كتاب الحج 3

الدرس في كتاب الحج 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مناسك الحج وخطبة النبي في عرفة

شرح تفاصيل مناسك الحج وخطبة النبي صلى الله عليه وسلم في عرفة، حيث بين حرمة الدماء والأموال وأمر بالتعامل بالمعروف مع النساء. وأكد على أهمية التمسك بكتاب الله.

أعمال الحاج في عرفة والمزدلفة

يوم عرفة يوم عظيم للحجاج، يقفون في عرفة حتى غروب الشمس، ثم يتوجهون إلى المزدلفة ويصلون المغرب والعشاء جمعا وقصرا. يبيتون هناك ويصليون الفجر في أول وقته.

أعمال اليوم العاشر من الحج

رمي جمرة العقبة، والنحر، والحلق أو التقصير، وطواف الإفاضة، مع بيان أن رمي الجمرات أمر تعبدي يجب أن تسقط الحصى في الحوض. ويجوز تقديم أو تأخير بعض الأعمال.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعد رحمه الله في كتابه "منهج السالكين"، في كتاب الحج، في ذكره لحديث جابر رضي الله عنه في صفة حج النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، وقلنا إن نمرة موضع بين المزدلفة وعرفة. فوقف النبي عليه الصلاة والسلام بنمرة، ونزل بعرنة، وهي بجانب عرفة. ثم لما زالت الشمس، مسياتي، وقف بعرفة. قال: فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية. فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها. حتى إذا زاغت الشمس، أمر بالقصوى فرحلت له، أي ناقته عليه الصلاة والسلام. قال: فأتى بطن الوادي، والمراد به عرنة. قال: فخطب الناس عندنا نمرة وعرنة وعرفة. طيب نمرة قبل عرنة، ثم عرنة، ثم عرفة. قال: فخطب الناس، وقال: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا". فبدأ النبي عليه الصلاة والسلام في خطبته في بيان حرمة الدماء والأموال، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يتساهلون في أمر الدماء، فكان يعتدي بعضهم على بعض، ويسفك بعضهم دم بعض. وهكذا أيضا تساهلوا في أمر الأموال، فيعتدي القوي على الضعيف. فبيّن النبي عليه الصلاة والسلام أن الدماء والأموال محرمة. قال: "فألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة". وإن أول دم أضع من دمائنا دم ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد، فقتلته ذيل. يعني أسقط النبي صلى الله عليه وسلم دمه، حتى يقطع باب الشر والأخذ بثاره، فتسبب بذلك سفك الدماء. فبيّن النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا الدم موضوع. وذلك كما سمعنا، سدا لذريعة الشر. قال: "وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع من ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله". وأهل الجاهلية كذلك كانوا يساهلون في التعامل بالربا، وخاصة الربا القرض. فتجد الواحد يقرض الآخر قرضا، فإذا جاء وقت السداد، وليس عنده ما يقضي به دينه، قال: إما أن تقضي، وإما أن تربي. يعني يزيد له في المدة، ويرفع في ثمن الدين. كان هذا كثيرا في الجاهلية. لهذا قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا أتأكلون الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم ترحمون﴾. هكذا كانوا يتعاملون بالربا. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن ربا الجاهلية موضوع، يعني ما كان من تعامل بالربا في الجاهلية، فهو موضوع، يعني لا يعتبر به، ولا ينبغي لمن عنده شيء لآخر من هذا الربا أن يعطيه إياه. وأول ما بدأ النبي عليه الصلاة والسلام بالعباس، لأنه عمه، حتى لا يقول أن هذا الأمر فيه شيء من المحاباة. فبدأ النبي عليه الصلاة والسلام بأقاربه، قطعا لهذا الباب، وهو أن يقال: إنه يحابي. وكذا قال: "فإنه موضوع كله". "فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله". والمراد بكلمة الله، يعني بالإيجاب والقبول، بقول الولي: زوجتك، وأنكحتك. فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يحسن