الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 17، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح المقطع مفهوم الإحسان وأنه يشمل جميع الأفعال، بما في ذلك القتل والذبح ومعاملة البهائم. الإحسان مطلوب في كل شيء وهو من موجبات الجنة.
يشرح كيفية الإحسان في القتل والذبح باختيار الطريقة الأريح، وضرورة الرفق بالبهائم وعدم تعذيبها. هذا يشمل الإحسان في إزهاق الروح وذبح البهائم بطريقة شرعية وسريعة.
الإحسان إلى الحيوانات يمكن أن يكون سبباً لدخول الجنة، بينما الإساءة إليها قد تؤدي إلى دخول النار. هذا يبرز أهمية معاملة الحيوانات برحمة وإحسان.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله في كتابه «الأربعين النووية»: الحديث السابع عشر، عن أبي علي شداد بن أوس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، فليرح ذبيحته». رواه مسلم. قال الشارح -وفقه الله-: هذا الحديث أخرجه مسلم وحده دون البخاري، فهو من أفراده عنه -يعني ممن فرد الإمام مسلم بإخراجه دون الإمام البخاري-. قال: وأوله عنده عن شداد بن أوس قال: اثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كتب الإحسان...» الحديث. وقال: لفظه في النسخ التي بأيدينا: «فأحسنوا الذبح». وشداد بن أوس رضي الله عنه ليس له في مسلم إلا هذا الحديث، ليس له في صحيح مسلم إلا هذا الحديث، وله في البخاري حديث واحد فقط، وهو حديث سيد الاستغفار. فأخرج له البخاري حديثا، وأخرج له الإمام مسلم حديثا، وله نحو من خمسين حديثا، بقية الخمسين في السنن. قال هنا: وقوله: «كتب الإحسان على كل شيء»، قال: أي كتبه قدرا أو شرعا، كتبه قدرا أو شرعا. قدرا: بمعنى قدر الله جل وعلا الإحسان في كل شيء أمر الله به قدرا وكونا، أو يكون المراد كتبه الله شرعا، فأمر به وحث عليه. قال: فالكتابة تحتمل أمرين، أحدهما أن تكون الكتابة قدرية، فيكون المعنى أن الأشياء جارية على الإحسان بتقدير الله الذي صيرها عليه. فالمكتوب هنا هو الإحسان، والمكتوب عليه هو كل شيء. إن الله كتب الإحسان -المكتوب هو الإحسان- أن الله كتبه وقدره، والمكتوب عليه ما هو؟ المكتوب عليه: الإحسان كل شيء، كل شيء كتب الله عز وجل عليه الإحسان، فيكون الكتابة هنا قدرية، بمعنى قدر الله ذلك وأراده جل وعلا كونا. قال: والآخر أن تكون الكتابة شرعية، فيكون المعنى: إن الله كتب على عباده الإحسان إلى كل شيء -يعني أوجب الله عليهم وألزمهم بالإحسان في كل شيء-. فالمكتوب هو الإحسان أيضا، لكن المكتوب عليه هم العباد غير مذكور، وإنما المذكور المحسن إليه. ذكر نحو هذا الحافظ ابن رجب رحمه الله في كتابه «جامع علوم الحكم». وعلى كلا التقديرين، فالحديث محتمل أن يكون مراد بالكتابة الكتابة القدرية والكتابة الشرعية. ولهذا قال: والحديث صالح للكتابتين القدرية والشرعية جميعا، على المعنى المتقدم. في كل شيء: بمعنى أن الله عز وجل كتب الإحسان على كل شيء وقدر ذلك أن تجري الأمور على الإحسان، وكذلك الكتابة الشرعية أن الله أمر بالإحسان -أمر بالإحسان أن يحسن العباد بعضهم إلى بعض- أو كذلك أن يحسنوا إلى البهائم والمخلوقات. فقوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله كتب الإحسان»، كتب: بمعنى أوجب وفرض. والإحسان منه ما هو واجب، منه ما هو مستحب. فالله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، ومن العدل ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب. كذلك من الإحسان ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب. ويقول: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، فالإحسان مأمور به، سواء كان واجبا أو كان مستحبا. وفي هذا الحديث ذكر النبي صلى الله عليه وسلم مثالا للإحسان الواجب، وهذا المثال فيما يتعلق بالتعامل مع الناس عموما، والبهيمة على جهة الخصوص. قال: وذكر النبي صلى الله عليه وسلم مثالا من الإحسان يتضح به المقال، وهو الإحسان في قتل ما يجوز قتله من الناس والبهائم. فقال: «فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة»، فأمر بإحسانهما. وإحسانهما يكون بإيقاعهما على الصفة الشرعية. إذا قتلتم فأحسنوا القتلة: يعني إذا قتلتم إنسانا يستحق القتل، فإنه يحسن في قتله. يحسن في قتله مثل من قتل عمدا عدوانا، فإنه يقتل قصاصا، يقتل قصاصا النفس بالنفس. فإذا قتل، فإنه يحسن في قتله، يختار الطريقة التي هي أريح في إزهاق روحه. وأفضل ذلك هو السيف -السيف يعني حاد يمر على الرقبة بسرعة فتزهق الروح بطريقة سريعة- يكون هذا من أحسن القتل إذا قتل الإنسان يقتل بالسيف. وقد يقتل قصاصا بنحو ما قتل، لو أنه قتل إنسانا بالرصاص نقتله بالرصاص، ويكون هذا من إحسان القتل. لو قتل إنسانا بحجر، فإننا نقتله بحجر، ويكون هذا أيضا من إحسان القتل. ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل اليهودي الذي رضخ رأس جارية بين حجرين وأخذ أوضاحها -ما كان معها من ذهب-. أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يرضخ رأسه بين حجرين. هل يقال أن هذا خلاف الإحسان؟ الجواب: لا، هذا من الإحسان أن يقتل قصاصا بمثل ما قتل، هذا من العدل. كذلك أيضا لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأولئك العرنيون -الذين قتلوا رعاة الإبل، إبل الصدقة- لما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يأكلوا وأشربوا من ألبان الإبل وأبوالها، وكانوا مرضى، فلما صحوا وتعافوا قتلوا راعي الإبل، فسمروا عينيه ومثلوا به وأخذوا الإبل. فأوحى الله إلى نبيه بذلك، فأمر أن يسلم بهم، فمسكوا، وأمر أن يفعل بهم مثل ما فعلوا براعي الإبل، فصمرت أعينهم وقطعت أطرافهم وجعلوا في الشمس يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا. هل هذا ينافي الإحسان في القتل؟ الجواب: لا، هذا من الإحسان أن يقتلوا بمثل ما قتلوا. إذن هذا لا ينافي الحديث: «وإذا قتلتم فأحسنوا القتل». ولهذا قال: فيكون قتله بحسب الصفة الشرعية، بحسب الصفة الشرعية. فالقاتل يقتل بمثل ما قتل، هذا من الإحسان، هذا من الإحسان. إذا شنق إنسان، فإنه يشنق مثل ما شنقه، إلا إذا قتله بالنار، فقال أهل العلم هنا: ما يقتل بالنار؛ لأن النار لا يعذب بها إلا رب النار، فيقتل بقتلة أخرى. وهكذا إذا أردت أن تذبح الذبيحة، فإنك تحسن في ذبحها. قال: «وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة»، يعني أحسنوا قتل البهيمة. ولهذا قال: «وليحد أحدكم شفرته»، يعني السكين. من الإحسان أن تسن السكين، ما تذبحها بسكين باردة تجلس تفحص للرقبة وهي تتعذب، لا، هذا ليس من الإحسان. تحد السكين تكون حادة بحيث أنها تمر على الرقبة مباشرة بسرعة، فلا تتعذب وتتألم البهيمة عند ذبحها. «وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته»، ليس الموصود في ذبحها تعذيبها، الموصود إزهاق روحها حتى تحل، حتى يحل لك أكلها والانتفاع بها. ومن الإحسان -كما قال أهل العلم-: أنك لا تسن الشفرة أمامها، ما تتي بالسكين تحدها أمام البهيمة -البهيمة وإن كانت بهيمة لكن تشعر- تشعر أنها ستذبح فتتعذب بذلك. لا تسنها من غير أن تراك، ولا تذبح كذلك أختها بجانبها أو أمامها، هذا أيضا مما يعني تتأذى بسببه تتألم. ذكر بعض أهل العلم وذكر لنا بعض إخواننا أثرا أن رجلا أراد أن يذبح بهيمة، فأضجعها وأراد أن يذبحها، فدق عليه الباب رجل، فتركها ووضع السكين، فذهب ينظر من الذي دق عليه، فلما رجع وجد هذه الشاة تحفر بقدمها حفرة، ثم وضعت رأسها وجلست تدفن السكين تدفنها بقدمها، فلما رآها قال: والله لا أذبح شاة بعدها. انظروا كيف وهي بهيمة كيف تعني؟ علمت أنها كانت ستذبح بهذه السكين. فذلك من الإحسان أنها ما ترى السكين حين تسن، ولا ترى أختها أمامها تذبح، هذا كله مما يعني يؤلمها ويؤذيها. فالمقصود أن الشرع أمر بالإحسان في كل الأشياء: الإحسان مع الوالدين، الإحسان مع الجيران، الإحسان مع الزوجة، الإحسان مع الأولاد. نعم، وكذلك أيضا الإحسان مع البهائم. لا تصبر البهيمة، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صبر البهيمة -أن تحبس حتى تموت من غير أن تطعم وأن تسقى- هذا لا يجوز. ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة دخلت النار في هرة حبستها حتى ماتت، لا هي أطعمتها إذ حبستها، ولا هي جعلتها تأكل من خشاش الأرض -كما في حديث أبي هريرة في البخاري-. نعم، عذبتها بذلك، فعذبت بسبب ذلك. أو كذلك أن تتخذ البهيمة يعني محل للرمي، توضع في مكان ويرمى عليها بالسهام أو بالحجر، هذا لا يجوز، هذا من تعذيب البهيمة. ونهى النبي عليه الصلاة والسلام بل لعن من فعل ذلك. هذا كله مما لا يجوز. إذا احتجت أن تقتل البهيمة بسبب ذيتها، تحسن في قتلها، تحسن في قتلها، لا تعذبها، وإنما تختار الطريقة التي يعني تموت بها من غير أن تعذب. كذلك الإحسان إلى بهيمة الأنعام مثلا -البقر- إذا كان الإنسان يحرث عليها، فيحسن في طعامها. كذلك الغنم، من كان عنده غنم يحسن في طعامها، ويؤجر على ذلك. في كل ذات كبد رطبة أجر. كذلك الإبل، إذا كان معه إبل يركب عليها أو يحمل عليها، يحسن كذلك في طعامها، ولا يكلفها فوق ما تطيق، هذا مما يؤذيها. والنبي صلى الله عليه وسلم لما أتى على ذاك الجمل الذي يعني توحش على أهله، فلما دخل إليه النبي صلى الله عليه وسلم فجرجر الجمل وبكى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه يشكو إليك أنك تجيعه وتدئبه». قال لصاحبه: الجمل يشكو أنك تجيعه -ما تطعمه- وأنك تدئبه -أي تكلفه وتتعبه في العمل- وهو بهيمة. بهيمة، انظر كيف تأذى وشكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. فالمقصود أن الإحسان مأمور به، مأمور به في سائر الأشياء، حتى مع البهائم. ومن أحسن أحسن الله إليه. «وأحسنوا إن الله يحب المحسنين»، الله عز وجل يحب المحسنين المتصفين بالإحسان، الذين يحسنون إلى الخلق ويحسنون إلى البهائم. رب إحسانك إلى بهيمة يكون سبب في دخولك الجنة، يكون سبب في دخولك الجنة. وتعرفون حديث أبي هريرة في قصة الرجل الذي سقى كلبا، وتلك البغي من بغايا بني إسرائيل التي سقت كلبا كان يأكل الثرى من العطش -يعني رحمته أحسنت إليه فغفر الله لها فأدخلها الجنة-. انظر وهي كافرة -يعني زانية- وهي زانية من زواني بني إسرائيل، غفر الله لها وأدخلها الجنة بسبب إحسانها إلى هذا الحيوان. فالإحسان إلى الحيوان قد يكون سبب في دخول الإنسان الجنة، كما أن الإساءة إليه قد يكون سبب في دخول الإنسان النار عياذا بالله. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.