الدرس في مسائل وأحكام عشر من ذي الحجة 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول أهمية هذه الأيام وسبب تعظيمها، ويشير إلى منافع التدارس فيها. يُبرز أهمية التذكير بموسم ذي الحجة وتفاصيله الشرعية.
يُبرز أهمية التذكير بموسم ذي الحجة وتفاصيله الشرعية، ويشير إلى ضرورة تعلم أحكام الأضحية والأذكار. يُوضح أن التذكير يساعد على تصحيح الأخطاء والسلوكيات المنحرفة.
يُبين فضل مواسم الطاعات وتكرارها لزيادة الأجر ومضاعفة العمل الصالح، ويتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، عباد الله، فإننا بإذن الله في هذا المقام وما سيأتي من الأيام، سنتدارس وإياكم ما يتعلق بأحكام ومسائل أيام العشر من ذي الحجة وما تفرع منها، إذ أننا قادمون على موسم عظيم، على موسم فاضل كريم، موسم تتضاعف فيه الأجور والحسنات، موسم يحبه الله جل وعلا ويرضاه. لهذا يقول أبو عثمان النهدي رحمه الله تعالى، كما روى ذلك محمد بن نصر في كتابه الصلاة، قال أبو عثمان النهدي: «إنهم كانوا -وهو يتحدث عن السلف الصالح- أنهم كانوا يعظمون ثلاث عشرات: العشر الأول من شهر الله المحرم، والعشر الأول من ذي الحجة، والعشر الأخيرة من رمضان». فهذه العشر الثلاث كانت محل عناية واهتمام لدى سلفنا الصالح. هنا قد يأتي السؤال: ولما هذه العناية؟ ولماذا هذا التعظيم منهم؟ هذا التعظيم، إخواني في الله، لما علموه من دين الله وشرعه، لما يكون وما كان ولا يزال في عظمة هذه الأيام. لهذا كان من المناسب، إخواني في الله، أن نتدارس معكم مثل هذه المواسم الفاضلة المباركة. وإن الدراسة في هذه المواسم، إخواني في الله، لا يعود نفعها للقاصي والداني وذلك في عدة أوجه. فمن أوجه المنفعة من التدارس في أيام ذي الحجة وغيرها من المواسم، أولاً: فيها التذكير، والتذكير من المقامات التي أمر الله جل وعلا وندب إليها، قال سبحانه: ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾. فإذا كانت هذه الذكرة علينا أن نحرص عليها في كل زمان ومكان، فما ظنك يا عبد الله في مثل هذه الأزمان التي كثرت فيها الغفلة، وضربت على أهل الإسلام بشتى صورها، إلا من رحم الله، حتى إن من غفلة الناس أنهم إلى الآن لا يزالون يظلون لا يفرقون بين ذي الحجة وذي القعدة. فهؤلاء يذكرون، تمثل هذه المقامات فيها التذكير بأن يعلم الناس بأنهم بصدد موسم فاضل عظيم كريم. كذلك من صور التذكير لبعض الخيرين من الصالحين والمصلحين، بل ربما ما عنده من الخلفية ما يكون له التعظيم لهذا الشهر الفضيل. نعم، يسمع أن شهر الله المحرم والأيام الأولى منه من الأيام الفاضلة، لكن إلى أي مدى وصل الفضل لا يعرف. فهذا يذكر مثل هذا المقام. بل كذلك أهل الصلاح يحتاجون إلى الذكرى، فما منا إلا وهو بشر عرضة للنسيان، وما سمي الإنسان إنسانًا إلا لكثرة نسيانه، فكان التذكير لهؤلاء جميعًا لمن يتذكر الشهر أو الموسم في أصله، أو من يتذكره في كماله، أو من يتذكره لتمامه، لأن تكون عبد الله على ذكرى بهذا الموسم العظيم. كذلك من فوائد التذكير وإقامة مثل هذه الدروس لمثل هذه الأزمان المباركة، يكون فيها التنبيه على ماذا؟ التنبيه على بعض الأخطاء التي يسلكها بعض الأفراد، بل بعض الجماعات والمجتمعات التي ليس عندها التصور الصحيح لهذه الأيام المباركة. فتجد أن من الناس من يجعل هذه المواسم مواسم بدع وإحداث للطقوس وإلى سلوكيات منحرفة، يرون أن هذا هو المطلوب في أيام ذي الحجة، فيتعبد الله بما يضره لا ينفعه، أو بمن ربما يرتكب المخالفات إذا دخل العشر من ذي الحجة، كحال من يأخذ من شعره وظفره وهو قادم على أضحية، يقع في هذه المخالفة التي صرع بها العلماء لثبوت ذلك في السنة المطهرة. فتأتي هذه المجالس، يا عبد الله، تنبه المقصر، وتنبه المخطئ على هذه الأخطاء والسلوكيات، وأنها لا تقع في هذه المجالس. إخواني في الله، يكون فيها التعليم لمسائل وأحكام هذا الشهر الفضيل أو هذا الموسم الفضيل. فذي الحجة، إخواني في الله، فيه مسائل، فيه أحكام تحتاج إلى جلوس، إلى مكث، إلى استماع، ستأتيك يا عبد الله من أحكام ذي الحجة، أحكام الأضحية، والذي ما من أحد إلا وهو يحب أن يكون من عباد الله المضحين لكي يتحلى بهذه الشعيرة العظيمة. الأضحية لها أحكام يا عبد الله تحتاج إلى تعلم، كذلك ما يكون من الأذكار، سواء كان من الذكر المطلق أو الذكر المقيد، فيكون في هذا الموسم الفاضل كذلك يحتاج إلى تعليم وإلى إرشاد. فالقيام، إخواني في الله، بهذا الشهر حق القيام يحتاج إلى تفقه، إلى علم وتعلم. وطبعًا، وأخيرًا، إخواني، في هذه الدروس يكون فيها إظهار لعظمة هذا الدين. ووجه العظمة، يا عبد الله، حينما تعلم كيف أن من رحمة الله بعباده أن جعل لنا مواسم تلو مواسم، أنت ستأتي إلى موسم يا عبد الله الأجر فيه يضاعفه الله، العمل الصالح فيه أضعاف مضاعفة. لماذا هذا؟ هذه منة من الله، رحمة من الله لعباده أهل الإسلام، فحين إذا استشعر العبد بعظيم هذه الحقيقة زادت عظمته لدين الله، فيحمد الله ليل نهار على أن الله حباه بالإيمان، وأن جعله الله من أهل الإسلام، وكيف أن الله يمن عليه بمثل هذه المواسم، موسم تلو موسم، ما ينقضي العام إلا وقد دخلت في عدة مواسم فاغتنمت فيها. وهذه الفائدة الثانية من هذه الهبة الربانية أنك تستغلها، أنك عبد تبذل ما تستطيع، صحيح في رمضان قد بذلت وقمت وصليت وصمت، ثم بعد ذلك في شوال وفي القعدة ارتحت وانشغلت بدنياك الذي ينبغي أن تشغل به، ثم ها هو موسم آخر، كأن الله عز وجل يريدك بين الفينة والأخرى أن تنتصب له بالعبودية، لا تنساه سبحانه وتعالى. والنسيان حاصل، والغفلة واقعة لكثرة الملهيات التي نبتل بها في أزماننا، لكن تأتي هذه المواسم تذكر العبد بربه سبحانه وتعالى، وضرورة اقتنام هذه الدنيا بالأعمال الصالحة. فهذا، إخواني في الله، من الأمور العظيمة التي ينبغي للمرء أن يستدعيها وأن يستحضرها دائمًا وأبدًا، وخاصة في هذه المواسم. فإخواني في الله، فنحن في مثل هذه الأيام بإذن الله سنقوم بالتذكير والتنبيه والتدريس والتعليم لبعض الأحكام، وهو في الحقيقة نحن لسنا بصدد موسم واحد، بل عدة مواسم ستتتابع علينا، عندنا العاشر من ذي الحجة هو موسم بحد ذاته، ثم يأتيك موسم يوم النحر هو موسم بحد ذاته، أحب الأيام عند الله يوم النحر، ثم يأتي بعد ذلك يوم القر، ثم بعد ذلك أيام التشريق، أيام منفصلة لها فضائلها، فهو موسم تلو موسم يتكاثر ويتكاثر على الناس، فأين المشمر؟ المشمر، إخواني في الله، الذي يرفع سمعه، وقبل ذلك يعي بقلبه، يعي بقلبه هذه الفضائل التي من الله بها على عباده الصالحين. ولعل المقام قد أطال في هذا المقدم، وإن شاء الله من يوم غد ندخل، إخواني في الله، في المباحث المتعلقة بأيام العشر من ذي الحجة، وبأيام النحر، وبأيام التشريق، وبمسائل الأضاحي في مثل هذه الأوقات. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.