الدرس في كتاب الحج 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
الحج يجب على كل مسلم حر بالغ عاقل قادر، وتشمل الاستطاعة القدرة المالية والبدنية وأمن الطريق ووجود محرم للمرأة. يُستثنى من ذلك الكافر والمجنون والعبد المملوك والصبي.
يشترط لوجوب الحج الاستطاعة التي تشمل ملك الزاد والراحلة وأمن الطريق ووجود محرم للمرأة، ويجب تقديم سداد الدين على الحج إذا كان لا يسمح بالتأجيل. لا يجب على المرأة الحج بدون محرم ويجب عليها أن تعطي المحرم نفقة الحج إذا كانت قادرة.
الحج يجب مرة واحدة في العمر، بينما العمرة واجبة مرة واحدة أيضا، ويجب أداء الحج على الفور عند توفر الاستطاعة. يُستدل بالأدلة الشرعية على صحة ما تمت مناقشته مع التأكيد على أهمية الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد. قال علام السعيد رحمه الله في كتابه "الحج": "الأصل فيه قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾". قال: "والاستطاعة أعظم شروطه، وهي ملك الزاد والراحلة بعد ضرورات الإنسان وحوائجه الأصلية". ومن الاستطاعة أن يكون للمرأة محرم إذا احتاجت لسفر. ذكر رحمه الله في هذا الكتاب -كتاب "الحج"- معنى أنه على وزن "فعال" بمعنى "مفعول"، فـ"كتاب" بمعنى "مكتوب"، أي هذا مكتوب في ذكر أحكام الحج. والحج في اللغة: القصد إلى معظم. وشرعا: هو التعبد لله جل وعلا بقصد البيت الحرام لأداء مناسك الحج بشرائط مخصوصة. القصد إلى بيت الله الحرام، التعبد لله بالقصد إلى بيت الله الحرام لأداء مناسك الحج بشروط مخصوصة. والحج ركن من أركان الإسلام ومبانيه العظام، فالله عز وجل يقول: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾، يعني يجب عليهم أن يحجوا بيته. وفي حديث عمر في الصحيحين: "بني الإسلام على خمس"، وذكر منها "حج البيت"، فهو ركن من أركان الإسلام. وفرض الحج في السنة السادسة أو الثامنة، والصحيح أنه في السنة السادسة. وحج النبي صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة أو العاشرة، حجة الوداع المشهورة. والحج يجب على كل مسلم حر بالغ عاقل قادر. فقولنا: "يجب على كل مسلم" خرج به الكافر، فالكافر لا يجب عليه الحج ولا يقبل منه إلا أن يسلم. وقولنا: "حر" خرج به العبد المملوك، فإنه لا يجب عليه الحج في قول جمهور أهل العلم؛ لأنه منشغل بالرق خدمة سيده. لكن لو أذن له السيد فلا بأس أن يحج. لكن إذا عتق بعد ذلك عليه حجة أخرى، حجة الإسلام. وكذلك الصبي الذي يحج قبل بلوغه فيصح منه الحج، فإذا بلغ وجب عليه حجة الإسلام. وقد جاء فيه أثر ابن عباس عند ابن أبي شيبة أنه قال: "أيما صبي حج أو مملوك حج ثم عتق ثم بلغ فعليه حجة أخرى". صح هذا الأثر من قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وروي مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وهو مرسل من مرسل محمد بن كعب القرظي، وفيه أيضا رجل مبهم. فإذا حجه وهو ما زال رقيقا يصح حجه، لكن يبقى عليه أن يحج حجة أخرى إذا عتق. هو كالصبي في حديث ابن عباس. لما قالت المرأة: "يا رسول الله، إن ابني هذا حج"، قال: "نعم، ولك أجر". يعني صح الحج من الصبي، لكن إذا بلغ وجب عليه حجة أخرى، حجة الإسلام. كذلك يقال في حق المملوك والرقيق. وقولنا: "عاقل" خرج به المجنون، فلا يصح منه الحج لعدم العقل، والمجنون غير مكلف لحديث: "رفع القلم عن ثلاثة، والمجنون حتى يفيق". وقولنا: "بالغ" خرج به الصبي، فالصبي لا يجب عليه الحج، لكن يقبل منه ويصح. لكن إذا بلغ وجب عليه حجة أخرى. وقولنا: "قادر" خرج به العاجز، فالعاجز عن الحج لا يجب عليه؛ لأن الحج مشروط بالاستطاعة، ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾. إذا من لم يستطع فليس عليه حج ولا يجب عليه الحج. والعاجز عن الحج: القدرة تكون قدرة بدنية وقدرة مالية. القدرة تنقسم إلى قسمين: قدرة مالية وقدرة بدنية. فإذا كان الإنسان عنده قدرة مالية، عنده المال الذي يبلغه إلى الحج، وكذلك أيضا ما يحتاج أن يدعه لأولاده إذا ذهب، وعنده القدرة البدنية التي يستطيع بها الذهاب إلى الحج، فهذا يجب عليه أن يحج. وأما إذا كان عنده قدرة بدنية وليس عنده قدرة مالية، فهذا لا يجب عليه الحج. وأما إذا كان