الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 398

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 398

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 398، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية ومن يولهم يومئذ دبره وسبب نزولها

شرح حديث الإمام النسائي حول آية "ومن يولهم يومئذ دبره" وسبب نزولها في أهل بدر، وتوضيح أنه يعتبر من المرفوع لأنه يروي سبب نزول الآية. المقطع يبين أهمية فهم سبب نزول الآيات في سياقها التاريخي.

النهي عن الإدبار في الزحف والاستثناءات

تفسير آية تنهى عن الإدبار في الزحف أثناء مواجهة الكفار، مع شرح الاستثناءات مثل التحرف للقتال أو التحيز إلى فئة أخرى. كما يتناول آراء الصحابة حول سبب نزول الآية وعلاقتها بمعركة بدر.

التولي يوم الزحف والاستثناءات الشرعية

تفسير معنى التولي يوم الزحف واستعراض آراء الصحابة والعلماء حول الاستثناءات التي تبيح الهروب للتعزيز. التولي بدون تعزيز يعتبر من الكبائر، بينما الرجوع إلى أمير أو طائفة من المسلمين يعد تعزيزاً وليس هرباً.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل -رحمه الله-: قال الإمام النسائي في التفسير، أنا من السنن الكبرى، قال: أخبرنا أبو داود -وهنا أبو داود هو سليمان بن سيف-، وأبو زيد هو سعيد بن الربيع، قال: أخبرنا أبو داود، قال: أخبرنا أبو زيد الهروي، قال: أخبرنا شعبة عن داود بن أبي هند. شعبة بن الحجاج وداود بن أبي هند يعتبر بصري، عن المنذر بن مالك -وهو المنذر بن مالك ابن قطعة-، عن أبي سعيد -رضي الله عنه-، في قوله جل وعلا: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾، قال: نزلت في أهل بدر. قال: أخبرنا حميد بن مسعدة، عن بشر، قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن ابنظرة، عن أبي سعيد: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾، قال: نزلت في يوم بدر. قال: هذا حديث صحيح، وتقدمنا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قال: وقال أبو داود -رحمه الله-: حدثنا محمد بن هشام المصري، قال: إن أبا حاتم قال فيه: صدوق. وكلمة "صدوق" بحاتم توازي الثقة. قال: أخبرنا بشر -وقال ابن المفضل: بشر بن المفضل الذي في السند الأول-، قال: أخبرنا داود -وهو ابن أبي هند-، عن ابنظرة، عن أبي سعيد، قال: نزلت في يوم بدر: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾. قال: هذا حديث حسن، رجاله رجال الصحيح إلا محمد بن هشام، وقد قال أبو حاتم: صدوق. وهذا الحديث ليس مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن قول جمهور العلماء، وهو الذي استقر عليه كلام أكثر المحققين: أن ما كان سبب نزول آية يعتبر من المرفوع. أنه إذا جاء سبب نزول آية، فيقول الصحابي: نزلت في كذا أو بسبب كذا، فهذا يعتبر من المرفوع؛ لأنه شاهد هذا النزول، وأيضًا النبي -عليه الصلاة والسلام- قد كان حيًا، فلهذا عدوه من المرفوع. فهنا أبو سعيد يقول: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾، قال: نزلت في أهل بدر. وقد جاء أيضًا عن جمع من الصحابة أنهم قالوا: إن هذه الآية، وهي قوله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير﴾. فهنا قوله جل وعلا: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾، أي: يهرب من أو يفر من الزحف، يفر من زحف الكفار. والواجب أنه لا يفر؛ لأن الله -عز وجل- يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار﴾، ففيه النهي عن تولي الأدبار إلا، قال الله -عز وجل-: ﴿إلا متحرفًا لقتال﴾؛ لأجل أن هناك عنده خطة، مثل خطة الكر والفر، أو سيفر ثم يرجع، أو يريد أن يحيط بهم، يدخلهم في مكان، فهذا معذور، معنى في توليته الدبر: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة﴾، يذهب إلى فئة، إما عن يمينه أو عن يساره أو من خلفه، يتقوى بهم. قال كثير من الصحابة: إن هذه الآية نزلت في بدر؛ لأن بدر ليست هناك لهم طائفة يأون إليها؛ لأنهم نزلوا طائفة واحدة، هم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا -أو بضعة عشر-، معنى "بضعة عشر": من ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، معهم النبي -عليه الصلاة والسلام-، وليس معهم طائفة أخرى، ليس معهم طائفة أخرى خلفهم. وأيضًا قالوا: إن هذه الآية نزلت في ذلك اليوم، نزلت في يوم بدر. وأما في أحد، فقد قال الله -عز وجل-: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم﴾، عفا الله -عز وجل- عنهم يوم أحد، وعن الذين تولوا بعدما شاع أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قد قتل، فبعضهم ترك السلاح، وبعضهم ولّى الأدبار، فعفا الله -عز وجل- عنهم. وأيضًا يوم حنين، قال الله -عز وجل-: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئًا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين﴾، فأيضًا حصل التولي في أحد، وحصل التولي كذلك في حنين، لكن الله -عز وجل- غفر لهم وعفا عنهم، أي: عن أصحاب النبي -عليه الصلاة والسلام-. ولهذا فإن الذي يلجأ إلى طائفة أو إلى الأمير، كما قال عمر -رضي الله عنه-: "أنا فئة لكم"، قال الله -عز وجل-: ﴿أو متحيزًا إلى فئة﴾، قال: "أنا فئة". ولا يغرنكم هذه الآية؛ فإنها نزلت في بدر، هكذا قال عمر -رضي الله عنه-. معنى لا تغتروا بهذه الآية وتقولون: لا، لا نفر إلى عمر، فمن رأى أنه في ضيق وأنه مثلًا لا يستطيع أن يقاوم، فلا بأس أن يذهب يتعزز بالأمير، أو يدخل المدينة التي هو قريب منها يتعزز بجنود المسلمين، فهذا ما في شيء، قد أجازه العلماء. لكن الذي يتولى ويهرب من الحرب بدون أن يتعزز بأحد، فهذا الذي هو ملام، فهذا الذي يدخل في النهي. ولهذا ذهب جماعة من الصحابة على هذا، وذهب بعض الفقهاء، وهو قول أكثر الأئمة -معنى أئمة المذاهب-: أنه لا بأس، أو أنه يعتبر من تولي الدبر إذا كان يرجع إلى المدينة أو يرجع إلى أمير. لكن الذي فهمه الصحابة، وفهمهم مقدم: أن هذا لا يعتبر من تولي الدبر، وإنما هذا يعتبر من التعزيز. وإذا رجع إلى المدينة التي هو قريب منها حتى يتعزز بالجنود -جنود المسلمين-، وكذلك أو رجع إلى الأمير الذي يكون أمير الحرب أو أمير البلاد يتعزز به، فهذا ليس من الفارين. وهذا كلام شيخنا مقبل -رحمه الله- في شرح حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- في تفسير الإمام النسائي. والتولي يوم الزحف يعتبر من الكبائر، كما جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "سبع من الموبقات"، وذكر منها: التولي يوم الزحف. والصحيح الذي فهمه الصحابة: أنه إذا هرب دون أن يرجع إلى المسلمين، فإن كان يرجع إلى أمير أو يرجع إلى طائفة في البلاد، أو جنود المسلمين في البلاد، فهذا يريد التعزيز وليس الهرب، فلا يدخل في هذا الباب. والله تعالى أعلم.