إلى النساء، وأن المرأة أمانة عند الرجل، فينبغي أن يحسن إليها. قال: "ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه". يعني من حقوق الرجل على مرأته أن المرأة لا تدخل بيت زوجها أحدا لا يرضاه الزوج، إلا بإذنه، حتى ولو كان أبوها أو أخوها. لوء أبى فلا يحل لها أن تدخله. قال: "فإن فعلنا ذلك، فاضربوهن ضربا غير مبرح". يعني إذا خالفنا، ولم يطعنا، وعصينا، وأصبحنا ناشزات، فإنها تؤدب بعد النصيحة والهجر، كما أخبر الله سبحانه وتعالى في الآيات. والتي تغضبن، ويشوزهن، فعظوهن، وهجروهن في المضاجع، واضربوهن. فإن طعنكم، فلا تبغوا عليهن سبيلا. فالضرب هو آخر المحاولات، بعد الوعظ، وبعد الهجر. ومراد به ضربا غير مبرح، يعني ضرب تأديب. قال: أهل العلم: يضربها بطرف العمامة، أو بالسواك، ونحو ذلك. إنه ليس المقصود هو تعذيبها، وإنما المقصود هو تأديبها، حتى تعلم أنها مخطئة، وترجع إلى رشدها. قال: "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف". يعني من حقوق المرأة على زوجها: أنه ينفق عليها في طعامها وكسوتها بالمعروف، كما قال الله جل وعلا: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾. قال: "وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده، إن اعتصمتم به: كتاب الله". يعني إذا تمسكتم بكتاب الله، وعملتم بما فيه، فصدقتم أخباره، وأحللتم حلالا، وحرمتُم حراما، وتحاكمتم إليه، فإن ذلك سبب للعصمة من الضلال، كما قال الله جل وعلا: ﴿فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى﴾. ومن أعرض عن ذكري، فإن له معيشة ضنكة، ونحشره يوم القيامة أعمى. وقبلها: ﴿فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى﴾. قال: من عباس رضي الله عنهما: "لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة". قال: "وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟" قالوا: "نشهد أنك قد بلغت، وأديت، ونصحت". فقال: بأصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء، وينكثها إلى الناس: "اللهم اشهد، اللهم اشهد". ثلاث مرات. قال: ثم أذن بلال، ثم أقام، فصل الظهر، ثم أقام، فصل العصر. أي صلى النبي عليه الصلاة والسلام الظهر والعصر، يوم عرفة، قصرا وجمعا، جمع تقديم. فصل الظهر، يعني في وقت الظهر، ركعتين، ثم صلى العصر، بعدها ركعتين. واستدل العلماء بهذا: أولا على جواز جمع التقديم. وثانيا على أن الصلاتين التي يجمع بينهما، فإنه يؤذن لهم بأذان واحد، وتصلى بإقامتين. يؤذن أذان واحد، ثم تصلى الأولى، تقام للصلاة الأولى، ثم تقام للصلاة الثانية. وهذا أصح مما ورد في بعض الروايات، حيث ابن عمر: أنه صلى بأذان وإقامة. لكن هناك رواية أخرى أيضا ثابتة عن ابن عمر، وهي بأن حديث جابر: أنه صلى بأذان وإقامتين، هذا هو الصحيح. وأيضا في هذا دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل الجمعة، مع أن يوم عرفة في ذلك اليوم كان يوم جمعة. لكن لم يصل النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة، لأنه مسافر، والمسافر لا يصلي جمعة. نعم، وصلاة الظهر والعصر، جمعا وقصرا، هذا يعتبر نسكا من أنساك الحج. ولهذا يصلي ذلك، ولو كان الحاج مقيما، ولم يكن مسافرا، فإنه يصلي الظهر ركعتين، والعصر ركعتين. قال: "ولم يصل بينهما شيئا". يعني بين الظهر والعصر. قال: "ثم ركب حتى أتى الموقف". يعني عرفة. ثم ركب حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصوى إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة. وقف النبي عليه الصلاة والسلام عند الصخرات، وهو موضع، أو جبل، يقال له: جبل الرحمة. فاستقبل النبي صلى الله عليه وسلم الجبل، واستقبل القبلة، ووقفها هنا. وقال: "وقفتها هنا، وعرف كلها موقف". أي موقف، يعني أي مكان وقف فيه الحاج، لكن لا بد أن يكون من عرفة، يعني يتأكد أنه داخل حدود عرفة. وهناك علامات وضعت، تبين حدود عرفة. وقوله: "وقف"، هل المراد بالوقوف هو البقاء؟ البقاء في عرفة، ليس المراد بالوقوف أن تقف على قدميك، لا. النبي عليه الصلاة والسلام كان جالسا على راحلته. فالمراد أنك تبقى في ذلك المكان، إلى أن تغرب الشمس، سواء جالسا، أو متجها، المهم تبقى، وتمكث في عرفة، حتى يأتي وقت الإفاضة. تذكر الله عز وجل، تقرأ القرآن، تسبح، تهلل، تكبر، تدعو الله، تتقرب إليه بما شئت من أنواع الطاعات والقربات. وتعلمون فضل يوم عرفة، وأن الله عز وجل يدنو إلى عباده إلى السماء الدنيا، فيباهي بأهل الموقف ملائكة، يقول: "انظروا إلى هؤلاء، ما أراد هؤلاء؟" حيث عايشة بالصحيح. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عز وجل من النار، من يوم عرفة". فهو يوم عظيم، يستغله الحاج بالتقرب إلى الله جل وعلا، بالتضرع والدعاء. قال: "فلم يزل واقفا". قال: "فلم يزل واقفا، حتى غربت الشمس". المراد: لم يزل واقفا، لم يزل ماكثا في عرفة، لم يزل ماكثا في عرفة، حتى غربت الشمس. ويستحب للحاج في يوم عرفة أن يكون مفطرا، أن لا يصوم. صيام يوم عرفة مستحب، لكن لغير الحاج. وأما الحاج، فالمستحب له أن يفطر، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، حتى يتقوى على العبادة والطاعة، ويستطيع أن يجتهد في الدعاء والذكر، وقراءة القرآن. قال: "وذهبت الصفرة قليلا، حتى غاب القرص". يعني تحقق من غروب الشمس. قال: "وأردف أسامة بن زيد خلفه". ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد شنق للقصواء الزمام. شنق بمعنى ضيق على الحبل الذي يوضع في أنفها، حتى لا تسرع في المشي. قال: "حتى إن رأسها يصيب مورك رحله". يعني من شدة ما ضيق عليها، حتى لا تسرع. قال: "ويقول بيده اليمنى: أيها الناس، السكين السكين". يعني يشير بيده، يقول: السكين السكين، يعني لا تسرع. قال: "كلما أتى حبلا من الحبال، أرخى لها قليلا حتى تصعد". والمراد بحبل من الحبال، يعني الكوم من الرمل، أكوام الرمل. إذا أتى عليها، أرخى لها الحبل، حتى تتقوى على الصعود. قال: "حتى أتى المزدلفة، فصل بها المغرب والعشاء، بأذان واحد وإقامتين". طيب، الآن النبي صلى الله عليه وسلم انطلق من عرفة إلى مزدلفة، والمسافة ليست ببعيدة، هي نحو خمسة كيلو، تقريبا بين عرفة ومزدلفة. وهناك علامات وضعت الآن، يعني تدل على آخر حدود عرفة، وأول حدود المزدلفة. وعرفة ليست من الحرم، عرفة من الحل. ومزدلفة من الحرم. مزدلفة من الحرم. طيب، فإذا انطلق الحاج من عرفة إلى مزدلفة، متى ما وصل إلى مزدلفة، صلى المغرب والعشاء، لأنه سينطلق من عرفة، متى بعد غروب الشمس، يعني بعد دخول وقت المغرب، فيأتي إلى مزدلفة، فيصلي فيها المغرب والعشاء. لكن إذا كان سيتأخر، إذا كان سيتأخر، يعني حينئذ لا يؤخر صلاة العشاء، يصليها في الطريق، إذا استطاع أن ينزل من الحافلة التي يركبها، ويصلي في الأرض، فعل ذلك. ما استطاع صلى وهو جالس في حافلته. إن استطاع أن يتوضأ، توضأ. ما استطاع تيمم. ما استطاع يصلي، ولو بغير وضوء وتيمم، صلى صلاة فاقد الطهورين. ولا يترك الصلاة، حتى يخرج وقتها. ما يقول: أنا أريد مزدلفة، ما سأصلي إلا في مزدلفة، لا. إذا كنت ستصل في وقت صلاة العشاء، لا. بس أما إذا كنت ستتأخر، وما ستصل إلا بعد خروج وقت صلاة العشاء، فلن. لا يجب أن تؤخر الصلاة، بس صلي على أي حال تستطيع. فاتقوا الله ما استطعتم. قال الله: "فصلى بها المغرب والعشاء، بأذان واحد وإقامتين". إذن تصلى الصلاتين بأذان واحد، وإقامتين، أي إقامة لكل صلاة. يؤذن، ثم يقيم لصلاة المغرب، ثم يقيم لصلاة العشاء. قال: "ولم يسبح بينهما". يعني ما صلى شيء من النوافل بين المغرب والعشاء. ثم اتجه حتى طلع الفجر. نعم، ولم يسبح بينهما شيئا. لكن هل معنى هذا أنه ما صلى حتى الوتر؟ الثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام هو المحافظة على صلاة الوتر، أنه كان لا يترك عليه الصلاة والسلام. فيحتمل يعني أنه صلاها، لكن أراد هنا أنه لم يصل شيء بين المغرب والعشاء، أنه لم يصل شيء بين المغرب والعشاء. قال: "ثم اتجه حتى طلع الفجر". يعني ارتاح عليه الصلاة والسلام حتى يتقوى بعد ذلك لأعمال اليوم العاشر. وهذا الذي ينبغي للحاج، إما أن ينشغل يعني بذكر الله سبحانه وتعالى، أو ينام. وهذا الأفضل له أن ينام، لئلا يتعب في المزدلفة، حتى يتقوى لأعمال اليوم العاشر. وأما أن يسهر في قيل وقال، هذا خطأ. أو بعضهم من ينشغل بلقط الحصى للرمي، وهذا ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام. قال: "وصلى الفجر حين تبين له الصبح، بأذان وإقامة". حين تبين له الصبح، يعني في أول وقتها، حين تبين أن الصبح قد دخل. فصلى عليه الصلاة والسلام صلاة الصبح، بأذان وإقامة. لماذا؟ حتى ينشغل بالدعاء والذكر. قال: "ثم ركب القصوى حتى أتى المشعر الحرام". والمشعر الحرام جبل صغير في مزدلفة. وأزيل هذا الجبل، وجعل محله المسجد الذي في مزدلفة الآن، مسجد مزدلفة. هو في موضع المشعر الحرام. إذا استطاع الإنسان أو الحاج أن يصلي في المسجد، هذا أفضل. ما استطاع صلى أي موضع من مزدلفة، ويجزئ ذلك. ولا يلزم أن يقف في هذا الموضع الذي وقف فيه النبي عليه الصلاة والسلام. قال: "فاستقبل القبلة، فدعا، وكبر، وهلّل، ووحّد". فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا. فدفع قبل أن تطلع الشمس. يعني استقبل القبلة، وجعل يدعو، ويكبر، ويهلل، ويوحد. فلم يزل على ذلك، معظما لله سبحانه وتعالى، ذاكرا له، حتى أسفر الفجر، يعني انتشر ضوء الفجر. وقبل طلوع الشمس، انطلق عليه الصلاة والسلام إلى منى. قال: "فدفع قبل أن تطلع الشمس". وكانت الجاهلية لا ينطلقون، أو يدفعون من مزدلفة، إلا بعد طلوع الشمس، إلا بعد طلوع الشمس. ويقولون كما روي عن عمر: "أشرق ثبير، كي ما نغير". "أشرق ثبير، كي ما نغير". قال: "فدفع قبل أن تطلع الشمس". فخالفهم النبي عليه الصلاة والسلام. فانطلق قبل أن تطلع الشمس. قالوا: "أردف الفضل بن العباس حتى أتى بطن محسر". أردفه يعني أركبه معه على الناقة خلفه، حتى أتى بطن محسر. وبطن محسر هو واد بين مزدلفة ومنى، واد بين مزدلفة ومنى. قال: "فحرك قليلا". يعني أسرع شيئا ما في المشي. وليس تحريكه هنا عليه الصلاة والسلام لأجل أنه الموضع الذي عذب فيه أصحاب الفيل. فأولئك عذبوا في المغمس، وهو بجوار الأبطح. قال: "ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى". وتسمى اليوم بطريق الجمرات. تسمى بطريق الجمرات. والجمرة الكبرى هي آخر منى، هي آخر منى. قال: "حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة". كانت هناك شجرة عند الجمرة، لكن الآن أزيلت. الآن لا يوجد شيء، يعني لا تجد هذه الشجرة. قال: "فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة". مثل حصاة الخذف. أول عمل من أعمال اليوم العاشر هو رمي جمرة العقبة، هو رمي جمرة العقبة. كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام هنا، بدأ برمي جمرة العقبة، فرماها بسبع حصيات. تأخذ هذه الحصاة من أي مكان. تأخذ من أي مكان. بعضهم كما سمعنا يلقطها من مزدلفة، لا. لا ما اشترط. ولو جيت عند المرمى، أو قبل أن تصل إلى المرمى، أو نحو ذلك، أخذت الجمرات. في الأصل، والنبي صلى الله عليه وسلم لما جاء إلى الجمرات، قال: الفضل ناولني الحصاة. والظاهر أنه أخذها من قرب الجمرات، أخذها من قرب الجمرات. قال: "يكبر مع كل حصاة منها". يعني يرميها، ويقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. قال: "مثل حصاة الخذف". يعني الحصاة حصاة الجمرات ترمى مثل حصاة الخذف، صغيرة. مثل حبة الفول، أو الباقلة، أو نحو ذلك. أكبر بقليل. حصاة هذه توضع بين النصبين، وتخذف. يسمى حصاة الخذف، يعني صغيرة. قال السلف لما