عنده قدرة مالية لكن ليس عنده قدرة بدنية، إنسان عنده مال يستطيع أن يحج به لكن ما عنده قدرة بدنية بأن يكون مريضا، فهنا ينظر في هذا المرض. إن كان هذا المرض مرضا مستمرا أو يكون شيخا كبيرا ما يستطيع أن يتحمل السفر، فإن هذا ينيب غيره، يعطي هذا المال لغيره فيحج عنه. لحديث أبي رزين العقيلي عند أبي داود والترمذي وغيرهما أنه قال: "يا رسول الله، إن أبي شيخ كبير لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حج عن أبيك واعتمر»". نعم، أيضا حيث الخطعمية لما قالت: "يا رسول الله، إن أبي شيخ كبير، أفأحج عنه؟" قال: "نعم". إذا ما كان مريضا مرضا مزمنا أو كان عاجزا عن تحمل مشاق السفر لكبر السن أو يكون طريح الفراش أو نحو ذلك، وعنده قدرة مالية، فينيب غيره فيحج عنه. وأما إن كان المرض مرضا طارئا يرجى شفاؤه، فهذا ينتظر حتى يشفى ثم بعد ذلك يحج بنفسه. قال: "والأصل فيه قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾". هذه الجملة جملة بدل من "على الناس"، وهي دالة على اشتراط الاستطاعة في وجوب الحج. فقوله: "من استطاع إليه سبيلا" معناه: غير المستطيع لا يجب عليه الحج. قال: "والاستطاعة أعظم شروطه"، أي شروط الحج، "وهي ملك الزاد والراحلة بعد ضرورات الإنسان وحوائجه الأصلية". ملك الزاد يعني الزاد الذي يبلغه إلى الحج ويرجع من طعام وشراب ومال طيب ونفقة. والراحلة التي يركبها إن كان يحتاج إلى راحلة. أما إذا كان قريب قد يذهب مشيا ما يحتاج إلى راحلة. وأذن في الناس بالحج: "يتوكل رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق". "يتوكل رجالا" يعني على أقدامهم. "ضامر" أي راكب. فإذا كان يحتاج إلى الراحلة لابد أن يكون مستطيعا للراحلة. قال: "بعد ضرورات الإنسان وحوائجه الأصلية"، يعني ليس فقط وجوب الحج أنه يجد ما يحمله إلى الحج ويرجعه، لكن لا بد أيضا من أن يخلف ويترك إذا ذهب من زوجه وأولاد ومماليك أو بهائم، لا بد كذلك أن يترك لهم ما يحتاجون من نفقة. هذه من ضرورات الإنسان وحوائجه الأصلية. أن يكون مستطيعا لترك النفقة لأولاده منذ أن يذهب إلى الحج إلى أن يعود، كذلك لزوجته، كذلك للبهائم والمماليك التي تحت يده، يجعل لهم ما يحتاجون من النفقة فترة ذهابه ورجوعه من الحج. فإن كان ليس عنده ما ينفق عليهم إذا ذهب فلا يجب عليه الحج. إذا كان عليه ديون، هل يقدم الحج على سداد الدين أو يقدم الدين على الحج؟ في هذا التفصيل نقول: إذا كان صاحب الدين يسمح له بالذهاب، يقول: "لا بأس اذهب إلى الحج ويسر الله سبحانه وتعالى فيما بعد"، فهنا له أن يذهب ويقدم الحج على سداد الدين. أما إذا كان صاحب الدين يقول: "لا أنا أريد ديني، أنا أحتاج إلى المال"، فنقول هنا تقدم سداد الدين الذي عليك، ولا يجب عليك الحج. ومتى ما يسر الله حججته، وحينئذ يكون غير مستطيع. كذلك أيضا من الاستطاعة: أمن الطريق، أن تكون الطريق آمنة. أما إذا كان هناك مخاوف، كان يكون في الطريق قطع طرق يتقطعون الناس ويأخذون أموالهم ويسفكون دماءهم، وهنا لا يجب عليه الذهاب، لا يجب عليه الحج، لابد من أمن الطريق. قال: "أيضا الاستطاعة أن يكون للمرأة محرم إذا احتاجت لسفر". كذلك المرأة، وجود المحرم للمرأة هذا من شروط الاستطاعة. المراد بالمرأة: هي من بلغت عشر سنين فما فوق. المراد بالمحرم: هو الذكر البالغ العاقل. المحرم هو الذكر البالغ العاقل الذي يحرم على المرأة تحريما أبديا بنسب أو مصاهرة أو رضاع. أو يكون زوجا؛ لأن المقصود من المحرم هو أن يحميها ويصونها من أن تصاب بشيء من السوء والشر أو يتعرض لها أحد من أهل السوء. ودليل ذلك عموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تسافر امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم». وفي حديث ابن عباس لما قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث، قال رجل: "يا رسول الله، إني اكتتبت في غزوتي كذا وكذا -يعني الجهاد- وإن امرأتي خرجت حاجة"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اذهب فحجج مع امرأتك». أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يحج مع امرأته. وهذا يدل على أن كذلك لو كان ذهابه للحج كذلك لا بد من محرم، لابد من محرم. وهذا هو الصحيح. إذا كانت المرأة ليس لها محرم، عندها المال والقدرة البدنية لكن ما عندها محرم يسافر معها، هل يجب عليها الحج؟ الجواب: لا يجب عليها. نقول: أنت لا يجب عليك الحج، أنت معذورة. إذا كان عندك مال تستطيعين أن تتحمل نفقة المحرم للذهاب معك، هنا وجب عليك أن تعطيه -يعني نفقة الحج- حتى يذهب معك ويحج معك. وإن كنت غير مستطيع فلا يجب عليك. تأتي مسألة: هل يجوز لها أن تذهب مع رفقة النساء؟ إذا كان هناك مجموعة من النساء سيذهبن إلى الحج من غير محرم، هل يجوز لها أن تذهب معهن بلا محرم؟ الصحيح أنه لا يجوز؛ لعموم الأدلة الدالة على المنع. ومن أجاز ذلك من فقهاء، فقولهم مرجوح. وأما ما روي أن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ذهبنا إلى الحج، فقد ثبت وجود كذلك بعض المحارم لبعض نساء النبي عليه الصلاة والسلام، يعني أنه ثبت أن بعضهن كان معها محرم لها. فكذلك يقال في البقية: أن البقية منهن كان لهن محارم؛ لأن بعضهم يستدل بهذا الأثر على مشروعية سفر المرأة بلا محرم للحج إذا كانت مع رفقة النساء. والجواب كما سمعتم: أنه ثبت أن بعض هؤلاء النساء من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كان معهن محارم. فيقال كذلك البقية: كان لهن أو معهن محرم من محارمهن. ثم هذا يعني أمر ليس بصريح في عدم وجود محرم لهن، فلا نترك المحكم لهذا المتشابه. عندنا أدلة محكمة في نهي عن سفر المرأة بلا محرم، فلا نترك هذه الأدلة المحكمة لدليل أو أثر فيه اشتباه. وإذا تعارض المحكم والمتشابه يحمل المتشابه على المحكم. ونقول حينئذ: يحمل هذا الأثر على أنه كان معهن محارم. طيب ما حكم العمرة؟ العمرة، وقبل ذلك أولا الحج: هل يجب في كل عام؟ الجواب: لا يجب، مرة واحدة في العمر. في حديث أبي هريرة في الصحيح، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب عليكم الحج فحجوا». قال رجل: "يا رسول الله، في كل عام؟" فسكت النبي صلى الله عليه وسلم حتى عادها ثلاثا، ثم قال: "لو قلت نعم لوجبت ولم تستطعوا". الحديث، فالحج يجب مرة واحدة في العمر. أما العمرة فاختلف أهل العلم في وجوبها، والصحيح أنها واجبة. ويدل على ذلك حديث أبي رزين الذي ذكرنا قبل قليل، في قول النبي صلى الله عليه وسلم له: «حج عن أبيك واعتمر». وحديث عائشة في الصحيح، قالت: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل على النساء جهاد؟» قال: «نعم، جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة»". هذا يدل على وجوب العمرة. والحج على الفور أو على التراخي، في خلاف بين أهل العلم. والصحيح أنه على الفور؛ وذلك لعموم الأدلة الدالة على أن الأمر على الفور. ومن ذلك لما أمر الله عز وجل إبليس للسجود لآدم فأبى إبليس أن يستجيب لأمر الله، فعد عاصيا واستحق التوبيخ. وقال الله عز وجل: ﴿أفعصيت أمري﴾، ما قال إبليس: "يا رب الأمر على التراخي". لا عد بعدم الاستجابة هنا عاصيا. وكذلك أيضا لما أمر أن يسلم الصحابة بالتحلل في صلح الحديبية لما منع من العمرة، أمر من يتحلل فتأخر الصحابة، فتأخر الصحابة رجاء أن يتغير الأمر، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «ما لي أمر فلا أتبع». ما لي أمر فلا أتبع. وكذلك أيضا أن الاتيان بالمأمور والمبادرة بذلك أمر للذمة وأحوط للإنسان، وهو أيضا من المبادرة بفعل الخير والمسابقة في ذلك. والله يقول: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾، ويقول: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ إلى آخر الآيات. مع ما قد يعرض الإنسان من العوارض التي ربما تمنعه بعد ذلك من الاتيان بهذه الفريضة. فإذا استطاع صار مستطيعا بكل معاني الاستطاعة، وجب عليه أن يبادر إلى فعل الحج والاتيان بالحج. هذا هو الصحيح. وإن كان استدل بعض أهل العلم من قال بذلك بحديث: "حج من استطاع الحج فلم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا". هذا الحديث فيه كلام، روي عن بعض الصحابة ولم يصح. نعم، وأشار الدارقطني والعقيلي ومن الجوزي إلى عدم صحتها. لكن كما سمعتم يستدل بما ذكرنا من الأدلة، وأن ذلك أبرأ وأحوط للذمة. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وأبيه وصحبه أجمعين.