الدرس في التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش آراء العلماء حول أول من صنف في الحديث الصحيح، حيث اختلفوا بين البخاري ومالك بن أنس. الخلاف يعود إلى تعريف الحديث الصحيح واعتبار أنواع أخرى من الأحاديث حجة.
يخلص إلى أن البخاري أصح وأرجح من مسلم لشروطه الصارمة في الاتصال والعدالة، مع ذكر أن الشافعي اعتبر موطأ مالك أصح كتاب بعد القرآن في وقته.
يُوضح أن البخاري أكثر تحريًا في الرجال وانتقائية لرواياته، بينما مسلم أحسن سياقًا وصياغة. يُبرز الفروق بين الكتابين من حيث قوة الرواة وحسن الصياغة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. ما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: الثانية، المسألة الثانية، أول مصنف في الصحيح المجرد صحيح البخاري، ثم مسلم، وهما أصح الكتب بعد القرآن. البخاري صححها وكثر فوائدها. وقيل: مسلم أصح. والصواب الأول. واختص مسلم بجمع طرق الحديث في مكان، ولم يستوعبها الصحيح. وللتزامه قيل: لم يفته منها إلا قليل. وأنكر هذا طائفة إلى آخر كلامه. الآن ذكر مسألة أخرى من مسائل الصحيح، وهو من أول من صنف الحديث الصحيح. فقال ابن الصلاح: أول من صنف الصحيح البخاري. وأنكر عليه ذلك جماعة من العلماء، فقالوا: إن كان أراد بالحديث الصحيح، فأول من صنفه مالك؛ لأن مالك ألف الموطأ، وفيه الحديث الصحيح. لكن الموطأ ليس كله حديث صحيح، فيه المرسلات، وفيه المقطعات، وفيه المعضلات، وفيه الموقوفات. لكن يقول بعضهم: إن هذا على مذهب مالك حجة عنده، هذه الأشياء عنده حجة سمعها مالك بنفسه. سمعها مالك بنفسه، فلهذا قالوا: إن قوله -مثلاً- أول من صنف الحديث الصحيح، أو المعنى، قالوا: إنه الأولى أن يقول المجرد. لهذا الشيخ هنا أنه أضاف المجرد، أول مصنف في الصحيح المجرد صحيح البخاري. الظاهر أن الاختلاف -كما يقولون- اختلاف لفظي. فالذين قالوا: إن مالكًا هو أول من ألف الصحيح، لا شك أن الموطأ أكثره صحيح، وسنده أقوى. لكن أدخل الإمام مالك هذه الأمور: المرسلات والمعضلات والمقطعات والموقوفات. والظاهر -كما قال العلماء- أنه كان يراها حجة، يراها مثل الحديث الصحيح. فلهذا أدخلها. فلهذا الحافظ ابن حجر يقول: الأولى معناه في تعديل كلام ابن الصلاح أن يقال: إن الأول من صنف الحديث الصحيح المعتبر عند أئمة الحديث. لأن ابن الصلاح هنا مقصوده أمر عهدي، معناه هنا قوله: أول من ألف الحديث الصحيح. العَلَم هنا عهدية. أي: الحديث الصحيح هو الذي قد بين شروطه. من الاتصال والعدالة والضبط وعدم الشذوذ وعدم العلة. معناه هذا الحديث الصحيح عند ابن الصلاح الذي يجمع هذه الشروط. فالأولى هنا عهدية، أي: الصحيح الذي قد بيناه. فلهذا سيكون كلام ابن الصلاح صحيح. أول من صنف الحديث الذي قد ذكرنا الكلام عليه هو البخاري. فلهذا قال الحافظ ابن حجر: لو أضاف المعتبر عند أئمة الحديث، أو عند أهل الحديث، أول معتبر على ما بيناه من الشروط. وهنا سيكون لا اعتراض عليه. سيكون لا اعتراض على كلامه. فلهذا فمن الاعتراض -مثلاً- بالموطأ أو بمسند الإمام أحمد، ألا أنه صحيح؟ أليس كذلك؟ المسند ليس صحيحًا كله، لكن أكثره صحيح. وإنما فيه الضعيف، وفيه أيضًا الضعيف جدًا، بل وفيه الموضوع. لكنه قليل، ذكره بعضهم على أنها تسعة أحاديث موضوعة. ولكن هذا الموضوع -كما قال شيخ الإسلام- ليس فيه كذاب، وإنما فيه أخطأ بعض الرجال. أخطأوا فأدخلوا هذا، ظنوا حديثًا. وأيضًا قد يكون -مثلاً- رجل يحسن فيه الظن، الإمام أحمد -مثلاً- نصر بن باب. كان الإمام أحمد يحسن الظن به، مع أنه قد كذبه جماعة من العلماء؛ كابن معين وغيره. فلهذا كما قلنا: خلاصة ما يقال في هذا أن أول من صنف الحديث الصحيح المجرد المعتبر عند أئمة الحديث هو البخاري رحمه الله. وأما أول من صنف الحديث الصحيح على ما رآه، فهو الإمام مالك. فموطأ الإمام مالك من خير الكتب التي ألفت في زمنه، خير مما ألفه حماد بن سلمة، وسفيان الثوري، ولو زاد. وكذلك أيضًا موطأ ابن أبي ذئب. فموطأ الإمام مالك خير هذه الكتب. ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله: لا أعلم كتابًا أصح بعد كتاب الله عز وجل من موطأ مالك. يقول الشافعي رحمه الله: لا أعلم كتابًا أصح بعد كتاب الله عز وجل من موطأ الإمام مالك. وهذا لا شك في وقته. وهذا الشافعي قاله قبل البخاري، ولا شك؛ لأن الشافعي قبل البخاري. الإمام الشافعي مات والبخاري لا يزال صغيرًا. فلهذا فالمراد به الكتب الموجودة التي كانت في زمن الشافعي، أفضلها موطأ مالك. ثم ذكر رحمه الله مسألة الأرجحية بين البخاري ومسلم، أيهما أرجح وأصح؟ فذكر الخلاف في ذلك، وذكر أن الصحيح أن البخاري أصح من مسلم، وأكثر فوائد. وهذا الكلام صحيح. أن البخاري أصح من مسلم. وأما الذين فضلوا مسلمًا على البخاري، وإنما فضلوا في حسن السياق وصياغة الحديث. كما ذكر ابن حزم أن مسلمًا أفضل من البخاري؛ لأن مسلمًا بعد المقدمة، حديثه سرد، لا يسرد الحديث في موضعه، ليس مثل البخاري يقطع الحديث. وكذلك أيضًا البخاري من أراد الحديث يكون عسر عليه -أي: بطرقه- ليس مثل مسلم. مسلم تجد الطرق كلها عندك، أن ألفاظ الحديث وطرقه موجودة في مكان واحد. وهذا ما يسهل على البحث. لكن كما قلنا: من ناحية الصحة، فالبخاري أصح. لو جئنا إلى شروطه، فأنا من ناحية الترجيح، لو جئنا إلى الترجيح سنرى أن البخاري هو أرجح من مسلم في جميع الشروط. شروط الحديث الصحيح -مثلاً- الآن إلى اتصال السند. الاتصال شرط من شروط الحديث الصحيح. والاتصال عند البخاري أفضل من الاتصال عند مسلم. لماذا؟ لأن البخاري أولاً لا يكتفي بالمعاصرة مع إمكان اللقاء، يرى أنه لابد أن يلتقي به. لابد أن يلتقي به. فلهذا فالبخاري يأتي بالأحاديث التي يكون فيها هذا الراوي التقى بشيخه. وهذا أوثق في الاتصال، وهذا أرجح في الاتصال. وأما مسلم رحمه الله، فيكتفي بالمعاصرة مع إمكان اللقاء. يكتفي بالمعاصرة مع إمكان اللقاء. وهذا يدل على أن مسلمًا عنده الاتصال أخف من الاتصال عند الإمام البخاري. فهذا في الاتصال. أيضًا في العدالة. في العدالة، عدالة الرجال الذين في البخاري وثقتهم أقوى من الرجال الذين في مسلم. من باب الإجمال، ليس من باب التفصيل. الرواة الذين عند البخاري هم أقوى من الرواة الذين عند مسلم. لماذا؟ لأن البخاري غالبًا -معنى- الإمام البخاري يتحرى في الرجال أكثر من تحري الإمام مسلم. ولهذا تجد هناك رجالًا وطرقًا أخرجها مسلم ولم يخرجها البخاري، فهي كثيرة. مثل سلسلة محمد بن عمر بن علقمة، مثل سلسلة أيضًا العلاء بن عبد الرحمن. وكذلك أيضًا هناك رجال كثيرون أخرج لهم مسلم ولم يخرج لهم البخاري، وقد تكلم فيهم وفي حفظهم أيضًا. زد على ذلك أن الرواة الضعفاء في مسلم أكثر من الرواة الضعفاء في البخاري. الرواة الضعفاء في مسلم أكثر من الرواة الضعفاء في البخاري. وزد على ذلك أيضًا أن الضعفاء الذين في البخاري أن الرجال الضعفاء الذين في البخاري هم من مشايخه، وهو أعرف بحديثهم. ولهذا انتقى من حديثهم -انتقى من حديثهم- على مثل إسماعيل بن عبد الله، لويسي المسجد، محمد بن سليمان بن فليح، وغيرهم من هؤلاء الذين انتقى الإمام البخاري من حديثهم. بخلاف الإمام مسلم، الإمام مسلم الضعفاء الذين في كتابه أكثرهم ليسوا من مشايخه. ومن كان من مشايخه أيضًا ممن لم ينتقي من حديثه. ولهذا أنكر عليه أبو زرعة. أنكر على الإمام مسلم لما عرض عليه صحيح مسلم، أنكر عليه روايته عن بعض الضعفاء. قال: كيف يروي عن أحمد المصري، وقطن بن نسير، وفلان وفلان؟ أنا كيف يروي عنه مسلم؟ يريد أن يظهر البدع على السنة. فقال أبو بكر بن بنتي شراحيل -قال للإمام مسلم ما قال هو أبو زرعة- وكذلك إخراجه لرواية سويد بن سعيد. سويد بن سعيد من العباد الذين يهمون في الرواية. أن أصابته غفلة الصالحين. فقال الإمام مسلم رحمه الله: أما سويد بن سعيد، فمن أين لي نسخة حفص بن ميسرة؟ أن هناك نسخة تسمى نسخة حفص بن ميسرة. نسخة -معنى- حديث مكتوبة. هذا تسمى نسخة فلان عن فلان. فحفص بن ميسرة كان عنده نسخة عن حديث مكتوبة عن مشايخه. والإمام مسلم لم يعرف هذه النسخة، وهي مشهورة. لكن لم يراها عند أحد إلا عند سويد بن سعيد. فرواها من طريق سويد بن سعيد. وهذا سهل. لأن النسخة موجودة أصلا، معروفة عند المحدثين. واعتذر برواية بعضهم أنه يرى أن الحديث عنده -قال- يقول الإمام مسلم: الحديث يقول عندي عن بعض الثقات، لكن يقول عندي عاليًا عن بعض الضعفاء، فأرويه عنه. قال الإمام الذهبي: ليتك لم تفعل. أن هذا الفعل الذي فعلته ليس بصحيح. يفعل مثل ما فعل البخاري. البخاري إذا كان عنده رواية عن الثقات، وعنده رواية عن من هو أضعف منهم أو من تكلم في حفظه، فتجد أولاً يقدم الرواية التي جاءت عن الثقات، ولو كانت أنزل في ناحية الإسناد. فخلاصة الأمر أن يقال: إن من ناحية الصحة، فالبخاري أصح من مسلم، وأكثر فوائد -كما قال المؤلف-. وأما من ناحية حسن الصياغة أو حسن السياق، فلا شك أن كتاب مسلم أحسن سياقًا وصياغة من البخاري. فهذا ما يكتفى به في هذا المقام، إن شاء الله تعالى. نكتفي به.