أخذها: قال: "في مثل هذا فرموا". "وإياكم والغلو". عقيب من عباس. "في مثل هذا فرموا". "وإياكم والغلو". فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو. والأمر تعبدي. نحن تعبدنا بذلك أن نرمي بمثل هذا الحصى. ما يأخذ الإنسان حصاة كبيرة، ولا خشب، ولا نعل. تجد بعض الجهلة: هذا يرمي بنعله، وهذا يرمي بحصاة كبيرة، وكذا. هذا أمر يعني تعبدي، أن نرمي بمثل هذا الحصى. ثم هذا الرمي أيضا أمر تعبدي، نفعل ذلك اقتداء من النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك أيضا أن هذا نسك من مناسك الحج، وليس الرمي لأجل أن إنسان يرمي الشيطان، لا. الرمي هنا أمر تعبدي. صحيح أنه روي في بعض الأحاديث أن الشيطان عرض لإبراهيم لما رمى الجمرة. حسن بعض أهل العلم. لكن ليس معنى هذا أن الرمي هنا للشيطان، لا. كما أن كثير من الأعمال قد يكون لها سبب، ثم تستمر وتبقى مشروعة مع انتفاء سببها. مثل طواف الرمل في طواف القدوم، كان سببه ماذا؟ رجع المشركون لما قالوا: يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب. فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن الصحابة قوياء. فأمرهم بالرمل. طيب لما متى انتهت مكة، انتفى هذا السبب. ومع ذلك استمر الرمل، وأصبح أمرا مشروعا مع انتفاء سببه. كذلك يقال هنا في رمي الجمرات. والمقصود من رمي الجمرة أن تسقط الحصى في الحوض، ليس المقصود إصابة الشاخص الذي في وسط المرمى، لا. الذي ينبغي، ويجب أن تسقط هذه الحصى داخل الحوض. طيب حتى لو سقطت، وصلت للحوض، ثم سقطت، فلا يضر. المهم تصير للحوض. أما إذا سقطت خارج الحوض، ما أصابت الحوض، فهنا ما تحسب. لا بد أن تقع في الحوض. قال: "رمى بن بطن الوادي". رمى بن بطن الوادي، لأن كانت هناك شجرة، لكن الآن أزيلت. فالآن ترمى من أي جهة، من أي جهة. والسنة أن تجعل مكة عن يسارك، ومنى عن يمينك. لما رمى بن سعود رضي الله عنه، وقف، وجعل مكة عن يساره، ومنى عن يمينه. وقال: "هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة". أي النبي عليه الصلاة والسلام. قال: "ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بيده". نحر في هذا الموضع. وقال: "منها كلها منحر". منها أي موضع من منى تنحر الهدي الذي معك. هذا العمل الثاني من أعمال اليوم العاشر، بعد رمي جمرة العقبة: النحر. نحر الهدي. قال: "ثم أعطى عليا فنحر ما غبر". يعني ما تبقى. تمام المياه في جواز التوكيل في نحر الهدي، وذبحه. قال: "وأشركه في هديه". أي أشرك عليا رضي الله عنه. قال: "ثم أمر من كل بدنة ببضعة". يعني بقطعة. ببضعة. أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، فطبخت. فأكل من لحمها، وشرب من مرقها. لقول النبي عليه الصلاة والسلام، أو قول الله عز وجل: ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾. نعم، فالأكل من لحم الهدايا والأضاحي مستحب. وهذا الهدي لما كان هدي شكر، جاز الأكل منه. أما هدي الجبران، لم يحصل من نقص، كما سيأتي، فإنه لا يؤكل منه. طيب، قال: "ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأفاض إلى البيت". هنا ما ذكر الحلق والتقصير، وإن كانوا سلم حلقوا. ثم أفاض إذا عندنا أعمال الحج في اليوم العاشر على الترتيب. أولا: رمي جمرة العقبة. ثم النحر. ثم الحلق أو التقصير، والحلق أفضل. ثم طواف الإفاضة، أو طواف الحج. هذه أربعة أعمال تعمل في اليوم العاشر. جمعت في كلمة: "رن حط". الراء للرمي، النون للنحر، الحاء للحلق، الطاء للطواف. طيب جمعت في كلمة "رن حط". هذا المستحب. فإذا قدم أو أخر، فلا حرج. لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أعمال يوم العاشر، قال: بعض من رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نحرت قبل أن أرمي". قال: "افعل، ولا حرج". فما سئل عن شيء قدم، ولا أخر، إلا قال: "افعل، ولا حرج". إذا قدمت هذه الأعمال بعضها على بعض في اليوم العاشر، فلا حرج في ذلك. واضح. نعم، وقلنا: الحلق أفضل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاثا: "اللهم ارحم المحلقين". قال: "والمقصرين يا رسول الله؟" قال: "اللهم ارحم المحلقين". قال: "والمقصرين يا رسول الله؟" قال: "اللهم ارحم المحلقين". قال: "والمقصرين". المقصرين مرة واحدة، والمحلقين ثلاث مرات. في الحلق أفضل. نعم، ثم بعد الحلق طواف الإفاضة. ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأفاض إلى البيت، يعني ليطوف طواف الإفاضة، وهو طواف الحج. وهنا ما ذكر السعي، ما قال: وسعى ليطوف ويسعى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا. والقارن والمفرد ليس عليهما إلا طواف واحد، وسعي واحد. يعني إذا طاف طواف القدوم، ثم سعى بعد ذلك، أجزأه هذا السعي عن حجه وعمرته. أجزأه عن حجه وعمرته. فإذا طاف طواف الإفاضة، لم يلزمه أن يسعى بعد ذلك. كفاه السعي الأول. أما المتمتع، فعليه طوافان، وسعيان. طواف العمرة، وسعي العمرة. وطواف الحج، وسعي الحج. والنبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا، فاكتفى بسعيه الأول. قال: "ثم صلى بمكة الظهر". وفي حيث بن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بمنى. وجمع أهل العلم من الحديثين: بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بمكة أولا، ثم ذهب إلى منى، فصلى بهم الظهر. قال: "فأتى بني عبد المطلب، وهم يسقون على زمزم". فقال: "إنزعوا بني عبد المطلب". يعني كانوا يغرفون من ماء زمزم، ويضعونه في الأحواض، حتى يسهل على الناس أن يشربوا من زمزم. قال: "فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم، لنزعتوا معكم". يعني أن يظنوا أن هذا منسك من مناسك الحج، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما حج، كان يقول: "خذوا عني مناسككم". فإذا رأوه ينزع من ماء زمزم، سيظنون أن هذا أيضا من مناسك الحج، فينازعون بني عبد المطلب في ذلك. فترك النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. قال: "فناولوه دلوا فشرب منه". رواه مسلم. وهي دليل على أنه يستحب شرب ماء زمزم بعد الانتهاء من طواف الإفاضة. قال: "وكان صلى الله عليه وسلم يفعل المناسك، ويقول للناس: خذوا عني مناسككم". يعني خذوا وتعلموا مني مناسك الحج، حتى يقتدوا به. ولا شك أن البيان بالفعل، والتعليم بالفعل، أبلغ من التعليم بالقول. فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم كيفية الحج، فعل ذلك بنفسه عليه الصلاة والسلام، وبيّن لهم مناسك الحج بفعله. ولهذا قال: "خذوا عني مناسككم". أي تعلموا مني مناسك الحج. وكما ذكرنا: أن هذه الحجة هي الحجة الوحيدة التي حجها النبي صلى الله عليه وسلم. وما في هذا الحديث ما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام، فالأصل أنه واجب. الأصل أنه واجب. والله عز وجل يقول: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "خذوا عني مناسككم". هذا أمر. إذا الأصل فيما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أنه واجب، إلا إذا دل الدليل على عدم الوجوب، فيكون مستحبا. وما دل على أنه ركن بأحاديث أخرى، وأدلة أخرى، فإنه يكون من أركان الحج. يعني الأصل فيما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أنه واجب. هذا الأصل. فما خرج عن هذا الأصل بقرينة أخرى، دلت على الاستحباب، فيكون مستحبا. وما دل على زيادة على الوجوب، وهو الركنية، فيكون ركنا. هنا ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أعمال اليوم، أيام التشريق. وسنذكرها إن شاء الله في ذكر الواجبات. وأخيرا إن شاء الله إلى ذكر الواجبات، ونشير إلى ما يتعلق برمي الجمرات. طيب نقف هنا إن شاء الله. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.