الدرس في التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الكتاب هو اختصار للإرشاد الذي هو اختصار لعلوم الحديث، ويبرز أهمية علم الحديث في بيان طريق النبي صلى الله عليه وسلم.
الحديث الصحيح يشمل أربعة أقسام، وهناك خلاف حول القول بأن الحديث الصحيح لا يقطع به، كما ناقش إطلاق لفظ 'أصح الأسانيد'.
أصح الأسانيد تختلف باختلاف البلدان والصحابة، مع تقديم أمثلة على أسانيد أهل المدينة والكوفة وغيرهم.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، بعد. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه «التقريب والتيسير وسنن البشير النذير»، وهو اختصار كما سيأتي، اختصار لكتابه «الإرشاد»، والإرشاد اختصار لعلوم الحديث، فهو اختصر هذا الكتاب وذكر فيه مسائل كثيرة، لكن يذكرها باختصار. قال: «الحمد لله الفتاح المنان، ذي الطول والفضل والإحسان، الذي منّ علينا بالإيمان، وفضل ديننا على سائر الأديان، ومحا بحبيبه وخليله وعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم عبادة الأوثان». وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بعثت بصلة الأرحام وكسر الأوثان»، فهو دعوة إلى التوحيد. قال: «وخصه بالمعجزة»، أنا من بين سائر الأمم، «الأمم» معناه، وإلا المعجزة هي للأنبياء، وإن كان التعبير بالمعجزة لم يأت فيه كتاب ولا سنة، وإنما الذي جاء في السنة «الآية»، قال: «بالمعجزة»، والسنة المستمرة على تعاقب الأزمان، على زمن يعقبه زمن، صلى الله عليه وعلى سائر النبيين. وقال جمهور العلماء: إن الصلاة تختص بالأنبياء من ناحية الجواز فقط، من ناحية الأفضل، وإلا فالصلاة قد يصلى على غير الأنبياء؛ لأنها من باب الدعاء، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم صل على آل أبي أوفى». كما جاء في حديث الصحيحين، في حديث عبد الله بن أبي أوفى، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه شخص بصدقة، قال: اللهم صل عليه، فلما جاء أبي بصدقة، قال: اللهم صل على آل أبي أوفى». فتبين أن الصلاة على الأنبياء وعلى غيرهم، لكن من باب الاصطلاح، خص العلماء الصلاة بالأنبياء، والترضي بالصحابة، والترحم على سائر الجميع، فمشوا على هذا. وإلا كما يجوز أن الإنسان يترضى على غير الصحابة؛ لأنه من باب الدعاء، ليس من باب الخبر. قال رحمه الله: «وعلى سائر النبيين وآلهم»، أي على الآل، كل ما اختلف الملوان، «الملوان» مثنى لملأ، «الملأ» ملوان، والمراد بهما الليل والنهار، «الملوان» هو الليل والنهار، قال: «وما تكررت حكامه وذكره وتعاقب الجديدان»، «الجديدان» أيضا هو الليل والنهار، وقيل: المراد بهما الغدوة والعشية، لكن المشهور أن «الملوان» مثل «الجديدان»؛ لأنه يتجدد كل يوم، يتجدد الليل ويتجدد النهار، يأتي جديد. قال: «أما بعد، فإن علم الحديث من أفضل القرب إلى رب العالمين، وكيف لا يكون وهو بيان طريق خير الخلق وأكرم الأولين والآخرين». وهذا لا شك فيه، أن خير الخلق كما قال الإمام صلاح رحمه الله: «أن خير ما صرفت فيه نفائس الأوقات هو علم الحديث؛ لأنه هو الموصل إلى العلوم». وقد قال الله عز وجل: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، فدلت الآية على أن السنة هي بيان للقرآن، بيان للقرآن. قال: «وهذا كتاب اختصرته من كتاب الإرشاد الذي اختصرته من علوم الحديث للشيخ الإمام الحافظ المتقن المحقق أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن المعروف بمن الصلاح، رضي الله عنه». قال: «أبالغ فيه في الاختصار إن شاء الله تعالى، من غير خلل بالمقصود، وأحرصه على إضاح العبارة، وعلى الله الكريم الاعتماد، وإليه التفويض والاستناد». قال: «أقسام الحديث: الصحيح، والحسن، والضعيف». قال: «النوع الأول: الصحيح»، معناه لما قال ابن الصلاح: «اعلم أن الحديث عند أهله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: صحيح، وحسن، وضعيف». فذكر هذه العبارة أيضا ابن الصلاح: «الحديث عند أهله ينقسم إلى صحيح وحسن وضعيف». وانتقد كثير من العلماء هذه العبارة: هل هي عبارة صحيحة؟ ومنهم من انتقد هذه العبارة الحافظ ابن كثير في اختصاره. قال: «إن كان أراد في نفس الأمر، فليس هناك إلا صحيح وضعيف، وإن كان أراد الاصطلاح، فهو ينقسم إلى أكثر من ذلك». معناه: يقول إذا كان أراد نفس الأمر، معناه الموضوع الحديث، فهو إما صحيح أو ضعيف، وليس هناك ما يسمى بحسن. لكن من نظر إلى كلام العلماء، يجد أن الحديث ينقسم عند أهله، وهنا تقييده «عند أهله»، أي أهل المصطلح الذين اصطلحوا هذه الأمور، ولا شك أن هذه العبارة صحيحة. قال: «والصحيح هو ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة». الآن تعريف الحديث الصحيح قد تقدم الكلام عليه في الكتب السابقة. فالحديث الصحيح هو ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهى. هذا عموم الحديث الصحيح، يدخل فيه أربعة أشياء: الصحيح لذاته، والصحيح لغيره، والحسن لذاته، والحسن لغيره. قال رحمه الله: «وإذا قيل: صحيح، فهذا معناه لا أنه مقطوع به». وإذا قيل: غير الصحيح، فمعناه لم يصح سنده. والمختار أنه لا يجزم. طيب الآن قوله هنا: إذا قيل: صحيح، فهذا معناه لا أنه مقطوع به، عن الصحيح من ناحية العمل، وأما من ناحية الثبوت، فيقول: إنه لا يقطع به. وهذا الكلام لا يوافق عليه الشيخ رحمه الله؛ فليس كل حديث صحيح لا يقطع به، بل هناك أحاديث صحيحة يقطع بها، مثل الحديث المتواتر الذي يقطع به. قال: «والمختار أنه لا يجزم في إسناده أنه صح». هذه مسألة أخرى، وهي مسألة هل يطلق على إسناد من الأسانيد يقال: إنه يقال: أصح الأسانيد؟ فأطلقها بعضهم، كابن الصلاح، وذكر أنه عند العلماء هكذا. فجاء عن البخاري أنه قال: «أصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر». وجاء أن أحمد قال: «الزهري عن سالم عن أبيه». وهكذا. قال رحمه الله: «وقيل: الزهري عن سالم عن أبيه، وقيل: ابن سيرين عن عبيدة عن علي، وقيل: لعمش عن إبراهيم عن علقمة بن مسعود، وقيل: الزهري عن علي بن الحسن عن أبيه عن علي». فعلى هذا قيل: «الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر» رضي الله عنهم. طيب هذه المسألة كما قلنا: الصحيح فيها أنها تقيد، تقيد بأمرين: تقيد بالبلد، وتقيد بالصحابي. وأيضا مع التقيد أيضا تجد فيها شكال، فيقال مثلا: أصح الأسانيد أهل المدينة، أصح الأسانيد أهل المدينة من حديث عبد الله بن عمر: مالك عن نافع عن ابن عمر، والزهري عن سالم عن أبيه. هذه أصح الأسانيد عن عبد الله بن عمر. وأصح الأسانيد عن أبي هريرة كثيرة منها: الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة. وكذلك الزهري عن مشايخ المدينة أو الفقهاء المدينة كله. الزهري يروي أحاديث أبي هريرة عن مشايخ المدينة أو فقهاء سبعة كله، عن عروة وعن قاسم وعن محمد، لكن قليل عن عبيد الله بن عبد الله وعن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث. فهذه الأسانيد يقال: إنها من طريق الزهري أفضل الأسانيد وصح الأسانيد. وأما من طريق أبي الزناد، فهو: أبو الزناد عن العرج عن أبي هريرة. فهذا أيضا من أصح الأسانيد، أيضا من أصح الأسانيد التي يرويها أهل المدينة عن أبي هريرة. معنى هذا: أصح: أبو الزناد عن العرج عن أبي هريرة، والزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة. طيب وأما أهل الكوفة، فيروي بعضهم مثلا: الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة. الأعمش يعتبر من أهل الكوفة. الإسناد: عبد الله بن مسعود أفضل الإسناد: عبد الله بن مسعود، من يرويه الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود، أو الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود. فهذه من الأفضل للإسناد. وجاء الوكيع رحمه الله أنه قال: «أي الإسناد أفضل؟» قال: «أي الإسنادين أفضل: الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود، أو منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود؟» فقال: «الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود؛ لأنه أقرب ولأنه إسناد عال». فقال: «لا، منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود؛ لأنه قال: هذا إسناد فقيه عن فقيه عن فقيه، وذاك محدث عن محدث». فحديث يتداوله الفقهاء أفضل من حديث يتداوله المحدثون. يعني يتداوله فقهاء المحدثين، يعني منصور من فقهاء المحدثين، الأعمش ليس من فقهائهم، إبراهيم النخعي من فقهاء المحدثين، كذلك علقمة كان من الفقهاء. أكثر من أبي وائل. علقمة يذكر قوله في الفقه، وكان هو المفتي بعد عبد الله بن مسعود، معنى من أصحاب عبد الله بن مسعود. فلهذا يقول الوكيع: حديث يتداوله الفقهاء - يريد فقهاء أهل الحديث - أفضل من حديث يتداوله المحدثون، معنى دون الفقهاء. كذلك أيضا أهل الشام في حديث أبي أمامة، أو حديث غيره. حديث أيضا أهل المدينة في حديث جابر. فالمهم أن هذه تقيد، تقيد لماذا؟ تقيد بالبلد وتقيد بالصحابي. هذا أقرب، هذا أقرب. أصح أسانيد أبي هريرة كذا، أصح أسانيد عبد الله بن عمر كذا، أصح أسانيد أهل البصر عن ناس كذا، أصح أسانيد أهل المدينة عن أبي هريرة، أصح أسانيد أهل الكوفة عن أبي هريرة، أصح أسانيد أهل البصر عن أبي هريرة، أصح أسانيد أهل اليمن عن أبي هريرة، وهكذا. فتقيد بالبلد وتقيد كذلك بالصحابي. وهذا أقرب إلى معرفة هذه الأسانيد وصحتها.