المحاضرة بعنوان أهمية الاستغفار من الذنوب، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الأحد 6 جمادى الآخر 1443هـ الموافق 9 يناير 2022م ألقاها الشيخ حسن بن علي عليوه
يشرح المقطع معنى الاستغفار كطلب لمغفرة الله التي تستر الذنب وتمحو أثره، وعلاقته بالتوبة. ويحث على الإكثار منه اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يستغفر أكثر من مئة مرة يومياً، ويبشر بـ "طوبى" لأهل الاستغفار الكثير.
يستعرض المقطع ثلاثة أسباب رئيسية لمغفرة الذنوب هي الدعاء مع الرجاء، والاستغفار، والتوحيد وترك الشرك. كما يبين الفرق بين العاصي الذي يتوب والمبتدع الذي لا يظن خطأه، ويذكر الثمار الدنيوية والأخروية للمستغفرين.
يستعرض المقطع مواطن الاستغفار المشروعة بعد الفرائض كالصلاة وقيام الليل والحج، وفي ختام المجالس وعند قرب الأجل. ويختتم بذكر صيغة سيد الاستغفار وفضلها العظيم لمن قالها موقنًا بها صباحًا أو مساءً.
يروي المقطع سؤال أبي بكر الصديق النبي ﷺ أن يعلمه دعاءً يقوله في صلاته. فأمره النبي بقول: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم».
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أيها الناس، عبادة من أجل العبادات أمر الله بها عباده في كتابه، وأمر بها رسول الله عليه الصلاة والسلام أمته، وهي الاستغفار. وكنا قد ذكرنا في الظهر ثلاث جمل، وثلاثة أمور سبب للسعادة، وهي ما قاله ابن القيم، أتبعه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه، في قوله: «أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يتولاك في الدنيا والآخرة، وأن يجعلك مباركًا أينما كنت، وأن يجعلك ممن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر». فالاستغفار يا عباد الله عبادة عظيمة، وأمر الله به لعلمه أن العباد يقعون في الذنوب، فأرشدهم إلى ما يمحو الذنوب. فالاستغفار معناه: لما يقول العبد: «استغفر الله»، أي: اللهم اغفر لي. استغفر الله: طلب المغفرة، وهي ستر الذنب ومحو أثره. والمغفر عندهم: ما يوضع على الرأس من الحديد، يقي من ضربات السيوف. مغفر يوضع على الرأس من حديد، يستر الرأس ويقيه الضربات. فَالاستغفار في هذا المعنى: أن الله سبحانه وتعالى يستر ذنبك ويمحو أثره. فإن الذنب لا بد له من عقوبة عاجلة أو آجلة، فإذا استغفرت محى الله، محى الله سبحانه وتعالى أثر هذا الذنب، فلا يعاقب العبد عليه. والاستغفار إذا قرن بالتوبة فالتوبة معناها: الإقلاع عن الذنب، والندم على فعله، والعزم على عدم العودة إليه. والاستغفار معناه: محو الأثر. وأما إذا ذكر الاستغفار وحده دخلت التوبة فيه، وإذا ذكرت التوبة دخل الاستغفار. فإن ذكرت التوبة فعلى ما مضى، والاستغفار على ما يأتي. التوبة: تسأل من الله أن يتوب عليك، وأن يغفر لك، يعني: يمحو أثر هذا الذنب وعقوبة هذا الذنب. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أستغفر الله في اليوم مئة مرة». وفي الحديث الآخر: «فإني أستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة». فانظروا، مع أن الله سبحانه وتعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، نحن بحاجة ماسة يا عباد الله للاستغفار. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا». الحديث رواه ابن ماجه عن عبد الله بن بسر. طوبى، طوبى: هذه شجرة في الجنة، يسير الراكب الجواد المضمر السريع مئة عام لا يقطعها. شجرة عظيمة جدًا، مئة سنة، والجواد السريع المضمر المعد للسباق وللنزال، مئة عام يسير في ظلها ما يقطعها. ما قال يقطعها، قال: لا يقطعها مئة سنة. الآن الدنيا من طرفها إلى طرفها لو يسير الجواد المضمر السريع ربما أشهر أو أقل لقطعها الدنيا كلها، وهذه شجرة في الجنة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مئة عام لا يقطعها. وعدت لمن؟ للمستغفرين. طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا. وقيل طوبى: الجنة، وشجرة في الجنة، كل ذلك خير. فالعبد بحاجة، يقول ربنا سبحانه وتعالى في الحديث القدسي، حديث أبي ذر: قال النبي عليه السلام: «قال الله عز وجل: يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم». ومن أسمائه الغفار، يعني: كثير المغفرة، والغفور: كثير المغفرة. فإن الغفار والغفور من صيغ المبالغة، وصيغ المبالغة تدل على الكثرة، أي أن العباد مهما أذنبوا فإن الله يغفر لهم. مهما أذنب العبد كما جاء في حديث أنس عند الترمذي: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي. يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك. يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة». ما شاء الله، ثلاثة أسباب، ثلاثة أسباب من أسباب مغفرة الذنوب: السبب الأول: الدعاء مع الرجاء، السبب الثاني: الاستغفار، السبب الثالث: التوحيد وترك الشرك. «لو أتيتني بملء الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا»، أي: جئت بالتوحيد، فإن التوحيد يحرق الذنوب ولا يدع ذنبًا. «لو أتيت بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة». سبحان الله، فالله سبحانه وتعالى هو الغفور الرحيم. ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾. لا تيأس ولو كثرت ذنوبك، استغفر. لا شك أن العبد إذا أذنب فإنه يستحي من ربه، قل: كم أذنبت، كم أذنبت، وأنا أذنب بالليل والنهار. فربك سبحانه وتعالى يدعوك إلى أن تستغفره ويغفر لك مهما بلغت. ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾. انظر، ويقول تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾، هذا لمن لقي الله على ذلك. أما من تاب حتى من الشرك، كما قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾. يبدل السيئات مهما عظمت وكثرت حسنات، إذا تاب الإنسان واستغفر غفر الله له. ولذلك قال إبليس: «وعزتك لأغوين بني آدم ما دامت أرواحهم في أجسادهم». قال الله: «وعزتي لأغفرن لهم ما استغفروني». انظر يا عبد الله، إبليس يقسم بعزة الله أن يغوي بني آدم بالذنوب، والله عز وجل يمحو هذه الذنوب للاستغفار. قال: «وعزتي لأغفرن لهم ما استغفروني». والحديث في مسند أحمد بسند صحيح. يقول إبليس كما أخبر النبي عليه السلام عن هذا العدو: يقول: «وعزتك لأغوين بني آدم ما دامت أرواحهم في أجسادهم». قال الله عز وجل: «وعزتي لأغفرن لهم ما استغفروني». فلما رأى إبليس أن المذنب يتوب، بث فيهم الأهواء والبدع، فلا يتاب منها. لما رأى العدو أن من أذنب استغفر فغفر الله له، بث فيهم البدع، فلا يتوبون منها. فكانت البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، لأن العاصي يندم ويتوب فيتوب الله عليه، والمبتدع لا يندم. المبتدع يقول: أتوب من أيش؟ ما يظن أنه مذنب. والفرق بين العاصي والمبتدع: أن العاصي يتوب، والمبتدع لا يتوب، يعني: لا يوفق للتوبة لأنه ما يظن أنه على خطأ، بخلاف العاصي، فإنه ربما ينكسر ويندم. الاستغفار يا عباد الله، يقول ربنا سبحانه وتعالى في سورة نوح أن نوحًا أمر قومه، قال الله سبحانه وتعالى عنه: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴾. خمس جوائز للمستغفرين: يرسل السماء عليكم مدرارًا. وهود يقول لقومه: ﴿ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ ﴾. وهكذا صالح يقول: ﴿ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ﴾. وأيضًا شعيب: ﴿ فَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ﴾. فكل نبي يأمر أمته بالاستغفار، أي: يطلبون من الله سبحانه وتعالى أن يتوب عليهم وأن يغفر لهم. أمرنا بالاستغفار يا عباد الله في أعلى المقامات: الصلاة، بعد أن تنتهي من صلاة الفريضة تستغفر، كما جاء في حديث ثوبان عند مسلم: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا: «استغفر الله، استغفر الله، استغفر الله». بعد الصلاة، هل خرجت من ذنب؟ خرجت من طاعة، لكنك قد تكون قصرت في هذه الطاعة، تحتاج إلى استغفار. وأيضًا في صلاة الليل، إذا قام وفق الله العبد وصلى من الليل، فيختم صلاة الليل بالاستغفار، كما قال تعالى: ﴿ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾، وكما قال تعالى: ﴿ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴾. وبعد الحج أيضًا، مع أن الحج سبب في مغفرة الذنوب: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه»، ومع ذلك يؤمر الحاج بالاستغفار، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. وكفارة المجلس: كان نبي عليه السلام إذا جلس مجلسًا يقول في خاتمته: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك». وأمره الله سبحانه وتعالى بالاستغفار بعد أن أعلمه بأجله: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾. فبعد الصلاة، وبعد قيام الليل، وبعد الحج، وختام عمر النبي عليه الصلاة والسلام يؤمر بالاستغفار، فإنه يعني: عمره عظيم، وختام عمره ختمه بالاستغفار. فكان يقول في الركوع والسجود: «سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي». في الركوع والسجود، قالت عائشة: «أسمعك تكثر يا رسول الله من قول: سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي». قال: «هذه علامة، علامة على أجلي، أخبرني الله عز وجل: إذا جاء نصر الله والفتح، فتح مكة، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا، فسبح بحمد ربك واستغفره، إنه كان توابًا». فكان يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي». يقول في ذلك: وكان ابن عمر يقول: «كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المجلس الواحد مئة مرة: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم». تأمل هذا العدد الكبير، مئة مرة في المجلس الواحد، كم يجلس مع أصحاب مجالس. قال ابن عمر: «كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المجلس الواحد مئة مرة: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم». والحديث عند أبي داود والترمذي بسند صحيح. وفي صحيح البخاري من حديث شداد بن أوس أبي يعلى، وليس له في البخاري إلا هذا الحديث، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». قال: «من قالها في الصباح موقنًا بها فمات قبل أن يمسي دخل الجنة، ومن قالها في المساء موقنًا بها فمات قبل أن يصبح دخل الجنة». انظر، سيد الاستغفار يعني: الاستغفار له سيئات كثيرة، سيدها وأرفعها وأعلاها هو هذا الحديث. هذا الذكر في الصباح مرة، وفي المساء مرة. «أبوء لك بنعمتك علي»: يعترف، «وأبوء بذنبي»: يعني أعترف بتقصيري وذنوبي، «فاغفر لي»: يعترف ثم يسأل، «فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». إذا قلتها في الصباح موقنًا بها، قلتها في المساء موقنًا بها، دخلت الجنة، لأنك عاهدت الله واعترفت بنعمه واعترفت بذنوبك. قال أبو بكر: «يا رسول الله، مرني أو دلني على شيء أقوله في صلاتي». مرني بدعاء أقوله في صلاتي. قال: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذن