التعليق على الجواب الكافي 116

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 116، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في خطورة الظلم

يعتبر الظلم منافيا للعدل الذي قامت به السماوات والأرض، ويتفاوت في درجاته ويعد من أكبر الكبائر عند الله. الشرك بالله هو أظلم الظلم.

عقوبة القتل والتوبة منها

يتناول عقوبة قتل النبي أو الإمام العادل أو العالم، ويشير إلى أن التوبة بعد القتل قد تمنع من العقوبة مع اختلاف في الآراء حول ذلك. الإسلام بعد القتل يمنع من نفوذ الجزاء.

تأثير التوبة على حق المقتول

يتناول آراء العلماء حول تأثير التوبة على حق المقتول في القصاص يوم القيامة، حيث تختلف الآراء حول سقوط هذا الحق بالتوبة أو استيفاء الوارث. بعضهم يرى أن الحق لا يسقط بالتوبة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله، بعدما ذكر خطر القول على الله بغير علم، فقال رحمه الله: فصل الظلم والعدوان. ثم لما كان الظلم والعدوان منافيين للعدل الذي قامت به السماوات والأرض، وأرسل الله سبحانه رسوله، عليهم الصلاة والسلام، وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، لهذا قال: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق﴾، الهدى: العلم النافع الذي ينفي الجهل، ودين الحق: العامل الصالح الذي ينفي الظلم؛ لأن الإنسان طبع على هاتين الصفتين: ﴿إن الإنسان كان ظلوماً جهولاً﴾، فهو ظلوم وجهول. فلهذا الذي يقيمه، كما قال شيخ الإسلام: العلم والعدل، فإذا ذهبت هاتين الصفتين من الإنسان، فإنه يفلح بإذن الله. قال رحمه الله: ﴿وأنزل كتوبه ليقوم الناس بالقسط﴾، كان أي الظلم من أكبر الكبائر عند الله، وكانت درجته في العظمة بحسب مفسدته في نفسه. وكان قتل الإنسان ولده الطفل الصغير الذي لا ذنب له، وقد جبل الله سبحانه القلوب على محبته ورحمته وعطفها عليه، وخص الوالدين من ذلك بمزية ظاهرة، وقتله خشية أن يشاركه في مطعمه ومشربه وماله، من أقبح الظلم وأشده. ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيراً﴾، أي ظلم. فيقول لما قال ابن القيم رحمه الله: الظلم كبير، كبيراً من كبائر الذنوب، لكن الظلم يتفاوت، فكلما كثرت مفسدته كلما كان أعظم. ولهذا أظلم الظلم الشرك بالله جل وعلا: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾، ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾. لهذا وتقدم معناه في حديث عبد الله بن مسعود، لما أنزل الله عز وجل: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾، فقال الصحابة رضي الله عنهم: وأينا لا يظلم نفسه؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح لقمان: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾»، فالشرك من أعظم الظلم؛ لأنه فيه عدم العدل، الله عز وجل هو الذي خلق، وهو الذي رزق، وهو الذي سخر، وهو الذي قدر، ثم بعد ذلك تصرف العبادة لغيره. ولهذا يقول الله عز وجل لهذا المشرك: لو أن لك ما في الأرض جميعا، أكنت مفتدي به من عذاب جهنم؟ فيقول: نعم يا رب، قال فيقول الله عز وجل: قد طلبت منك أهون من هذا: أن لا تشرك بي شيئا، فأبيت إلا الشرك، فهذا ظلم عظيم. كما تقدم في كلام الإمام ابن القيم: لأنه يعدل عن الله إلى ما لا أصل له، حتى يعبده، يعبد غير الله جل وعلا من صنم أو من وثن أو من غيره. قال رحمه الله: وكذلك قتله أبويه الذين كان سبب وجوده، وكذلك قتله ذات رحمه، وتتفاوت درجات القتل بحسب قبحه واستحقاق من قتله السعي في إبقائه ونصيحته. قالوا: لهذا كان أشد الناس عذابا يوم القيامة من قتل نبيا أو قتله نبي، وهذا الحديث صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «من أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا أو قتله نبي»، قال: «وليه من قتل إماما عادلا أو عالما يأمر الناس بالقسط»، كما ذكر الله عز وجل في الآية في شأن اليهود. قال: «ويدعوهم إلى الله سبحانه وينصحهم في دينه»، وقد جعل الله سبحانه جزاء قتل النفس المؤمنة عمدا الخلود في النار، وغضب الجبار، ولعنته، وإعداد العذاب العظيم له؛ لأن القتل من أعظم ظلم؛ لأن فيه إزهاق الروح. فقتل المؤمن عظيمة، وقتل ولي الأمر أيضا أعظم، خاصة إذا كان عادلا، وأعظم منها قتل نبيا من أنبياء الله جل وعلا. وكذلك أيضا قبل ذلك قتل العالم الذي يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر، فإن هذا من أعظم ما يرتكبه العبد من الظلم. قال: ولا خلاف أن الإسلام الواقع بعد القتل طوعا واختيارا مانع من نفوذ ذلك الجزاء. قال: هذا موجب قتل المؤمن عمدا، ما لم يمنع مانع، إذا كان هناك مانع لم يوجب الجزاء، مثل أن يكون بحق قتل المؤمن عمدا بحق، مثل قصاص، فهذا يمتنع هذا الجزاء. لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين، في حديث عبد الله بن مسعود: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق الجماعة»، فلهذا فإذا قتل نفسا بغير حق فإنه يقتل، فإذا قتل نفسا بحق فإنه لا يترتب عليه الجزاء. قال: أولا أخي، الله، فإن الإسلام الواقع بعد القتل طوعا واختيارا مانع من نفوذ ذلك الجزاء. أنا إذا كان كافرا ثم أسلم، وقد قتل كثيرا من أهل الإيمان، فهذا لا يقال أنه يقتل. كان كافرا ثم أسلم، وبعد أن قتل مثلا جماعة من المؤمنين في الحروب وغيرها، فإنه لا يقتل؛ لأنه كان كافرا، فهذا مانع، لكن لو كان على الإسلام وقتل، فإنه يقتل. ولهذا لم يقتل النبي عليه الصلاة والسلام أحدا تاب من الكفار، فجاءه خالد بن الوليد وقد قتل كثيرا من المسلمين في أحد، وجاءه آخرون فأسلموا. ولهذا جاء في الحديث الذي هو صحيح: «أن الله عز وجل يعجب من الرجل يدخل الجنة وقد قاتله»، وجاء في الحديث الآخر: «أن أناسا يسحبون إلى الجنة بالسلاسل»، وجاء في تفسير الحديث الأول: أنه يقتل هذا المؤمن، ثم بعد ذلك يدخل الإسلام ويستشهد كذلك، فيدخلان الجنة. قال: ويليه، وهل تمنع توبة المسلم منه بعد وقوعه فيه؟ قولان للسلف والخلف، وهما روايتان عن أحمد. المسلم إذا قتل، يقول: هل تمنع توبة المسلم منه بعد وقوعه؟ أنا قتل ثم تاب، فهل تمنع من قتله؟ قال: قولان للسلف والخلف، هما روايتان عن أحمد، وتمنع من الجزاء. ومعلوم أن ابن عباس خالف في هذه المسألة، قد ذكرنا أن القاتل عليه ثلاثة حقوق، كما ذكره العلماء: الحق الأول للولياء، وهذا يسقط بالقصاص، والحق الثاني حق الله جل وعلا، وهذا يسقط بالتوبة أو إقامة الحد، والحق الثالث هو حق المقتول، وهذا لا يسقط إلا يوم القيامة. ولهذا جاء في حديث ابن عباس: أن المقتول يأتي يوم القيامة ورأسه يشخب دما، فيقول: يا رب سل هذا لم قتلني؟ فيقول: يا رب سل هذا فيما قتلني؟ وهذا من أعظم التوبيخ. وأيضا حديث أبي هريرة، حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبي هريرة في مسلم: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أتدرون من المفلس؟»، قالوا: المفلس من لا درهم له ولا دينار، قال: «المفلس من يأتي يوم القيامة وله أعمال، لكن قد شتم هذا وضرب هذا وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا، فيأخذ من حسناته إلى آخر الحديث»، فهذا حق ثالث، وهو حق المقتول. قال رحمه الله: والذين قالوا: لا تمنع التوبة من نفوذ الجزاء، رأوا أنه حق لآدم لم يستوفيه في دار الدنيا، وخرج منها بظلامته، فلابد أن يستوفي له في دار العدل. ولهذا يقول ابن عباس رضي الله عنه: أن قول الله جل وعلا: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها﴾، أنها ثابتة غير منسوخة. أو أقصد غير منسوخ معنى، مثلا بالكفارات التي تكون في الدنيا من إقامة الحد وغيره، يقول: أنها ثابتة؛ لأنها جاءت إلى جانب حديث أخرى. وكذلك الآيات تبين أنه إذا اقتص الإنسان منه ذهب ذلك، أليس كان كفارة له؟ كما جاء في حديث عبادة بن الصامت في الصحيحين: من أتى بشيء من هذه - لما ذكر القتل والزنى والسرقة - ثم أقيم عليه الحد، فهو كفارة له. لكن كما قلنا: بقي عليه حق المقتول، وهذا الذي يقصده ابن عباس رضي الله عنه. قالوا: فما استوفاه الوارث، فإنما استوفى محض حقه الذي خيره الله بين استيفائه والعفو عنه، وهو إما انقصاص وإما الدية وإما العفو. وما ينفع المقتول من استيفاء وارثه؟ المقتول قد مات، وهو لا ينتفع بهذا الاستفاء من الورثة. قالوا: أي استدراك لظلامته حصل له باستيفاء وارثه؟ قالوا: هذا صحيح القولين في المسألة: أن حق المقتول لا يسقط بالاستيفاء الوارث، وهو وجه لأصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما: أن يبقى عليه حق المقتول، وهذا يؤخذ منه حسنات يوم القيامة. فقد يجعل الله عز وجل المقتول يعفو عن القاتل لمعنى، مثلا لتوبته، أو التي تاب إلى الله عز وجل توبة خالصة، فإنه يكون كذلك. معنى قد يجعل الله عز وجل المقتول يعفو عن القاتل. قال ورأى الطائفة: أنه يسقط بالتوبة واستيفاء الوارث، وكذلك بإقامة الحد. قال: فإن التوبة تهدم ما قبلها، والذنب الذي قد جناه قد أقيم عليه حده. قالوا: وإذا كانت التوبة تمحو أثر الكفر والسحر، وهما أعظم إثما من القتل، فكيف تقصر عن محو أثر القتل؟ والإمام ابن القيم سيذكر هذه المسألة، ونستفيد منها، وإن شاء الله تعالى نتركها في درس لاحق، فنكتفي بهذا والله تعالى.