شرح مختصر سيرة الرسول 109

شرح مختصر سيرة الرسول 109

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 109، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

بيعة العامة لأبي بكر الصديق في المسجد النبوي

يصف المقطع بيعة المسلمين العامة لأبي بكر الصديق في المسجد بعد بيعة السقيفة الخاصة، حيث خطب عمر بن الخطاب معتذراً ومبيناً أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعين خليفة بل ترك القرآن والسنة، ثم دعا الناس لمبايعة أبي بكر بوصفه خيرهم وصاحب الغار.

خطبة أبي بكر الصديق ومبادئ الحكم العادل

استعرض المقطع خطبة أبي بكر عند توليه الخلافة متضمنة مبادئ الحكم العادل من التواضع ومحاسبة الحاكم ونصرة المظلوم وأخذ الحق من الظالم ووجوب الجهاد، وبيّن الشارح أنها مرجع في السياسة الشرعية داعياً الحكام للاقتداء بها.

أثر ترك الجهاد وشرط طاعة الولاة في المعروف

أكد المقطع أن ترك الجهاد في سبيل الله من أعظم أسباب ذل المسلمين، وأن الجهاد الحقيقي لإعلاء كلمة الله لا لأغراض دنيوية، وحذر من انتشار الفواحش كسبب للبلاء، مبيناً أن طاعة الولاة مشروطة بطاعتهم لله ومسؤولية كل راعٍ إقامة العدل.

