الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 78، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل تفاصيل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة وتواريخ الأحداث المتعلقة بها. يوضح عمر النبي عند الهجرة مستندًا إلى الأحاديث الصحيحة.
ناقش هذا الفصل تفاصيل وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، حيث نزل في ديار بن عمر بن عوف ومكث عدة ليال، ثم أسس مسجد قباء وصل الجمعة في وادي رانونا.
يصف هذا الفصل استقبال أهل المدينة للنبي صلى الله عليه وسلم عند هجرته إليها، ويذكر تفاصيل وصوله وتوزيع الناس حول راحلته ونزوله في بيت أبي أيوب الأنصاري.
أنهى الشيخ درسه معلنًا عن متابعة أعمال الناظم في الدرس القادم، ودعا الله أن ينفع بما قيل في الدروس، وأختتم بالصلاة على النبي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال النظم رحمه الله تعالى: من طيبة فبايعوا ثم هجر مكة يوم اثنين من شهر صفر، فجاء طيبة الرضى يقينا إذ كمل الثلاث والخمسين في يوم الاثنين، ودام فيها عشر سنين كملًا، نحكيها. هذه الأبيات، إخواني في الله، وقد سبقت الإشارة إليها في ذكر ما كان من هجرته عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، وقد مرت معنا مباحث كثيرة متعلقة بهذا الحدث النبوي، ألا وهو ما يتعلق بحديث الهجرة، ما كان من مسألة بيعة العقبة الأولى والثانية التي مهدت لهذه الهجرة، ثم ما كان من بدء هجرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولماذا اختيرت المدينة محلًا للهجرة؟ وذكرنا شيئًا من نماذج هجرة الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلى تلكم البقاع، ثم ما كان من استعداد رسول الله صلى الله عليه وسلم للهجرة، وما كان من تخطيطه لهذا الحدث المهم، وما كان من دور الكفار في عرقلة مسيرة رسول الله عليه الصلاة والسلام منذ مخرجه من مكة إلى أن وصل إلى المدينة. وقد مرت المباحث متعلقة بهذه الأحداث في دروس خلت، ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: من طيبة فبايع ثم هجر مكة يوم اثنين من شهر صفر، أي أنه خرج من مكة مهاجرًا إلى المدينة في يوم الاثنين. قال: فجاء طيبة الرضى يقين إذ كمل الثلاث والخمسين في يوم الاثنين، هنا وقف أولًا مع هذه التواريخ التي سطرها وأرخها المؤلف رحمه الله تعالى، إذ أنه ذكر أن مخرجه عليه الصلاة والسلام من مكة يوم الاثنين، ووصوله إلى المدينة يوم الاثنين. ذكر الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى في «فتح الباري» قال: وقال الحاكم، تواترت الأخبار أن خروجه ودخوله المدينة كان يوم الاثنين، إذن هذا لا إشكال فيه ولا نقاش، وهذا مما صحت به الأخبار والأحاديث والآثار من أن مخرجه ومدخله، مخرجه من مكة ومدخله المدينة، وافق هذا اليوم بالذات في يوم الاثنين. وإن كان من باب الإشارة والفائدة، وإن كان من بعض أهل العلم من يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما خرج من مكة ليلة الجمعة، ثم مكث في الغار، وقد مضى معنى أنه مكث في الغار ثلاثة ليال، قالوا: الجمعة والسبت والأحد، ثم يوم الاثنين انطلق من الغار إلى المدينة. فمنهم من يرى أن بدء هذا اليوم يوم الاثنين يكون من الغار، من غار ثور، انطلاقه إلى المدينة، فعلى كل الأمر في ذلك سهل وهو قريب، فسفره من مكة بشكل عام، سواء قلنا من جوف مكة أو من غار ثور، كان يوم الاثنين، ثم وصل إلى المدينة يوم الاثنين، هذا ما يتعلق بقوله: يوم اثنين من شهر صفر. ثم قال: وإذ كمل الثلاثة والخمسين في يوم الاثنين، ما يتعلق بقوله: إذ كمل الثلاثة والخمسين، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت هجرته وقد بلغ هذا السن، إذ عمره ثلاثة وخمسون سنة عليه الصلاة والسلام. ومما يؤيد هذا العمر ويؤكده ما جاء في الصحيحين، ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربعين سنة»، هو في عمر الأربعين نزل عليه الوحي، وقد مضى معنى مسائل الوحي وما كان في غار حراء. قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربعين سنة، فمكث ثلاثة عشر سنة يوحى إليه»، الآن أضف أربعين سنة نزل عليه الوحي، ثم مكث في مكة داعيًا والوحي يتنزل عليه مدة ثلاثة عشرة سنة، كم هذه؟ ثلاثة عشرة مع الأربعين، إذن ثلاثة وخمسين. قال: «ثم أمر بالهجرة، ثم هاجر عشرة سنين»، إذن هذا هو التاريخ الكامل لحياته عليه الصلاة والسلام، أربعين قبل النبوة، أوحي إليه وهو في سن الأربعين، مكث في مكة ثلاثة عشرة عامًا، سافر وهاجر إلى المدينة، ومكث في المدينة عشر سنين. فالشاهد إذن إذا أضفنا ثلاثة عشرة عامًا من الوحي، أضف إلى أربعين سنة من الوحي، إذن عمره كان حينها ثلاثة وخمسون سنة، هذا الذي اتفق به نبينا من عمره إلى المدينة. فقال رحمه الله تعالى: من طيبة فبايع ثم هجر مكة يوم اثنين من شهر صفر، فجاء طيبة الرضا يقينا إذ كمل الثلاثة والخمسين في يوم الاثنين، ودام فيها عشر سنين كملًا، نحكيها. أي جلس في المدينة عشر سنين، ونحكيها أي سيأتي لنا المؤلف رحمه الله تعالى السنة الأولى في المدينة، ما الذي فعل فيها؟ السنة الثانية في المدينة، ما الذي فعل فيها؟ ولا يزال مؤلف رحمه الله تعالى، الناظم، سيتتبع معنا أهم الأحداث التي وقعت لرسول الله عليه الصلاة والسلام. إذن هذا هو ملخص ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من هجرة رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، أشرنا في دروس سابقة ما يتعلق برحلته مع الصديق رضي الله تعالى عنه، وما لاقاه نبينا في هذه الرحلة. ما يتعلق بوصوله عليه الصلاة والسلام، وصل نبينا صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، وأول ما وصل المدينة وصل في أعلاها، في أعلى المدينة، وذلك في ديار بن عمر بن عوف، في ديار بن عمر بن عوف، وهو حي من أحياء المدينة، لكن في أعلاها هناك نزل عندهم نبينا صلى الله عليه وسلم، ومكث هناك عدة ليال، ومكث هناك عدة ليال عليه الصلاة والسلام. منهم من قال: أنه جلس أربعة عشرة ليلة، جلس في هذا الحي من أحياء أهل المدينة، ومنهم من قصر وجعلها أياما معدودة، لكن الكل يتفق على أن النبي صلى الله عليه وسلم أول ما نزل إلى المدينة بدأ في أعلى المدينة في ديار بن عمر بن عوف، وهناك في مكثه في هذا المكان أسس مسجد قباء، أسس عليه الصلاة والسلام مسجد قباء. ثم في يوم الجمعة، ولهذا قلنا أن بعضهم يرى أن الأيام ضئيلة، جلس الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة فقط، ومنهم من يقول: لا بل هي أطول من هذه، كما جاء في الصحيح أنها أكثر من عشر ليالي، منهم من قال: إحدى عشر ليلة، منهم من قال: أربعة عشر ليلة، جلس نبينا في هذا المكان. الشاهد أنه تحرك يوم الجمعة من ديار عمر بن عوف من أهل المدينة، تحرك يوم الجمعة فأدركته الجمعة في الطريق، فأدركته الجمعة في الطريق، فصل عليه الصلاة والسلام في محل في الوادي، إذ كان هناك مسجد يصلي فيه المسلمون، فصل فيه نبينا الجمعة، وكانت أول جمعة صلاها عليه الصلاة والسلام في هذا الوادي، ويقال عنه وادي رانونا. وهذا المسجد الذي صلى فيه نبينا الجمعة الأولى هو مشهور ومعروف، ولا يزال بهذا الاسم بمسجد الجمعة، مشهور بمسجد الجمعة، ويقال عنه كذلك مسجد عاتكة، مسجد عاتكة، يقال هذا ويقال هذا، وهي من الأسماء الشهيرة لهذا المسجد، فصل نبينا الجمعة في هذا المحل، وكانت أول جمعة كما ذكر ذلك ابن هشام رحمه الله تعالى في «سيرته». ثم دخل نبينا صلى الله عليه وسلم المدينة الدار البلاد الطيبة، دخلها عليه الصلاة والسلام، وفرح الناس أيما فرح، كما جاء في البخاري من حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه: «بأن أهل المدينة فرحوا فرحًا عظيمًا»، فرحوا فرحًا عظيمًا. وجاء في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، قال البراء: «فما رأيت منظرا شبيها به يومئذ»، أي ما مر في حياتنا قط على أهل المدينة من الفرح والبهجة والسرور من هذا اليوم الذي قدم فيه نبينا صلى الله عليه وسلم. حتى ثبت في صحيح مسلم: «أن الرجال والنساء فوق السقوف فوق السطوح، وأن الإماء والخدام والأبناء والأطفال يسيرون في الطرقات»، والقول يقول: «جاء محمد، جاء رسول الله، جاء محمد، جاء رسول الله»، وأخذ النساء ينظرن. والحديث كثير جدًا في البخاري ومسلم، فيها ما يدل على بهجة أهل المدينة، وحق لهم أن يفرحوا بمقدم رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى ديارهم، إذ أنه سيستقر في رحالهم، صلوات ربي وسلام عليه. وعندما دخل نبينا المدينة سارع الجميع إلى خطام راحلته، لماذا؟ حتى يؤوون رسول الله إليهم، طبعًا عشائر وقبائل، والكل كان يغري رسول الله بقبيلته وعشرته، عند الحماية عند الصيانة عند العدد عند العدة يا رسول الله، فكل يأخذ بخطام ناقته، ونبي يقول: «دعوها»، أي دعوا الراحلة، «دعوها فإنها مأمورة»، أي أنها ستنزل بمكان سينزلها لها ربها مكان ستنزل له بقدرة الله. وسيأتي معنا ما هذا المكان التي ستنزل عليه الناقة فيما سيأتي من أهم أعماله عليه الصلاة والسلام، فلما بركت الناقة نزل نبينا عليه الصلاة والسلام، توافد الناس على رسول الله، الكل يطلبه للضيافة، الكل يطلبه إلى الضيافة، ويتنازع الناس: «عندي يا رسول الله، عندي، عندي»، فقام أبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، فماذا فعل؟ فأخذ برحال رسول الله. انشغل الناس برسول الله، بينما هو رضي الله تعالى عنه أخذ رحلة النبي، الرحلة المتاع والزاد الذي عليه الراحلة، فأخذ الرحلة وأدخله إلى بيته، فلما نظر نبينا إلى أبو أيوب قال: «إنما المرء مع رحله»، إنما المرء مع رحله، فذهب نبينا إلى بيت أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنهم. فهذا إخواني في الله ما يذكر من استضافة نبينا، وهذا باختصار شديد، وإلا كما قلنا الروايات كثيرة جدًا في هذا المقام، ومما أحب أن أنبه عليه في هذا المقام مما لا يثبت، مما لا يثبت عن استقبال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة. ما يذكره بعض الكتاب من أهل السير من أن الإماء والنساء والبنات أخذن يضربن بالدف ويقولن: «طلع البدر علينا من ثنيات الوداع»، قصيدة شهيرة مشهورة، ولا زالت تذكر إلى الآن إذا ذكر حديث الهجرة، إلا أن هذه القصة مع شهرتها، وهذه الأنشودة مع كثرة إشاعتها، إلا أنها في الميزان العلمي لم تثبت، لم تصح بإسناد صحيح على أن هذا مما استقبل به نبينا عليه الصلاة والسلام. إذ أن مداره على عبد الله بن محمد بن عائشة، على عبد الله بن محمد بن عائشة، وقد ضعفه الكثير من الأئمة والحفاظ، أضف إلى ذلك كذلك مما يذكر من استقبالهم لرسول الله عليه الصلاة والسلام أن الجواري كن ينشدن ويغنين ويقولن: «نحن جواري بن النجار يحبَّذ محمد من جار»، نحن جواري بن النجار يحبَّذ من محمد من جار، وهذا كذلك من طريق إبراهيم بن صرمة، وهو كذاب، إبراهيم بن صرمة وهو كذاب، لا يوثقه أحد من أهل العلم، بل قال ابن عدي رحمه الله تعالى: قال في حق هذا الراوي إبراهيم، قال: «وعامة حديثه منكر السند والمتن». وإذا كذلك من الأناشيد الشهيرة الذي كانت ماذا تذكر في حياته وفي استقباله عليه الصلاة والسلام؟ فشاهد إخواني في الله هذا أكثر ما يذكر أهم المسائل في استقبال نبينا عليه الصلاة والسلام، ثم قال الناظم رحمه الله تعالى: أكمل في الأولى صلاة الحضر من بعد ما جمع فاسمع قال: كمل في الأولى صلاة الحضر من بعد ما جمع فاسمع خبري. هذا البيت، إخواني في الله، سنرجئ الحديث عنه بإذن الله في درس غد، في إشارة ما الذي فعله نبينا عليه الصلاة والسلام لما نزل إلى المدينة سنة بعد سنة، فقال هنا: أكمل في الأولى، أي في السنة الأولى، سيسرد لنا المؤلف رحمه الله تعالى أهم الأعمال التي أقامها نبينا وقامها من بناء ومن عبادات وطاعات شرعت للناس في نزول نبينا، وعلى إثر استقراره في طيبة. فقال: أكمل في الأولى صلاة الحضر من بعد ما جمع فاسمع خبري، ويترك هذا المقام بإذن الله في درس غد في تتبع ما ذكره الناظم رحمه الله تعالى من أعماله. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.