التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 15

الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 15، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في خصال الإيمان

شرح حديث نبوي عن ثلاث خصال للإيمان وأهمية التحكم في اللسان. يُشدد على أهمية قول الخير أو الصمت.

حقوق الجار والضيف

يُشدد على أهمية إكرام الجار والضيف في الإسلام، حيث يُعتبر إكرامهما من الإيمان. يُحدد الجار بالعرف.

أحكام الضيافة وإكرام الضيف وتوضيح المفاهيم ذات الصلة

يجب إكرام الضيف لمدة ثلاثة أيام، ولا يجوز له البقاء أكثر من ذلك إذا كان ذلك يسبب مشقة. يُفرق بين العادة والعرف في الأحكام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله في كتابه «الأربعين النووية»: قال الحديث الخامس عشر، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه». رواه البخاري ومسلم. قال الشارح -وفقه الله-: هذا الحديث رواه البخاري ومسلم، فهو من المتفق عليه. واتفق عليه من حديث أبي هريرة بلفظ: «فلا يؤذي جاره». أما جملة «فليكرم جاره» فعند مسلم وحده. يعني اللفظ المتفق عليه الذي أخرجه البخاري ومسلم هو لفظ «فلا يؤذي جاره»: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره». أما لفظ «فليكرم جاره» فهذا عند مسلم، أخرج هذا اللفظ الإمام مسلم دون الإمام البخاري. قال: وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ثلاثا من خصال الإيمان المتعلقة بكماله الواجب. يعني من أراد أن يكمل إيمانه فلابد أن يتحلى بهذه الخصال الثلاث. قال: فالخصلة الأولى قول الخير أو الصمت عما عداه، والخصلة الثانية إكرام الجار، والخصلة الثالثة إكرام الضيف. فالخصلة الأولى تتعلق بحق الله، وهو قول الخير أو الصمت. قال: والخصلتان الثانية والثالثة تتعلقان بحقوق العباد، وهو إكرام الجار وإكرام الضيف. فالخصلة الأولى -قال-: والمأمور به أن يقول العبد الخير أو أن يصمت فلا يتكلم بشيء. يعني إما أن يتكلم بخير وإما أن يسكت. «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا»؛ فليقل خيرا سواء كان هذا الخير مما يحبه الله ويرضاه، ومما أمر الله جل وعلا به، كقراءة القرآن، أو ذكر الله جل وعلا من تهليل أو تسبيح أو تحميد أو تكبير، أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو نحو ذلك. أو كان هذا الخير من الأمور المباحة من الكلام المباح. فإن لم يكن الأمر كذلك، بل كان هذا القول الذي سيتكلم به ليس فيه خير بل فيه شر، فعليه أن يصمت ويسكت خيرا له من أن يتكلم بهذا الكلام الذي ليس بخير؛ كسب أو شتم أو طعن أو لعن أو غيبة أو نميمة أو نحو ذلك مما هو من آفات اللسان. إذن مما يكمل به إيمان العبد أن ينظر في كلامه، فإن كان سيتكلم بكلام خير تكلم به، وإن لم يكن كلامه فيه خير فعليه بالسكوت. كما قيل: «قل خيرا تغنم أو اسكت عن شر تسلم». إما تقول خيرا فتغنم وتوجر وتثاب، وإلا أن تسكت فتسلم من الوقوع في الشر والإثم. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول في حديث عقبة في السنن: «من صمت نجى». من سكت نجى؛ لأن كثيرا من آفات التي يقع فيها العبد من أنواع المعاصي هي بسبب اللسان. بسبب اللسان: الغيبة، النميمة، الكذب، قول الزور، الشتم، الطعن، اللعن، وغير ذلك كثير من الذنوب والمعاصي هي من آفات اللسان. فكون المسلم يمسك لسانه إلا من الخير هذا سبب لنجاته. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ لما قال له: «أو إننا مؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم». أي: بما اقترفته هذه الألسن. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أصبح من آدم فإن جميع الأعضاء تكفر اللسان، تقول: اتق الله فينا؛ فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا». حيث في السنن: فاللسان هي محل صلاح العبد، أو استقامته وحصول الخير له، أو عكس ذلك تكون سببا لانحرافه وزيغه وخوفه في الآثام والذنوب والخطايا. فاللسان من أكثر الجوارح آفات وذنوبا ومعاصي؛ فأكثرها من اللسان. فلذلك يحرص المسلم على حفظ لسانه ألا يتكلم به إلا بخير. قال: والمأمور به في الخصلتين الثانية والثالثة هو إكرام الجار والضيف. وليس للإكرام حد يوقف عنده تبرأ به الذمة؛ فكل ما يدخل في الإكرام عرفا فهو مأمور به شرعا. كل ما يعد من الإكرام في العرف فهو يعد من الإكرام شرعا؛ لأن الشرع أمر بالإكرام وأطلق هذا الإكرام، فلم يحده بحد. وإذا كان الأمر كذلك فإننا نرجع في تحديده إلى العرف. فكل ما يعد من الإكرام، سواء كان قوليا أو كان فعليا، فهو مأمور به ومطلوب تحصيله. فمن ذلك مثلا الكلمة الطيبة، كلام الجار مع جاره، الإحسان إليه في المعاملة، كذلك عدم أذيته بقول أو بفعل، كذلك تعاهده بشيء من الطعام. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا طبخت مرقا فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك». هذا من الإكرام والإحسان. وهكذا كل ما كان من معنى ذلك، بما فيه إكرام وإحسان إليه، فهو من إكرام الجار الذي ينبغي أن يكون في تعامل الجار مع جاره. وهكذا أيضا كذلك إكرام الضيف، وسيأتي ذكر شيء من ذلك. قال: وحق الجوار لم يصح فيه حديث. ورد في حديث أن حد الجار الذي يجب له الإكرام نحو أربعين جارا من كل جهة: أربعين جارا من الأمام، وأربعين جارا من الخلف، وأربعين جارا عن اليمين، وأربعين جارا عن الشمال. لكن هذا لم يصح؛ فيرجع في تقديره إلى العرف. يعني من يكون جارك يرجع في هذا إلى العرف. ما عد في العرف أن هذا يعتبر جارا لك فله حقوق الجار، ووجب عليك إذا أردت كمال الإيمان أن تكرمه وأن تحسن إليه. قال: وأما الضيف فهو كل من قصدك من غير بلدك. كل من قصدك من غير بلدك فيجتمع فيه وصفان: أحدهما أنه يكون من خارج البلد. فإن كان من داخله سمي زائرا ولا يسمى ضيفا. الضيف الذي يأتي من خارج البلد هذا يسمى ضيفا. أما إذا أتاك شخص من داخل البلد إلى بيتك هذا يسمى زائرا يسمى زائرا ولا يسمى ضيفا -يعني شرعا-. قال: والثاني أن يكون متوجهاً إليك نازلاً بك، فقصد دارك دون غيرك من أهل البلد. فإذا اجتمع هذان الوصفان فهو ضيف يجب حقه ولا يسعك رده. أن يكون من خارج البلد. وبعض أهل العلم يقول: الضيف هو القادم من السفر النازل على المقيم. القادم من السفر النازل على المقيم؛ يعني يكون قادما من السفر الغارب المسافر يكون من خارج البلد، أنه يأتي من خارج البلد، وهو نازل على المقيم، أي قاصد أن ينزل على شخص مقيم. فهذا التعريف، وكذلك نحو هذا التعريف المذكور يشمل هذين الوصفين: أن يكون من خارج البلد، وأن يكون متوجهاً إليك نازلاً بك. أما إذا نزل عند أحد غيرك ثم جاء إليك، فهذا يعتبر زائرا. قصد أحدا غيرك ونزل عنده ثم جاء إليك، ولم يقصد أن ينزل بك وأن ينزل عليك، وإنما أتاك بعد ذلك من باب الزيارة؛ فيعتبر زائرا. بخلاف الذي يأتي من سفره ويأتي من خارج البلد ويقصد بيتك ودارك؛ فهذا له حق الضيف والإكرام والإحسان. قال: فإذا اجتمع هذان الوصفان فهو ضيف يجب حقه ولا يسعك رده. مثلا لو أن مقيما في المدينة النبوية وهو جالس في بيته جاءه أحد الإخوان وضرب عليه الهاتف الجوال أو ضرب الباب وقال: أنا عند الباب قادم من الرياض؛ فحكم إدخاله له واجب. فلا يجوز أن تقول: أنا مشغول، تعال في وقت آخر؛ لأن هذا ضيف يجب حقه شرعا. لماذا؟ لأنه جاءك من خارج البلد ونزل عليك؛ فوجب عليك إكرامه. ليس من الإكرام أن تعتذر له. يأتي من سفر قد تعب وقطع المسافات الطويلة، ثم إذا وقف على باب بيتك تقول: عذرا أعتذر عن اللقاء بك؛ هذا لا شك أنه مما لا ينبغي، ومن التقصير في حق هذا المسلم، وهذا الضيف الذي أمر الشرع بإكرامه. قال: لكن لو جاءك أحد من جيرانك أو إخوانك من أهل البلد فاتصل بك أو استأذن عليك من الباب وقال: أحب أن أجلس معك؛ فإنه يسعك رده إذا كنت مشغولا؛ لأنه لا يثبت له حكم الضيف شرعا؛ لأنه ليس قادما من خارج البلد، وإنه هو من داخل البلد؛ فهو زائر. فإذا كنت مشغولا أو نحو ذلك لا بأس أن تعتذر له وأن لا تأذن له؛ بخلاف القادم من السفر؛ فهذا الضيافة له حق واجب. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه». قيل: يا رسول الله، وما جائزته؟ قال: «يومه وليلته». اليوم أول يوم ينزل بك الضيف؛ فهذا له جائزة، يعني تخصه بشيء من الإكرام وبشيء من الطعام زائدا عما تعتاد أكله في بيتك؛ هذا من باب إكرامه وإتحافه بهذا الإكرام. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الضيافة ثلاثة أيام». يعني تحسن إليه وتكرمه في هذه الثلاثة أيام. ثم إن استمر في الجلوس عندك فتطعمه من سائر الطعام المعتاد الذي تأكله، ولا تتكلف له شيئا زائدا عما تأكله. وهذا إذا لم يكن في ذلك مشقة على من نزلت به؛ يعني يتكلف لك الطعام وكذا. أما إذا كان ما عنده ما يطعمك؛ فلا يجوز لك أن تبقى عنده أكثر من ثلاثة أيام؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «ولا يجوز له أن يقيم عنده حتى يؤثمه». قالوا: يا رسول الله، وكيف يؤثمه؟ قال: «يقيم عنده وليس له شيء يقريه به». يعني يضيفه به؛ فيكون ضيفا ثقيلا. يكون ضيفا ثقيلا ينزل عند الإنسان الثلاثة الأيام يكرمه ويحسن إليه، وهو يعني فقير أو مسكين، ويبقى عنده؛ عجب الوضع وجلس عنده والرجل ربما ما عنده شيء؛ يذهب يتكلف وكذا؛ فهذا لا يجوز؛ يقع في الإثم. ربما يذهب يستدين أو يستقرض من جيرانه حتى يطعمه؛ فيؤثمه بذلك. مثل هذا لا يجوز؛ فلا يكون الضيف ثقيلا. نزل عند ضيفه ثلاثة أيام ثم يمشي ويذهب؛ وإلا سيكون حاله كما قيل: «إذا نزل الثقيل بأرض قوم فما على الساكنين سوى الرحيل». فلا يكون كذلك؛ إلا إذا كان يعني من نزل به حالته طيبة، وليس في ذلك تكليف عليه، ولا تثقيل، وهو يعلم أنه يحب بقاءه عنده ويستأنس به ونحو ذلك؛ فهذا حكم آخر؛ لا بأس أن يبقى عنده ولو أكثر من ثلاثة أيام. صلى الله عليه وسلم نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين. العادة محكمة. هل هناك فرق بين العرف والعادة؟ بعض العلماء يجعل العرف والعادة بمعنى واحد، يجعلهما بمعنى واحد. ومنهم من يفرق بين العرف والعادة بأن العرف يكون عرفا عاما، عرف عامة الناس. وأما العادة فتكون خاصة؛ يعني مثلا يقال: عرف أهل البلد أنهم ينامون مثلا الساعة التاسعة؛ هذا عرف أكثر الناس وعامة أهل البلد. ويقال: أما عادة أهل هذا البيت أنهم ينامون الساعة الثانية عشر؛ فهذه خاصة. فالعرف يكون أعم من العادة؛ العرف يكون لعامة الناس، وأما العادة قد تكون لشخص أو لطائفة معينة. والله أعلم.