خاتمة الدرس والوصية بالعدل للرعية

اختتم المقطع الدرس بالإشارة إلى وصية الخليفة الراشد أبي بكر بالعدل في الرعية سواء كانوا شيوخاً أو مسؤولين، مؤكداً المحاضر على عظمة هذه الموعظة ومعلناً الاكتفاء بهذا القدر مختصراً للدرس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد: قال الإمام الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: «بيعة العامة لأبي بكر؛ لأن البيعة التي تمت في السقيفة إنما هي بين الخاصة من كبار الأنصار والمهاجرين، والمسلمون في المدينة كثر، فمنهم عامة الناس، فأولاً بايعه الخاصة ثم بايعه العامة». قال: «ولما بويع أبو بكر في السقيفة، وكان الغد، والغد هو اليوم الذي بعد يومك». قال: «وكان الغد جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر رضي الله عنه قبل أبي بكر، فتكلم، فحمد الله، والمسجد يجمع كثيراً من المسلمين العامة والخاصة». قال: «فتكلم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وهذا من أدب الخطابة أو الموعظة والتذكرة أو الدرس أو كذلك الأمر المهم أو نحو ذلك، فيستحب أن يبتدأ المتكلم بحمد الله والثناء عليه سبحانه وتعالى». فتكلم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أيها الناس، إني قد قلت لكم بالأمس مقالة، ما كانت وما وجدتها في كتاب الله، ولا كانت عهداً عهده إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدبر أمرنا»، ويريد بهذا -والله أعلم- أنه لما توفي النبي عليه الصلاة والسلام، كما تقدم معنا، قام عمر وأبى أن يقول أحد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد مات، وإنما ذهب إلى ربه كما ذهب موسى ابن عمران إلى ربه، حتى خرج أبو بكر وذكر للناس الآية: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾ [آل عمران: 144]، فكأن عمر يعتذر لهم عن مقالته التي قالها عقب أو عقبي موت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. عقب موت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: «يقول: يكون آخرنا، وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هدى له رسوله». يعني يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعين أميراً، وإنما ترك لنا القرآن والسنة، فمن أخذ بهما عصمه الله من الضلال. هذه كمقدمة قدمها رضي الله تعالى عنه بين يدي مبايعة الناس لأبي بكر. قال: «إن الله قد جمعكم على خيركم، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه». فبايع الناس أبا بكر البيعة العامة بعد بيعة السقيفة. من عنده نسخة مثل هذه وقع خطأ، وكتب في هذه النسخة: «فبايع الناس أبي بكر»، وصوابه: «أبا بكر» لأنه مفعول به، فمن كان عنده مثل هذه النسخة فليصوب. قال: «ثم تكلم أبو بكر رضي الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله، ثم قال: أما بعد، أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم». وهذا الأثر رواه البيهقي بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهي موعظة بليغة يذكرها العلماء في السياسة الشرعية، وفيما ينبغي أن يكون عليه ولي أمر المسلمين. فيا ليت حكامنا في هذا الزمان يأخذون بهذه الموعظة، ولو تمعنت معانيها لوجدت فيها العدل والصدق والحزم وغيرها من المعاني التي ينبغي أن يكون عليها من ولي من أمر المسلمين شيئاً. فقوله: «فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم»، هذا من تواضعه وهضمه لنفسه، بل هو رضي الله تعالى عنه خير الصحابة، فأفضل وخير الصحابة، بل أفضل هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام هو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهكذا ينبغي أن يكون ولي الأمر في تواضع وهضم للنفس. ثم قوله: «فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني»، أي انصحوني وبينوا لي خطأي، وهذا فيه أن الحاكم أو الوالي بشر، والبشر عرضة للزلل والخطأ، فإن أخطأ فاحتاج إلى تقويم وإلى تصحيح ونصح. قال: «الصدق أمانة والكذب خيانة»، كأنه يريد أن من نصح وقوم عند الخطأ فهو الصادق، ومن جامل وسكت فهو الخائن، فالنصيحة فوق كل أحد، النصيحة فوق كل أحد، وتقويم الخطأ وتقويم الخطأ كذلك فوق كل أحد، مهما بلغ من المنزلة، مهما بلغ من المنزلة، ولو كان أميراً أو وزيراً أو عالماً أو شيخاً، فصديقك من صدقك، وعدوك من غشك، فالمؤمنون نصحه، والمنافقون غشوه. قال: «والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه»، يعني من كان ضعيفاً وهو مظلوم فأنا عنده قوي، عندي قوي حتى أرد له حقه وأرد له مظلمته، وهذا فيه تمام العدل الذي يحتاج إليه ولي الأمر. وقوله: «إن شاء الله»، هذا يحتمل أن يكون استثناء، أو يحتمل أن يكون من باب التحقيق. قال: «والقوي فيكم ضعيف عندي حتى أخذ الحق منه»، القوي الظالم الذي أخذ الحق بغير حق فهو ضعيف عندي حتى أخذ الحق منه وأرده إلى صوابه ورشده. ثم بين لهم أصولاً تقوم عليها سعادة المجتمع، فالمجتمع المسلم لا تقوم له قائمة إلا بأصول يمشي عليها، فقال لهم: «لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل». فالجهاد هو ذروة سنام الإسلام، وكما جاء في حديث عبد الله بن عمر عند أحمد وغيره، ويصححه العلامة الألباني: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم، حتى ترجعوا إلى دينكم». فترك الجهاد في سبيل الله من أعظم أسباب ذل المسلمين، وواقع المسلمين اليوم يوضح لنا هذا المعنى توضيحاً بيناً جلياً. فلما ترك المسلمون الجهاد في سبيل الله، وانظر إلى قوله: «في سبيل الله»، ومن الذي يجاهد في سبيل الله؟ هو الذي يجاهد من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا، هذا هو المجاهد بحق، أما أن يجاهد من أجل كرسي أو من أجل دنيا فانية فهذا ليس بمجاهد في سبيل الله. قال: «ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء». وهذا أصل آخر من أصول سعادة المجتمع المسلم، وهو طهارة هذا المجتمع من المعاصي، ومنها الفواحش ك الزنى أو اللواط، أو النساء وتبرجهن، وكذلك تساهلهن في أمر الحجاب ونحو ذلك، فهو من أسباب الفاحشة. فإذا شاعت الفاحشة في قوم نزل البلاء بالمجتمع، والبلاء لا يلزم أن يكون صاعقة أو أن يكون غرقاً أو زلازل، قد يكون البلاء بقحت وجذب وغلاء، فهذا كله من البلاء، هذا كله من البلاء الذي يعاقب الله عز وجل به العاصين. قال: «أطيعوني ما أطعت الله ورسوله»، أطيعوني في طاعة الله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، أي لا طاعة في معصية، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الطاعة بالمعروف»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا طاعة لمخلوق، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». فالطاعة المطلقة إنما هي لله ورسوله، أما من هو دون الرسول فطاعته طاعة بطاعة الله سبحانه وتعالى. وهذا معنى قوله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ [النساء: 59]، فعند طاعة الله أتى بالفعل، وعند طاعة الرسول أتى بالفعل، لأن طاعة الله ورسوله مطلقة، وعند طاعة أولي الأمر وهم العلماء والأمراء أتى بدون ذكر الفعل مجرداً عن الفعل، لأن طاعة الأمراء والعلماء طاعة غير مطلقة بل مقيدة بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذه والله موعظة عظيمة لكل من ولاه شيئاً من أمور المسلمين، ليست موعظة فقط لولي الأمر الأعظم أو من هو من وزرائه وأعوانه، بل حتى موعظة للأب الذي يعيل الزوجة والأولاد، فينبغي عليه أن يقيم فيهم العدل، وأن يقف مع المظلوم فيقوي الضعيف بأخذ حقه، والقوي بالأخذ منه ما ظلم فيهم، وهكذا أن يقويمهم على الطاعة ويحذرهم من المعصية، وهكذا أن يعلمهم النصيحة، وكذلك عدم الطاعة العمياء له إن أخطأ، يعلمهم ذلك، لأن الأب بشر قد يخطأ وقد يعني يزل فيحتاج لمن يقومه، فهي موعظة لكل من وله وله، كالله على جماعة من طلاب العلم، كأن تكون مدرساً لهم أو شيخاً لهم أو مسؤولاً عنهم، فقم فيهم بالعدل، وهكذا فهي موعظة عظيمة من الخليفة الراشد أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. طيب، اليوم نكتفي إن شاء الله بهذا، كما وعدنا في اختصار درس اليوم، وإلى هنا والله تعالى أعلم.