حكم الأظافر المخصوصة؟ أين يكون محلها؟ ترميها؟ تلقيها؟ تدفنها؟ هذه مسألة. للعلماء فيها أقوال، فمن أهل العلم وهو قول كثير من العلماء إذا ذكروا هذه المسألة فإنهم يميلون إلى أن هذه الأعضاء والأجزاء التي تؤخذ من الإنسان حقها أن تدفن في الأرض. ومما استدلوا به ما جاء في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾، بمعنى الضامة تضم. ذهب جماعة من المفسرين إلى عند شرحهم لهذه الآية قالوا: إن الله سبحانه وتعالى وصف الأرض بأنها تضم الأحياء والأموات، أين تضمهم؟ في بطنها. قالوا: كون أن الأرض تضم الأموات هذا قول معروف، وذلك من حيث الدفن والقبور. طيب كيف تدفن الأحياء؟ ذهب هنا جماعة من أهل العلم إلى أنها يدفن فيها الأعضاء والأجزاء التي تخرج من الحي كالأظافر والشعر. فهذا قول يقول به طائفة من العلماء ويستدلون بهذه الآية: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾. وذهب جماعة من أهل العلم، هذا المذهب كالإمام أحمد رحمه الله تعالى، فهو يرى أن الشعر يدفن، وسأله أحد الطلاب وهو المهنى، قال: سألت أحمد عن الرجل يأخذ من شعره وأظفاره، أيُدفنه أم يلقيه؟ قال الإمام أحمد: «بل يدفنه». قال أي مهنى؟ قلت: أبلغك فيه شيء؟ قال: نعم، كان ابن عمر يفعله. فقلت: أي المهنى؟ ممن هذا الحديث أو عمن هذا الحديث؟ فقال إمام أحمد: حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن مهدي، قال: عن العمر عن نافع أن ابن عمر كان يفعله. فالشاهد من هذا أن هذا قول إمام أحمد رحمه الله، وكذلك هذا مذكور عند الشافعية وعند الأحناف. أكثر العلماء عن هذا يميلون إلى هذا المذهب، إلى أن الأشياء التي مأخوذة من الإنسان تدفن. وهذا إذا استطعت إليها كما يدفن، أما ومن ألقاها فلا عليه شيء، هذا الأمر لا يصل إلى التحريم لأنه ما عندي دليل. وكما تجد أن الإمام أحمد أقصى ما استدل به على فعل ابن عمر هذا إن صح عن ابن عمر، فهو يستأنس به، وكذلك عموم الآية، وكذلك قالوا قياسًا على أعضاء الإنسان. الإنسان لو قطع منه عضو، كما يقع في عمليات البتر تقطع يده تقطع رجله، هل يرمى هذا العضو؟ لا، يدفن. هذه الأعضاء المنقطعة من الإنسان تدفن لا ترمى. فقالوا: فلما كانت الأعضاء تدفن لأنها من أجساد الإنسان، كذلك الشعر والأظافر حقها أن تدفن لأنها مثل أجساد الإنسان، فقاسوا هذا بهذا. كذلك علة أخرى لأجلها ذهب جماعة من أهل العلم إلى استحباب الدفن أن تدفن هذه الأشياء، قالوا: حتى لا يعبث بها السحرة والكهنة. فالساحر والكاهن إذا أراد أن يعمل سحرًا لا يعمله من تلقاء نفسه، لا بد أن يكون هناك ربط بينه وبين المسحور، وذلك بأن يأخذ شيء من لباسه، من أظفاره، من شعره، أي شيء لا بد. فهذه سياسة السحر تقوم على هذا، على وجود ساحر وعلى وجود مسحور وعلى وجود ربط. لا بد من ربط الساحر، تأتي تقول له: اعمل لي سحرًا لفلان، كفف عنه، يعطيك شيء، لا بد يطلب بشيء، أي شيء فيه أثر لهذا المسحور، أي شيء ولو شعر من شعرات رأسه، أتوني به يكفيني، أو أظافر، فمثل هذه الأشياء إخواني في الله، فلو أن أحدًا أراد بإنسان شرًا وأضمر له كرهًا وحقدًا، فلو ربما أخذ هذه الأشياء الموجودة منه ثم أعطاها لساحر، فأعمل بها الأفعال والأعمال، فالحاصل إخواني في الله هذا قول جماعة، وله مجهة نظر قوية في هذا الباب، على أن الأعضاء المنفصلة من الإنسان من شعر وأظفار حقها أن تدفن. لكن كما قلنا الأمر لا يصل إلى الوجوب، فمن استطاع لذلك فذاك، ومن لم يستطع فإن شاء الله لا شيء في ذلك. أجعلها في خرقة ويرميها ثم ترمى بعد ذلك، لأن ما عندي دليل صحيح يلزم بهذا. مسألة أخيرة لهذا المقام، وهي من مسائل متعلقة بخصال الفطرة، ألا وهي هل هي من نواقض الوضوء؟ هل إزالة هذه الخصال من نواقض الوضوء؟ مثاله: أنت الآن على وضوء متوضع، فقمت وأزلت شيء من خصال الفطرة، أخذت شعر الإبط، أخذت قصصت الأظافر مثلًا أو قصصت الشارب وأنت على وضوء، توضعت قبل قليل للظهر، ثم نابك شيء فرأيت أن الشعر قد زاد في شاربك فقَصَصت الشارب خففته، أو أظافر طويلة قصصتها وأنت معك وضوء، الآن هل وضوءك صحيح؟ أم تجد أن الوضوء قد تغير؟ وذهب وألغي لأنك أخذت شيء من أعضاء الوضوء أو أجزاء من أعضاء الوضوء؟ ذهبت حكاية جماعة من العلماء الإجماع على أن هذه الأمور لا تعد ناقضًا من نواقض الوضوء. قال الإمام المنذر رحمه الله تعالى: «ولا أعلم أحدًا ينفي، ولا أعلم أحدًا يوجب عليه اليوم وضوءًا، ما أعلم أحد يقول بهذا». هذا قول ابن المنذر رحمه الله تعالى. وإن كان ابن قدامة في المغني يشير إلى وجود خلاف. والصحيح الذي عليه جماهير العلماء أن الأخذ من أعضاء الخصال فطرة، ولو بعد الوضوء لا تؤثر، ولا تلزمك يا عبد الله أن تعيد الوضوء، فهي ليست حدثًا، ليست حدثًا ولا هي معدودة من النواقض، فالصحيح أنها لا تؤثر. هذه مسائل إن شاء الله نقف عندها، وبقي هناك كذلك مسائل عامة متعلقة بخصال فطرة نتمم بها هذا المبحث. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.